«ثقوب في الضمير» للدكتور أحمد عكاشة.. تشريح نفسي لآلية التدهور في مجتمعنا المصري والعربي

آخر تحديث: الأحد 8 مارس 2026 - 10:35 ص بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

قراءة نفسية اجتماعية جريئة لأمراض المجتمع المصري والعربي، يقدمها الدكتور أحمد عكاشة، أحد أعلام الطب النفسي، ورئيس الجمعية المصرية للطب النفسي في كتابه «ثقوب في الضمير.. نظرة على أحوالنا» الصادر عن دار الشروق، واضعًا مفهوم «الضمير العام» في قلب تحليله، باعتباره الحارس الأخلاقي للسلوك الجمعي، والدرع الذي يحمي المجتمعات من الانزلاق إلى الفساد والانحلال والتفكك.

الكتاب، ينتمي تصنيفيًا إلى المقالات ذات الطابع الفكري، لكنه يتجاوز حدود المقال التقليدي ليشكل مشروعًا متكاملًا في «التشريح النفسي» للمجتمع، من الضمير الفردي إلى الضمير الجمعي.

ينطلق عكاشة منذ الصفحات الأولى من سؤال تأسيسي: كيف ينشأ الضمير، ويتتبع نشأة الضمير منذ الطفولة؛ موضحًا أن الطفل يولد بلا معايير أخلاقية جاهزة، بل يكتسبها من خلال الأسرة أولًا، حيث يتعلم الثواب والعقاب، والصواب والخطأ، من خلال مرآة والديه، ثم يتسع المجال مع المدرسة وكذلك الشارع والمؤسسات الأخرى، فيتشكل ما يسميه بـ«الضمير الجمعي» الذي يتجاوز الفرد إلى الجماعة، مؤكدًا على أن هذا التكوين ليس مضمونًا إلى الأبد؛ فالضمير الفردي قد ينفصل عن الضمير الجمعي إذا شعر بالتناقض بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية، وعندها تبدأ أولى الثقوب.

ويفرق المؤلف بين «الضمير الخاص» و«الضمير العام»، مؤكدًا أن قوة المجتمع تقاس بمدى التماسك بينهما. فحين يختل هذا التوازن، تظهر «الثقوب» التي تسمح بمرور سلوكيات كانت في الماضي مرفوضة أخلاقيًا، لكنها تتحول تدريجيًا إلى ممارسات عادية، بل أحيانًا إلى مصدر فخر.

ويضرب عكاشة مثالًا دالًا على ذلك بقضية الرشوة؛ وكيف أنها تحولت من سلوك مشين في الماضي يُروى همسًا، إلى واقعة تُحكى اليوم بلا دهشة، بل وربما بإعجاب بقدرة صاحبها على «تسيير أموره»، ليشير إلى أن الخلل هنا، لا يعود في الفعل الفردي وحده، بل في الجدار الأخلاقي نفسه الذي أصابه التآكل، ويسلط الضوء على أن الثقب في الضمير لا يبدأ واسعًا، لكنه يتسع شيئًا فشيئًا حين يبرر، ويترسخ حين يتواطأ عليه، ويتحول إلى قاعدة حين يغيب العقاب وتختل المعايير، لتصبح العادة المسمومة جزءًا من حياة الناس اليومية.

يرى عكاشة الفائز بجائزة الدولة التقديرية في الإبداع العلمي، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الطبية، وجائزة مبارك للعلوم الطبية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي. أن تعقد الحياة الحديثة، وتآكل القيم البسيطة التي حكمت المجتمعات التقليدية، وغياب القدوة، وازدواجية الخطاب الأخلاقي، كلها عوامل تسهم في اتساع ثقوب الضمير.

فالطفل الذي يسمع خطابًا أخلاقيًا صارمًا، ثم يرى تناقضه في الواقع، يتعلم مبكرًا أن القيم للاستهلاك اللفظي فقط، ومع تراكم التناقضات، يتحول الشك إلى لا مبالاة، واللا مبالاة إلى تواطؤ صامت.

ويتوقف الدكتور أحمد عكاشة، عضو المجلس التنفيذي لليونسكو وعضو مجلس امناء مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، مطولًا عند تأثير الإعلام، والشعارات الدينية غير المقرونة بسلوك عملي، والانفصام بين القول والفعل، معتبرًا أن أخطر ما يصيب الضمير العام هو اعتياد الخطأ، حتى يفقد المجتمع حساسيته تجاهه.

ويتوقف الكاتب عند شعور المواطن بالعزلة؛ إذ يصبح كأنه جزيرة منفصلة عن وطنه، لا يرى أثرًا حقيقيًا لمشاركته، ولا يشعر بأن صوته يحدث فرقًا. في هذه الحالة، تتراجع قيمة الملكية العامة في الوعي، ويُنظر إلى الممتلكات المشتركة بوصفها “لا تخص أحدًا”، ومن ثم يسهل الاعتداء عليها أو إهمالها، وهكذا يرتبط التدهور الأخلاقي بالشعور بالانتماء، فحين يضعف الانتماء، تضعف الرقابة الداخلية، ويحل محلها منطق المنفعة الفردية الضيقة.

ويشدد أستاذ الطب النفسي، في كلية الطب بجامعة عين شمس، على أن إصلاح الضمير العام لا يتم بقرارات فوقية فحسب، بل يبدأ من الفرد، فحين يطمئن الضمير الفردي إلى أن الانحراف "ضرورة"، يصبح من الصعب إيقاظ الضمير الجمعي. أما إذا احتفظ الفرد بحساسيته الأخلاقية، ولو في الحد الأدنى، فإنه يسهم في تضييق الثقوب بدل توسيعها، فالضمير، في تصور عكاشة، ليس مفهومًا وعظيًا مجردًا، بل بنية نفسية واجتماعية تتأثر بالسياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام. إنه حصيلة تفاعل معقد بين الداخل والخارج.

وفي فصل لافت، حمل عنوان «معادون لأمريكا… معجبون بها»، يناقش عكاشة الازدواجية النفسية في الموقف من الولايات المتحدة، حيث يرفع البعض شعارات العداء، بينما يُبدون في الوقت ذاته إعجابًا بنموذجها الحضاري أو يسعون للهجرة إليها، وهنا لا يتناول المؤلف المسألة سياسيًا بقدر ما يقرأها نفسيًا، بوصفها انعكاسًا لحالة انقسام داخلي بين الرغبة في التمرد والإحساس بالدونية.

لا يقتصر الكتاب صغير الحجم كبير القيمة، على الشأن الأخلاقي المباشر، بل يمتد إلى عرض تاريخي لتطور مفهوم المرض العقلي من العصور الفرعونية حتى العصر الإسلامي، مرورًا بتناول الهستيريا والاكتئاب والانتحار وأسباب الأعراض النفسية.

هذا الامتداد التاريخي ليس استطرادًا علميًا، بل جزء من رؤية المؤلف: فالمجتمع الذي يجهل تاريخه في التعامل مع النفس البشرية، يكرر أخطاءه في الحاضر.
ويناقش عكاشة داخل صفحات الكتاب قضايا التطرف والإدمان، والنفس والاقتصاد والديمقراطية، والعلاقة بين الجنسين، وغيرها من القضايا التي تزال شائكة في مجتمعاتنا العربية بل والعالم بأكمله.

قوة الكتاب لا تكمن في لغته التحذيرية، بل في منهجه العلمي الرصين، الذي يربط بين علم النفس والواقع الاجتماعي، ويقدم تفسيرًا يتجاوز الانفعال إلى الفهم. إنه كتاب لا يكتفي بأن يقول إن هناك خللًا، بل يشرح كيف نشأ، ولماذا استمر، وكيف يمكن احتواؤه. ولهذا، يبقى «ثقوب في الضمير» نصًا مفتوحًا على الحاضر، ودعوة دائمة إلى مساءلة الذات قبل إدانة الآخرين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved