الإيكونوميست: لا تدعوا الذكاء الاصطناعي يقتل المؤلف.. الكتابة ليست مجرد كلمات على الصفحة
آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 4:16 ص بتوقيت القاهرة
منى غنيم
حذرت مجلة «الإيكونوميست» من أن الانتشار المتسارع للكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي قد يهدد دور المؤلف البشري، مؤكدة أن المسألة لا تتعلق فقط بجودة النصوص التي تنتجها الآلات، وإنما بما تعنيه عملية الكتابة نفسها للكاتب والقارئ على حد سواء.
وقالت المجلة، في مقال افتتاحي نشرته ضمن قسم «قادة» بعنوان «لا تدعوا الذكاء الاصطناعي يقتل المؤلف»، إن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في شغل مساحات كانت حكرًا على الكتاب البشر، إذ أصبحت نصوصه تفوز بجوائز أدبية، وتظهر في صفحات الرأي، بل وتصل إلى خطابات السياسيين. وأشارت إلى أن نحو كلمة واحدة من كل عشر كلمات تُلقى في المناقشات البرلمانية البريطانية، وكلمة من كل سبع كلمات في مجلس النواب الأمريكي، يُرجح أن تكون قد صيغت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وأقرت «الإيكونوميست» بأن بعض أشكال الكتابة قد تستفيد بالفعل من تولي الذكاء الاصطناعي جزءًا أكبر من المهمة، مثل شكاوى خدمة العملاء أو النصوص التقنية التي تكون الأولوية فيها للوضوح. لكنها شددت على ضرورة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، مع بقاء الإنسان الذي يحمل اسمه النص مسؤولًا عنه.
وأضافت أن الكُتّاب، بمختلف أنواعهم، قد يسيئون إلى قرائهم إذا امتنعوا تمامًا عن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في البحث والتدقيق اللغوي والحصول على الملاحظات عندما يكون ذلك مناسبًا، إلا أن التخلي عن التأليف البشري في مجالات أخرى، مثل الروايات والخطابات وحتى المقالات الإخبارية، سيكون خطأ.
ورأت المجلة أن الاعتراض الأكثر شيوعًا على الكتابة المنتجة بالذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن يتمثل في ركاكة أسلوبها، لكنها تعتبر أن هذا الاعتراض لن يصمد طويلًا؛ فالنصوص التي تنتجها النماذج ستتحسن، تمامًا كما تحسنت المنتجات التي صنعتها الآلات بعدما كانت جودتها في بدايات التصنيع محل انتقاد.
ولكن القضية، بحسب «الإيكونوميست»، تتجاوز جودة الأسلوب بكثير؛ فالكتابة ليست مجرد إنتاج جمل مرتبة، وإنما هي أيضًا وسيلة للتفكير. ورأت المجلة أن عملية الكتابة تكون مؤلمة حتى بالنسبة إلى كثير من المحترفين، إلا أن جانبًا كبيرًا من هذا الألم هو في الحقيقة ألم التفكير نفسه، ومحاولة تحويل الأفكار إلى نص واضح ومتماسك.
ومن هنا، فإن تجاوز هذه العملية عبر إسناد مهمة الكتابة إلى الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على التفكير الصارم، فضلًا عن التفكير الإبداعي والأصيل. وتضرب المجلة مثالًا بالطلاب الذين يوكلون كتابة مقالاتهم إلى نماذج مثل «كلود»، محذرة من أنهم قد يفقدون تدريجيًا عادة الاستدلال والتفكير، وكذلك السياسيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي بصياغة حججهم قد يصبحون أقل انتباهًا إلى تبعات الكلمات التي ينطقون بها.
ولفتت المجلة أيضًا إلى أن الخطر لا يتعلق بالكتّاب وحدهم، بل بالقراء أيضًا، إذ ترى أن الكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تخل بالتوقعات التي قامت عليها الثقافة المكتوبة؛ فالكتابة البشرية تستغرق وقتًا أطول في إنتاجها مما يستغرقه قراءتها، وهو ما يوفر، حتى إن لم يكن ضمانًا للجودة، دليلًا على أن جهدًا بشريًا بُذل في إنتاجها، وأن شخصًا ما، في مكان ما، اعتبر أن هناك شيئًا يستحق أن يُقال.
ووصفت «الإيكونوميست» هذا الجهد بأنه يشبه ما يسميه الاقتصاديون "إشارة مكلفة"، أي أن التكلفة التي يتحملها صاحب النص في إنتاجه تحمل في حد ذاتها دلالة إلى القارئ، وتتجلى أهمية ذلك بصورة خاصة في الشعر، بحسب المجلة، فحتى قبل أن تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي متطورة إلى هذا الحد، أظهرت دراسات أن كثيرًا من الأشخاص كانوا يفضلون، في اختبارات لم يعرف المشاركون فيها مصدر النصوص، القصائد التي أنتجها الذكاء الاصطناعي على تلك التي كتبها البشر. ومع ذلك، فإن فهم القصيدة لا يعتمد فقط على الكلمات الموجودة أمام القارئ، وإنما أيضًا على افتراض أن إنسانًا كتبها، وأنها كانت تعني شيئًا لشخص ما.
ورأت المجلة أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد حتى إلى النصوص التي لم تُكتب باستخدامه؛ فقد يصادف القارئ تعبيرًا يبدو له مصطنعًا أو شبيهًا بما تنتجه الآلات، فيشك في النص ويتوقف عن مواصلة قراءته. كما أن انتشار المحتوى الزائف الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي قد يدفع القراء إلى فقدان الثقة حتى في الأخبار الحقيقية، وهو ما تعتبره «الإيكونوميست» نوعًا من الأثر الخارجي الذي يلوث البيئة المعلوماتية بأكملها.
ومع ذلك، لا تدعو المجلة إلى محاولة رسم قواعد نهائية تحدد بدقة كيف يجب أن تتعامل المجتمعات مستقبلًا مع الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة، فهي تقر بأن التكنولوجيا ستعيد تشكيل كثير من الأعراف، وأن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا هائلة لم تتضح جميع أبعادها بعد.
واستشهدت «الإيكونوميست» في هذا السياق بالتغيرات التي أحدثتها تقنيات سابقة؛ فالمطبعة أسهمت في إشعال حروب دينية في أوروبا خلال بدايات العصر الحديث، بينما ارتبط انتشار الراديو في ثلاثينيات القرن العشرين بصعود الفاشية، لكن قليلين اليوم ينظرون إلى المطبعة أو الراديو من خلال هذه التداعيات وحدها. وتلفت المجلة إلى أن المجتمعات تتعامل باستمرار مع تقنيات أخرى تنطوي على مخاطر، مثل الأطعمة الأعلى في الدهون والمخدرات غير القانونية الأكثر قوة.
وخلصت المجلة إلى أن محاولة التنبؤ بصورة متعالية بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة مستقبلًا ستكون ضربًا من الغرور، ولكنها ترى أن هناك قاعدة أولى يعرفها كل كاتب جيد،وهي: البدء بالمسودة الأولى، ومن ثمّ قدمت «الإيكونوميست» مقالها نفسه باعتباره تلك المسودة الأولى في النقاش حول مستقبل الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي.