من الركام إلى الإعمار.. كيف تستعيد غزة حياتها؟
آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:50 م بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار ورنا عادل وسلمى محمد مراد
بعد ثلاث سنوات على الحرب الإسرائيلية على غزة، التي بدأت في 7 أكتوبر 2023، لا يزال سكان القطاع يعيشون تفاصيل يومية معقدة. ورغم تراجع حدة العمليات العسكرية الشاملة، تتواصل الخروقات والضربات المتفرقة، بما يبقي حالة عدم الاستقرار قائمة، ويجعل الأهالي يواجهون صعوبة بالغة في الانتقال من مرحلة تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة إلى خطوات إعادة الإعمار الفعلية، في ظل نقص السكن الملائم والخدمات الأساسية والإنسانية. ويطرح ذلك العديد من التساؤلات حول الآلية الممكنة لإعادة بناء ما دُمّر، وحجم التكلفة المادية والزمنية اللازمة لاستعادة الحياة الطبيعية في القطاع.
• قطاع الإسكان يتصدر حجم الدمار
تُظهر الأرقام حجم الكارثة غير المسبوق لعدوان الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ إذ بلغت قيمة الأضرار المادية المباشرة في القطاع نحو 35.2 مليار دولار، بحسب التقييم السريع النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة، الذي أعده البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وكان لقطاع السكن النصيب الأكبر من هذا الخراب؛ حيث تشير التقديرات إلى أن خسائر المباني والبيوت وحدها تجاوزت 18 مليار دولار، وهو ما يعادل تقريبًا 51% من إجمالي الأضرار الكلية. وتضررت ودُمرت بالكامل نحو 371 ألفًا و888 وحدة سكنية، أي ما يعادل 76.6% من إجمالي المنازل في غزة.
• انهيار تام للبنية التحتية والخدمات
لم تتوقف الأضرار عند حدود المنازل، بل طالت البنية التحتية والخدمات اليومية الأساسية بشكل مباشر؛ إذ تعرضت 88% من منشآت المياه والنظافة فوق الأرض للأضرار، إلى جانب تضرر 76% من الشبكات الممتدة تحت الأرض، كما توقفت أو تعطلت أكثر من نصف المستشفيات، إضافة إلى تدمير 90% من البنية التحتية للطاقة، و74% من الشوارع الرئيسية والفرعية، مما جعل الحركة والتنقل أمرًا في غاية الصعوبة، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة.
• تكلفة إعادة إعمار غزة.. خطة لعشر سنوات قادمة
وحول إعادة إعمار غزة والتعافي من آثار الحرب، يؤكد التقييم المشترك للمنظمات الأممية أن القطاع بحاجة إلى ما يقارب 71.4 مليار دولار على مدار عشر سنوات، وتتطلب المرحلة الأولى العاجلة وحدها خلال الـ18 شهرًا الأولى توفير 26.3 مليار دولار لبدء ترميم الخدمات وتوفير المأوى المؤقت والحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية، وإصلاح البنية التحتية.
وسبق أن أُعلن طرح خطة أولية للتعافي بقيمة 2.45 مليار دولار تمتد لستة أشهر، وتتضمن 66 مشروعًا للبنية التحتية والاقتصاد والخدمات، إلا أن الخطة تواجه عقبات سياسية وأمنية، في مقدمتها الخلافات حول الترتيبات الأمنية وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية، ما يهدد بتأجيل تنفيذها.
• أولويات إعادة الإعمار ما بعد الحرب
قبل بناء المنازل والمنشآت الجديدة، تواجه غزة مجموعة من المهام العاجلة، أبرزها إزالة ملايين الأطنان من الأنقاض، وفحص المباني الآيلة للسقوط، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، حسبما أقرت الأمم المتحدة؛ فلا يمكن بدء إعادة الإعمار قبل إزالة الركام وتأمين المناطق، إلى جانب استعادة شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وإصلاح المستشفيات والمدارس.
وتبرز أزمة السكن باعتبارها التحدي الأكبر؛ بعد تدمير أحياء بالكامل وتشريد مئات الآلاف من العائلات، فيما يعيش أكثر من مليون شخص في خيام ومباني متضررة ومزدحمة، وخاصة مع اقتراب موسم الأمطار، والتحذيرات من مخاطر السيول وانتشار الأمراض ونقص مستلزمات الإيواء.
• أزمة إنسانية مستمرة وخدمات صحية محدودة
ورغم وقف إطلاق النار الذي يتخلله خروقات متكررة، ما زالت الخدمات الصحية تعمل بقدرات محدودة؛ حيث سُجلت أكثر من 45 ألف حالة وبائية، إلى جانب استمرار الإصابات بأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا».
وما يزيد الأمور مأساوية، بقاء جثامين الشهداء تحت أنقاض المنازل؛ فخلال الفترة بين نوفمبر 2025 وسبتمبر 2026، انتُشلت أكثر من 630 جثمانًا ورفاتًا بشريًا، بينما يُعتقد أن أكثر من 8 آلاف شخص ما زالوا مفقودين تحت الأنقاض.
• ماذا تحتاج غزة في المرحلة الحالية؟
يتوقف تعافي غزة على تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان دخول المساعدات ومواد البناء والمعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام. كما يحتاج القطاع إلى توافق سياسي واضح بشأن إدارته، وخطة فلسطينية موحدة تشارك فيها السلطة الفلسطينية والمؤسسات المحلية لتنسيق جهود الإغاثة.
وتبدأ الأولويات بتوفير المأوى والمياه والرعاية الصحية، ثم إصلاح الشبكات والتجهيز التنموي قبل الانتقال لإعادة بناء الاقتصاد. لكن الطريق لا يزال طويلًا؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن إعادة إعمار غزة قد تستغرق عقدًا كاملًا، بشرط توافر التمويل والاستقرار السياسي والأمني.
• الدور المصري في الإغاثة والإعمار
تؤدي مصر دورًا محوريًا في ملف غزة منذ اليوم الأول من اندلاع الحرب عليها، عبر تنسيق إدخال المساعدات الإنسانية ودعم جهود الإغاثة، إضافة إلى جهودها المضنية لتوقف الحرب وطرح خطة عربية لإعادة الإعمار قُدرت تكلفتها بنحو 53 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وتشمل الخطة إزالة الركام، وتوفير مساكن مؤقتة، وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية والخدمات، مع التأكيد على بقاء الفلسطينيين على أرضهم وإفشال خطط التهجير التي سعت إليها حكومة الاحتلال بعد تدمير القطاع.
كما شكلت مصر نحو 80% من المساعدات التي دخلت غزة منذ اندلاع الأزمة عبر معبر رفح، بمساهمة من الحكومة والشعب والمجتمع المدني، بالإضافة إلى إعلانها أيضًا مبادرة بقيمة 500 مليون دولار لدعم إعادة الإعمار.