ملحمة الـ20 دقيقة.. كيف أنقذ مسعفان ذراع عامل من البتر الدائم بعد حادث مروع ببني سويف؟

آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 4:42 م بتوقيت القاهرة

حازم الخولي

في لحظات فارقة تُقاس بالأجزاء من الثانية، سطر طاقم من هيئة الإسعاف المصرية ملحمة إنسانية وطبية متكاملة الأركان، أعادت لـ "سليمان" ابن محافظة بني سويف، العامل البسيط الذي يعتمد على قوته اليومي، ذراعه المبتورة وقلبه النابض بالرضا.

بدأت الواقعة أثناء عبور "سليمان" الطريق متجها إلى عمله، قبل أن تقذفه سيارة مسرعة لعدة أمتار، لم تكن السقطة أليمة فحسب، بل كانت كارثية؛ إذ أدت قوة الاصطدام إلى بتر ذراعه اليسرى بالكامل، لتسقط على بُعد متر واحد من جسده النازف.

دخل "سليمان" في حالة ذهول وصدمة عصبية حادة، شاخصا ببصره نحو السماء بينما يمر شريط حياته أمام عينيه كشريط سينمائي خاطف، معتقدا أنها اللحظات الأخيرة في حياته، ووسط غيابات الوعي المتسللة والظلال المضببة كان اللون الأصفر لسيارة الإسعاف آخر ما أبصرته عيناه، وكان صوت المسعف "محمد سيد" يتردد كطوق نجاة وسط الظلام: "لا تخف.. نحن معك".

لم يكن المسعف "محمد سيد" وزميله السائق "محمود محمد"، من رجال إسعاف الطرق الصحراوية والمؤمنين للطريق الإقليمي وطريق العين السخنة، مجرد مؤديين لواجب وظيفي، بل تعاملا بروح الفارس والمُنقذ؛ فبمجرد وصولهما لموقع الحادث ورؤية المصاب غارقا في دمائه، أدرك المسعف بحسه الإنساني والمهني أن هذا العامل يعتمد على ذراعه كمصدر رزق أسرته الوحيد، ومن هنا، اتخذ قرارا مهنيا فارقا تلخص في عدم التعامل مع الذراع المبتورة كـ "أشلاء"، بل كـ "مصاب ثانٍ" يجب القتال لإنقاذه على أمل لا تتجاوز نسبته الواحد بالمئة.

بدأت خطة الإنقاذ الميداني بسلسلة من الإجراءات الطبية الفائقة الدقة عبر كبح النزيف الحاد من خلال تطبيق رباط ضاغط شرياني (Tourniquet) على الجزء المتبقي من العضد لوقف النزيف المتدفق بسرعة، فيما تم تغليف الذراع المبتورة بشاش طبي معقم مبلل بمحلول فسيولوجي، ووضع أكياس التبريد الفوري حولها بشكل غير مباشر للحفاظ على حيوية الأنسجة والخلايا دون إتلافها بالثلج المباشر، ونقل المصاب إلى سيارة الإسعاف، وتوصيله فورا بجهاز المتابعة الحيوية (Monitor)، مع تركيب أنبوب وريدي (كانيولا) لإمداده بالمحاليل التعويضية للدم المفقود.

وفي الوقت الذي كان فيه السائق "محمود" يسابق الريح ويشق الطريق بصافرات الإنقاذ للوصول في وقت قياسي، كان المسعف "محمد" ينسق مع غرفة الطوارئ عبر مجموعة التنسيق الفوري المشتركة بين الإسعاف ومستشفى العاصمة الإدارية الجديدة، أرسل المسعف تسجيلا صوتيا عاجلا يشرح فيه طبيعة البتر والوضع الصحي، لتبدأ أطقم الجراحة في تجهيز غرفة العمليات فورا قبل وصول السيارة.

وخلال 20 دقيقة فقط كانت بمثابة الحد الفاصل بين العجز الشامل والحياة السليمة، وصلت سيارة الإسعاف إلى مستشفى العاصمة الإدارية الجديدة، ونُقل المصاب برفقة ذراعه المحفوظة بحرفية إلى غرفة العمليات مباشرة، وبفضل سرعة النقل والتحضير الطبي المسبق، نجح الفريق الجراحي في إعادة توصيل الأوردة والشرايين والأعصاب للذراع المبتورة، وتكللت العملية بالنجاح التام.

رحلة العشرين دقيقة لم تكن مجرد نقل لمصاب، بل كانت شهادة برهان على أن خلف كل بلاغ طارئ في مصر حكاية إنسان يُقاتل من أجله رجال سُخروا ليكونوا بحق ملائكة الطرق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved