غزة بعد ثلاث سنوات.. الحرب تعيد توزيع أدوار الأسرة
آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 3:04 م بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار ورنا عادل وسلمى محمد مراد
مرت ثلاث سنوات منذ العدوان الإسرائيلي على غزة، شهد خلالها القطاع تغيرات طالت مختلف جوانب الحياة، وتحولت غزة النابضة بالحياة إلى بيئة متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات المعيشة، وتبتعد كل البعد عن أبسط أشكال الحياة الآدمية.
وطال هذا الخراب المساكن والبيوت، وخلف آلاف الشهداء والضحايا، ومَحا أسرًا وعائلات كاملة من الوجود. حتى أدوار أفراد الأسرة وشكلها نفسه تغيرا، إذ وجدت الأمهات أنفسهن أمام مسؤوليات وأدوار لم يكنَّ مستعدات لها بعد غياب الأب، سواء بسبب الاستشهاد أو الإصابة أو الاعتقال أو الفقد أو العجز عن العمل، مخلفةً قصصًا لآلاف العائلات التي اضطرت إلى إعادة توزيع أدوارها بعد فقدان أحد أهم مصادر الدخل والرعاية داخلها.
• الحرب دفعت نساء إلى موقع القيادة داخل الأسرة
وصارت الأم هي التي تبحث عن الطعام والماء والدواء، وتقرر أين تنزح الأسرة، وكيف تنفق ما تملكه من مال، وكيف يحصل أطفالها على المساعدة أو العلاج. وبحسب أحدث تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في 8 سبتمبر 2026، تتزايد معاناة النساء في القطاع يومًا بعد يوم، إذ قدّرت البيانات أن نحو 86 ألفًا و290 أسرة تعيلها نساء حاليًا، أي ضعف العدد مقارنة بالفترة التي سبقت أكتوبر 2023.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كانت النساء، قبل أكتوبر 2023 وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام، يترأسن نحو 12% فقط من أسر القطاع. وظهر هذا التحول وتفاقمت معاناة النساء تدريجيًا مع استمرار الخسائر البشرية، إذ وصلت نسبة الأسر التي تترأسها نساء إلى نحو 18% خلال سبتمبر وأكتوبر 2025، مقارنة بـ12% قبل الحرب.
وربط الجهاز هذا التغير بفقدان أعداد كبيرة من الرجال المعيلين، في تقريره الصادر في 8 مارس 2026، مشيرًا إلى أن 22 ألفًا و57 امرأة فقدن أزواجهن منذ بدء العدوان. كما قالت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية ووزارة الدولة لشؤون الإغاثة إن أكثر من 28 ألف امرأة في غزة فقدن أزواجهن، وأصبحت أعداد كبيرة منهن مسؤولة بصورة كاملة عن إعالة أسرهن.
• من فقدان الأب إلى تحمل الأسرة بأكملها
وخلف هذه الأرقام نساء أصبحت حياتهن سلسلة من القرارات اليومية التي لم يكن لديهن خيار سوى اتخاذها، من بينهن أم أحمد الغندور، من دير البلح، التي استشهد زوجها خلال العدوان، وأصبحت مسؤولة عن سبعة أفراد.
وبحسب شهادة مصورة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت إنها باتت تؤدي دور الأم والأب معًا، وتتولى تعليم أبنائها وتوفير المياه والغاز واحتياجات المنزل، واختصرت التغيير الذي طرأ على حياتها في جملة واحدة: «في كل كبيرة وصغيرة أنا المسؤولة عنهم».
وفي حالات أخرى، تنتقل المسؤولية بشكل تدريجي بين أفراد الأسرة كلما حدثت خسارة جديدة، كما حدث مع أم أنس الصعيدي، من دير البلح، التي فقدت زوجها، ثم ابنها الأكبر، الذي كان قد تحمل مسؤولية إعالة الأسرة بعد والده، ثم فقدت ابنها الأصغر، وبقيت الأم مع ابن من ذوي الإعاقة يحتاج إلى رعاية وعلاج مستمرين.
وقالت لـ«يورو نيوز» في نهاية سبتمبر، إنها تخرج بنفسها للحصول على الطعام وشراء الخبز والدواء، وترافق ابنها إلى المستشفيات والعيادات، في ظل عدم امتلاك الأسرة مصدر دخل ثابت.
وفي حالة أخرى وثقتها منظمة اليونيسف في أكتوبر 2025، أصبحت سمر، من شمال غزة، مسؤولة عن خمسة إخوة أصغر منها بعد فقدان والدتها، بينما كان والدها قد توفي قبل العدوان. وقالت إن إخوتها أصبحوا ينادونها «ماما».
وبحسب تفاصيل وصور التقطها المصور الصحفي عبدالحكيم أبو رياش ونُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، يعيش الشقيقان فريال وعبد الرحمن أزام، اللذان لم يتجاوزا العاشرة من عمرهما، مع جدتهما في خيمة بمدينة غزة، وسط الهجمات والقصف المستمر من جانب إسرائيل، بعد نجاتهما من انهيار مبنى سعد، الذي كان قد تعرض لدمار كبير، في 20 سبتمبر الماضي.
واستشهدت والدتهما وشقيقهما ريزك إثر سقوط المبنى، بينما أُنقذ الطفلان من تحت الأنقاض، بعدما أصيبا بإصابات متوسطة في الرأس والقدمين.
معيلة بلا سوق عمل
لذا أصبحت المساعدات النقدية والغذائية، والعمل المؤقت، وبعض الأنشطة المنزلية المحدودة، من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الأسر لتدبير حياتها، في وقت تواجه فيه النساء في القطاع سوق عمل شبه مغلق، بينما يُطلب منهن في الوقت نفسه إعالة أسرهن. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت مشاركة النساء في القوى العاملة في غزة نحو 17% خلال سبتمبر وأكتوبر 2025، بينما وصلت نسبة البطالة بين النساء المشاركات في سوق العمل إلى 92%، مقابل 81% بين الرجال.
كما أصبحت رحلة الحصول على المساعدة نفسها جزءًا من عمل المرأة اليومي، إذ باتت المعيلة مطالبة بالعثور على مكان آمن للنزوح، وتوفير المياه والطعام والدواء ووسائل الطهي، والوصول إلى نقاط توزيع المساعدات، ومتابعة احتياجات الأطفال.
وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 68% من الأسر التي تترأسها نساء لديها احتياجات غير ملباة في مجال المأوى، مقارنة بـ55% من الأسر التي يرأسها رجال. كما تعرضت مساكن 74% من الأسر التي تترأسها نساء للضرر أو التدمير، مقابل 67% من الأسر الأخرى، لافتةً إلى أن 67% من هذه الأسر تحتاج بصورة عاجلة إلى مساعدات نقدية للبقاء.
الأطفال أيضا أصبحوا جزء من معادلة الإعالة
ولم ينجو الأطفال كذلك وطالتهم الأعباء والمسؤولية، فبحسب تقييم لليونسيف منشور في مايو 2026، أظهر أن 6.5% من الأطفال الذين شملهم المسح فقدوا أحد الوالدين منذ أكتوبر 2023، بينما كان 5.3% يعيشون من دون رعاية والدية، وتولي الأقارب الرعاية في 92% من الحالات التي عاش فيها الأطفال بدون رعاية الوالدين، وتشمل أدوار الجدات والعمات والخالات والأشقاء الأكبر سنا.
إضافة إلي أن بعض الأطفال لم يعودوا متلقيين للرعاية، حيث أصبحت الفتيات يتحملن قدرا أكبر من الأعمال المنزلية ورعاية أفراد الأسرة على حساب الحركة والتعليم أحيانا، بينما واجه الفتيان ضغطًا للبحث عن أعمال غير رسمية للمساهمة في دخل الأسرة.
وقالت 17% من الأسر إن الأولاد الذكور يتحملون المسؤولية الرئيسية عن جلب المياه، بينما شارك 8% من الأطفال في أعمال ضارة أو خطرة خلال الأسبوع السابق للمسح من بينها حمل الأوزان والعمل لساعات طويلة وأعمال تؤثر في الدراسة.