الأغنية المصرية ترفع رايات النصر

آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 6:51 م بتوقيت القاهرة

تقرير - أمجد مصطفى:

- «عاش اللى قال» و«على الربابة» و«باسم الله» تحولت إلى سلاح معنوى فى معركة العبور

من «بسم الله.. الله أكبر» إلى «عاش اللى قال» و«على الربابة».. كيف تحولت الأغنية المصرية إلى سلاح معنوى فى معركة العبور؟
كانت حرب أكتوبر المجيدة معركة لتحرير الأرض، خاضها جيش مصر العظيم بالسلاح والإرادة والتخطيط والتضحية، لكن المعركة لم تكن على الجبهة وحدها. ففى السادس من أكتوبر 1973، كان هناك جيش آخر يعمل فى القاهرة، جيش من نوع مختلف، حمل الكلمة واللحن والصوت، وتحرك داخل استوديوهات الإذاعة المصرية، ليصنع للأيام التاريخية أغنياتها، وللنصر ذاكرته، وللجنود سندًا معنويًا يصل إليهم عبر المذياع.

كانت الأغنية المصرية يومها أكثر من عمل فني؛ كانت رسالة، وتحية للجندى، وتعبيرًا عن فرحة شعب، ومحاولة لترجمة حدث عسكرى هائل إلى مشاعر يستطيع كل مصرى أن يفهمها ويشارك فيها.

فى الثانية والربع من ظهر السادس من أكتوبر، أذيع البيان العسكرى الأول عبر الإذاعة المصرية معلنًا بدء العمليات العسكرية. ومن تلك اللحظة أصبحت الإذاعة نافذة المصريين على الجبهة، لكن البيانات العسكرية لم تكن وحدها حاضرة؛ كانت الأغنية تتداخل معها، فتمنح الخبر العسكرى بعدًا إنسانيًا، وتحول القلق والترقب إلى حماس، ثم إلى فرحة عندما بدأت أخبار العبور تصل إلى المصريين.

وإذا كانت هناك أغنية اختزلت لحظة العبور فى كلمات قليلة، فهى «بسم الله.. الله أكبر»، كلمات عبد الرحيم منصور، وألحان بليغ حمدى، وأداء المجموعة. التقط منصور الهتاف الذى خرج من أفواه الجنود: «الله أكبر»، وحوله بليغ إلى لحن حماسى. والأجمل أن بليغ استعان بالعاملين فى الإذاعة للمشاركة فى تسجيل الأغنية، فأصبح الاستوديو نفسه جزءًا من ملحمة أكتوبر.

كان بليغ أحد أبطال المشهد الغنائى؛ فإلى جانب «بسم الله.. الله أكبر»، وضع ألحان «على الربابة» لوردة، و«عاش اللى قال» لعبد الحليم حافظ، وغيرها، عبدالرحيم منصور يكتب، بليغ حمدى يلحن، عبدالحليم ووردة يغنيان، والمجموعة تردد، والإذاعة تفتح الاستوديو.. هكذا صنعت مصر أغنية النصر.

وفى الساعات الأولى من السابع من أكتوبر جاءت «على الربابة» بصوت وردة، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدى، لتصبح واحدة من علامات الذاكرة الغنائية للحرب، بينما قدم عبد الحليم حافظ «عاش اللى قال»، كلمات محمد حمزة وألحان بليغ، فارتبط صوته بفرحة العبور والانتصار.

ولم تكن كل أغنيات أكتوبر قد كتبت بعد اندلاع الحرب. «رايحين رايحين.. شايلين فى إيدنا سلاح»، كلمات نبيلة قنديل وألحان على إسماعيل، كانت قد أُعدت لفيلم «العصفور» ليوسف شاهين قبل الحرب، لكنها اكتسبت بعد العبور معنى جديدًا، وأصبحت جزءًا من المشهد الوطنى. وهنا تظهر حقيقة مهمة: أحيانًا لا تتغير الأغنية، وإنما يتغير التاريخ من حولها.

ثم جاءت شادية بـ«عبرنا الهزيمة»، وارتبطت الأغنية بعنوان مقال لتوفيق الحكيم، بينما قدمت شريفة فاضل «أم البطل»، كلمات نبيلة قنديل وألحان على إسماعيل، فغنت للحرب من زاوية الأم التى فقدت ابنها الشهيد، لتصبح الأغنية صوتًا لثمن النصر.

وبعد الحرب جاء «صباح الخير يا سينا» لعبد الحليم، كلمات عبد الرحمن الأبنودى وألحان كمال الطويل، فانتقل الغناء من العبور إلى الأرض المحررة. وقدمت سعاد حسنى «دولا مين»، وهى من الأغانى التى كانت ذات شكل ونمط مختلف فى الكلمة واللحن والأداء كما بقيت فى الذاكرة أغنيات «لفى البلاد يا صبية»، و«الفجر لاح»، و«ع البر التانى»، و«من باب الفتوح»، و«سكة واحدة»، و«بالأحضان يا سينا»، و«صباح النصر»، و«رايحة فين يا عروسة»، و«سمينا وعدينا»، و«مصر يا غالية».

لم تكن الأغنية سلاحًا عسكريًا، لكنها كانت سلاحًا معنويًا. كان الجندى يحتاج إلى أن يعرف أن خلفه شعبًا ينتظر عودته، وكانت الأسرة تحتاج إلى صوت يمنحها القدرة على تحمل القلق، وكان المواطن يحتاج إلى من يغنى ما يشعر به ولا يستطيع قوله.

لهذا بقيت أغانى أكتوبر؛ لأنها لم تسجل حربًا فقط، وإنما سجلت وجدان أمة. كانت الأغنية يومها جزءًا من المعركة، وحين انتصر الجيش، انتصرت معه الكلمة واللحن والصوت، وبقيت أغنية أكتوبر شاهدًا على زمن كانت فيه مصر كلها تغنى من أجل النصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved