نيويورك تايمز: الصين تجند سيدة أعمال للتجسس على رئيس إنفيديا.. ومذكرة استخباراتية تكشف تفاصيل العملية
آخر تحديث: السبت 7 نوفمبر 2026 - 2:07 م بتوقيت القاهرة
أحمد إمام
كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن جهاز أمن الدولة الصيني جند سيدة أعمال تُدعى أليس هوانج، كانت تربطها علاقة وثيقة بجنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، لجمع معلومات استخباراتية عنه وعن الشركة، في إطار مساعٍ صينية للتعرف على أسرار صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتطورة، وربما التأثير على مواقف الشركة بشأن تصدير أحدث تقنياتها إلى الصين.
ووفقا للتقرير، استندت مذكرة جرى تداولها بين كبار صانعي السياسات في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ربيع العام الماضي إلى معلومات استخباراتية تفيد بأن سيدة الأعمال الصينية كانت تعمل جاسوسة لصالح وزارة أمن الدولة الصينية، وهي الجهاز الاستخباراتي الرئيسي في البلاد.
ونقل التقرير عن أشخاص أُطلعوا على المعلومات الاستخباراتية أن أليس هوانج جرى تجنيدها لجمع معلومات عن رئيس "إنفيديا"، ضمن تحرك أوسع لبكين يستهدف تعزيز معرفتها بتكنولوجيا الرقائق الأمريكية، واستغلال علاقاتها مع كبار المسئولين التنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي للتأثير على القرارات المتعلقة بإتاحة هذه التكنولوجيا للسوق الصينية.
ويمثل الكشف عن وجود المذكرة وتقييم المسئولين الأمريكيين لطبيعة علاقة أليس هوانج بجهاز الاستخبارات الصيني تفاصيل جديدة لم يسبق نشرها، ويضيف بُعدا أكثر خطورة إلى ما وصفه التقرير بأنه نموذج لافت لجهود التجسس الصناعي الصينية.
تحركات داخل قطاع التكنولوجيا الأمريكي
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة جنسن هوانج، الذي يُعد أحد أبرز حلفاء الرئيس ترامب في قطاع التكنولوجيا، ويلعب دورا محوريا في المنافسة العالمية على ريادة الذكاء الاصطناعي، في ظل الطلب المتزايد على رقائق "إنفيديا" المتقدمة، التي أسهم نمو مبيعاتها في دفع أداء أسواق الأسهم الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب التقرير، لم تقتصر اهتمامات أجهزة الاستخبارات الأمريكية على طبيعة المعلومات التي سعت بكين للحصول عليها، بل امتدت إلى معرفة الأهداف التي كانت تسعى الصين لتحقيقها من خلال إقامة أليس هوانج علاقة وثيقة مع رئيس الشركة.
وفي هذا السياق، طلب الجمهوريون الذين يقودون ثلاث لجان مؤثرة بمجلس النواب الأمريكي، الخميس، مثول جنسن هوانج أمامهم في جلسة إحاطة مغلقة خلال وقت لاحق من الشهر الجاري، لمناقشة طبيعة تفاعلاته مع أليس هوانج، التي لا تربطه بها صلة قرابة رغم تشابه اسم العائلة.
وكانت "نيويورك تايمز" قد كشفت في تقرير سابق أن جنسن هوانج كان هدفا لعملية استخباراتية صينية، وأن وكالات الاستخبارات الأمريكية راقبت اتصالات أليس هوانج الإلكترونية لمدة عام على الأقل، كما أشارت إلى أن ترامب تلقى إحاطة بشأن علاقة هوانج بسيدة الأعمال الصينية العام الماضي، لكنه لم يتخذ إجراءات حيال الأمر.
شركة غامضة وصفقات بمليارات الدولارات
وأوضحت الصحيفة أن أليس هوانج تتحدث الإنجليزية بطلاقة، وتمتلك شبكة علاقات مع كبار التنفيذيين في صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، من بينهم جنسن هوانج ومسئولون في شركة "جيجابايت"، إحدى أبرز الشركات المتخصصة في تجميع حواسيب إنفيديا العملاقة.
كما شاركت في مؤتمرات متخصصة بالقطاع وموائد عشاء خاصة جمعت قيادات تنفيذية بارزة.
ورغم عدم وضوح توقيت أول لقاء جمعها برئيس "إنفيديا"، أشار التقرير إلى أنهما ظهرا معا في صورة التقطت داخل إحدى الحانات في العاصمة التايوانية تايبيه عام 2024، وهي الفترة التي بدأت خلالها شركتها "ميجاسبيد" تنفيذ عمليات شراء لرقائق متطورة للذكاء الاصطناعي بقيمة مليارات الدولارات.
وأثار التوسع المفاجئ للشركة في هذا المجال تساؤلات داخل القطاع، خاصة أن دخولها سوق الذكاء الاصطناعي بهذا الحجم والتمويل بدا للكثيرين غير متوقع.
وارتبطت أليس هوانج بشبكة من الشركات والمستثمرين المتمركزين في شنجهاي ومقاطعة تشجيانج، نجحوا في توظيف علاقاتهم مع مسئولين محليين في شنجهاي للتوسع من أنشطة ألعاب الفيديو عبر الهواتف المحمولة إلى إنشاء مراكز بيانات توفر قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب التقرير، تعمل "ميجاسبيد" على إنشاء مراكز بيانات في جنوب شرق آسيا، ثم تأجير قدراتها الحاسوبية لشركة "علي بابا" الصينية العملاقة، وهو ما يتيح للصين، بحسب التقرير، مسارا غير مباشر للاستفادة من رقائق "إنفيديا" المتقدمة، في ظل القيود الأمريكية المفروضة على بيع هذه الرقائق للصين مباشرة.
ولم تتوقف الروابط عند المصالح التجارية، إذ أشار التقرير إلى وجود صلة مالية بين الشبكة الاستثمارية والمؤسسة العسكرية الصينية، من خلال استثمار في شركة تابعة متخصصة في الأمن السيبراني لمجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية، إحدى أكبر الجهات المنتجة للتكنولوجيا العسكرية في البلاد.
الاستخبارات الصينية والسباق على الذكاء الاصطناعي
ويأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه الصين إلى تجاوز الولايات المتحدة لتصبح القوة العالمية الأولى في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، وهو ما دفع أجهزة الدولة المعنية بالأمن القومي إلى تكثيف اهتمامها بالتكنولوجيا المتقدمة.
وأشار التقرير إلى أن وزارة أمن الدولة الصينية، التي ظلت لفترة طويلة جهازا استخباراتيا محدود النفوذ، شهدت توسعا كبيرا منذ تولي الرئيس شي جين بينج السلطة عام 2012، بعدما ضخ استثمارات وموارد إضافية لتعزيز قدراتها.
وأصبحت الوزارة اليوم جهازا استخباراتيا واسع النفوذ، يجمع المعلومات البشرية ويعترض الاتصالات الإلكترونية، إلى جانب تنفيذ عمليات مكافحة التجسس، كما وسعت شبكاتها من خلال استقطاب مصادر معلومات جديدة والاستفادة من علاقاتها مع الشركات الصينية.
ونقل التقرير عن بيتر ماتيس، المحلل السابق في مجال مكافحة التجسس بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي أي أيه"، قوله إن جهاز الاستخبارات الصيني جعل التكنولوجيا محورا رئيسيا لأنشطته، باعتبارها ساحة حاسمة للهيمنة الاقتصادية العالمية.
وأضاف ماتيس أن الأجهزة الصينية تهتم بمعرفة ما يجري تطويره في قطاع التكنولوجيا، والمواصفات الفنية للمنتجات، فضلا عن محاولة التأثير على القرارات المرتبطة بها، مشيرا إلى أن جنسن هوانج يمثل هدفا مهما بسبب نفوذه وموقعه المحوري في صناعة تكنولوجية قادرة على تشكيل مستقبل العالم.
موقف إنفيديا.. ورد الصين
فيما قال جون ريزو، المتحدث باسم شركة "إنفيديا"، إن الشركة لا تشارك معلومات سرية مع عملائها، وإن هؤلاء العملاء لا يطلبون منها الضغط على الحكومة الأمريكية لتغيير سياساتها المتعلقة بمبيعات الرقائق إلى الصين.
وأضاف أن الحكومة الصينية تواصل الترويج للبدائل المحلية، وفي مقدمتها شركة "هواوي"، كما تفرض قيودا صارمة على استيراد منتجات مراكز البيانات التابعة لـ"إنفيديا".
وأكد المتحدث أن تعاملات جنسن هوانج مع أليس هوانج لم تكن غير معتادة، وأنها جاءت في إطار الاجتماعات التي يعقدها بصورة طبيعية مع العديد من عملاء الشركة.
من جانبها، وصفت السفارة الصينية لدى واشنطن ما نشرته الصحيفة بأنه مزاعم غير مثبتة، واعتبرته محاولة للإساءة إلى الصين، بينما لم ترد أليس هوانج على محاولات متعددة للتواصل معها للتعليق على الاتهامات.
كما امتنع متحدثون باسم البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عن التعليق.
موقف جنسن هوانج من بيع الرقائق للصين
وتتداخل القضية مع الجدل المستمر بشأن موقف رئيس "إنفيديا" من القيود الأمريكية المفروضة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين، إذ دأب هوانج خلال السنوات الماضية على المطالبة بالسماح لشركات التكنولوجيا الأمريكية ببيع منتجاتها إلى السوق الصينية، معتبرا أن ذلك سيعزز المنافسة مع "هواوي" ويحد من تطور قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي عام 2025، نجح هوانج في إقناع ترامب بالتراجع عن حظر سابق على بيع بعض رقائق الذكاء الاصطناعي للصين، والسماح لشركته ببيع إصدار أقل قوة من منتجاتها هناك.
كما توصل الطرفان لاحقا إلى اتفاق يسمح ببيع ثاني أقوى رقائق الشركة للصين، مقابل حصول الولايات المتحدة على 25% من عائدات المبيعات، قبل أن يدرس ترامب السماح بتصدير أحدث رقائق الشركة، المعروفة باسم "بلاكويل"، ثم يتراجع عن الفكرة.
وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر للمستثمرين في مايو الماضي، قال جنسن هوانج إن الصين لا ينبغي أن تحصل على أفضل تقنيات "إنفيديا"، مثل رقائق "بلاكويل" أو الجيل المرتقب "روبين"، مؤكدا ضرورة أن تمتلك الولايات المتحدة "الأولى والأكثر والأفضل"، مع استمرار قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة عالميا.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الصراع الأمريكي الصيني، الذي لم يعد يقتصر على القيود التجارية والمنافسة الاقتصادية، بل امتد إلى محاولات جمع المعلومات والتأثير على قرارات الشركات التي تمتلك مفاتيح التفوق في صناعة الذكاء الاصطناعي، بما يجعل "إنفيديا" ورئيسها في قلب واحدة من أكثر ساحات التنافس الاستراتيجي حساسية بين واشنطن وبكين.