الثورة التى غيّرت الشرق الأوسط.. قراءة جديدة فى ميلاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية

آخر تحديث: الجمعة 8 مايو 2026 - 5:57 م بتوقيت القاهرة

منى غنيم

صدر حديثًا للمؤرخ والاقتصادى وعالم السياسة والأكاديمى البريطانى من أصل إيرانى، هوما كاتوزيان، كتاب بعنوان «إيران والثورة»، قدم من خلاله قراءة موسعة للثورة الإيرانية عام 1979، باعتبارها واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا فى تشكيل الشرق الأوسط والعالم المعاصر، كما وفر سياقًا ضروريًا لفهم التطورات الحالية فى ظل التصعيد الأمريكى المستمر.

فى البداية، أوضح المؤلف أن الثورات لطالما امتلكت جاذبية استثنائية، مستعيدًا ملاحظة الشاعر الإنجليزى ويليام وردزورث بعد الثورة الفرنسية بشأن السحر الذى تمارسه الثورات على قلوب البشر، بما تحمله من جرأة وتضحية وشجاعة وقسوة.

وأشار إلى أن الثورات ساهمت فى تشكيل العالم الحديث، بدءًا من سقوط الأنظمة الماركسية اللينينية فى أوروبا الشرقية، وصولًا إلى التأثير المستمر لاحتجاجات ميدان تيانانمن على سياسات الحزب الشيوعى الصينى؛ وهى موجة احتجاجات قادها طلاب ومواطنون صينيون فى ربيع عام 1989 فى ميدان تيانانمن بالعاصمة بكين، للمطالبة بإصلاحات سياسية أوسع، وحرية أكبر، ومكافحة الفساد، وقدر أكبر من الديمقراطية.

وقال المؤلف إن الثورة الإيرانية التى أطاحت بحكم محمد رضا بهلوى عام 1979 قد تكون الحدث الأكثر تأثيرًا فى تشكيل المشهد السياسى الراهن، حتى مقارنة بتحولات أوروبا الشرقية، حيث وصفها المؤلف بأنها نموذج ثورى كلاسيكى على غرار ثورة 1789، حيث شهدت شوارع إيران متاريس ومواجهات بين حشود مسلحة ببنادق قديمة وسكاكين مطبخ ودبابات النظام الحاكم، إضافة إلى اقتحام القصور والثكنات العسكرية ومقار الشرطة السرية.

وقال المؤلف، إنه عاصر أحداث تلك الثورة بنفسه، ورأى صورة قاسية آنذاك لجثة شرطى معلقة فى أحد أعمدة الإنارة، موضحًا أن هيئة «بى بى سى» رفضت بثها للعالم الغربى بسبب قسوتها، نقلًا عن صحيفة الجارديان.

وبيّن المؤلف أن سقوط حكم الشاه كان نتيجة عوامل متراكمة، من بينها التدخل البريطانى والأمريكى الممتد لعقود، وموجات الفساد الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بعد عام 1973، إلى جانب تردد الشاه نفسه، ووحشية جهاز السافاك، وهو جهاز المخابرات الإيرانى فى ظل حكم الشاه، الذى قال الكاتب إن قمعه بدا أقل حدة مقارنة بما مارسه النظام الجديد لاحقًا.

وذكر الكاتب أن الثورة أحدثت صدى واسعًا بين المسلمين حول العالم، إذ أثبتت - بالنسبة لهم - إمكانية إسقاط الأنظمة المدعومة من الغرب، لكنها أشارت أيضًا إلى أن إيران، بوصفها دولة ذات أغلبية شيعية خارج التيار السنى الرئيسى، كان تأثير ثورتها أعمق داخل المجتمعات الشيعية، خصوصًا فى لبنان، حيث كان الشيعة فى الجنوب يعانون التهميش منذ الحروب الصليبية، قبل أن يمنحهم الحدث الإيرانى شعورًا جديدًا بالقوة، وهو ما مهد لتأسيس حزب الله لمواجهة إسرائيل.

كما توقف الكاتب عند مسألة «المراقب الخارجى»؛ موضحًا أن كثيرًا من الدبلوماسيين البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والألمان ظلوا داخل سفاراتهم يعتمدون على تقارير أجهزة الشاه المطمئنة، وأشار إلى أن دبلوماسيًا بريطانيًا شابًا كان من القلائل الذين أدركوا خطورة الموقف لأنه كان يعيش خارج السفارة مع صديقته الإيرانية، بينما كان الصحفيون الأجانب أكثر قدرة على توقع انهيار النظام حتى نوفمبر 1978، كانت سفارات غربية، بينها البريطانية والأمريكية، ما تزال تبلغ عواصمها بأن الشاه سيصمد.

وتحدث المؤلف عن الاضطراب السياسى فى إيران، حيث قال إنه لم يكن منسجمًا مع التصورات الغربية، وقال إن إيران كانت مجتمعًا يميل فيه التغيير، حتى التغيير العميق، إلى أن يكون قصير الأجل، بسبب غياب إطار قانونى راسخ وغير قابل للانتهاك يضمن الاستمرارية طويلة الأمد.

جدير بالذكر أن هناك حاليًا توصيف لافت للوضع الإيرانى مفاده أن الثورة تبدو مستقرة لكنها ليست دائمة، رغم أن الجمهورية الإسلامية نجحت فى البقاء لفترة أطول من تجارب سياسية أخرى، مثل إصلاحات البيريسترويكا التى أطلقها الزعيم السوفييتى الراحل ميخائيل جورباتشوف لإعادة هيكلة الاتحاد السوفييتى، أو المشروع السياسى الذى يتبناه رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان والقائم على النزعة القومية والمحافظة، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يكتشفان حاليًا أن استهداف رأس النظام الإيرانى وحده لا يكفى، لأن بنية النظام أكثر رسوخًا وتعقيدًا من مجرد إسقاط قياداته.

وفى الختام، فقد قدم المؤلف قراءة واضحة لطبيعة سيطرة النظام الإيرانى على المجتمع عبر السنوات، كما أشاد المؤلف بموقف النساء الإيرانيات الشابات الرافضات لهذا النظام؛ وقال إنه يتوقع انهيار النظام فى مرحلة ما، رغم أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية ربما منحته قوة مؤقتة، وأضاف أنه يرى أن الفساد سيكون - على الأرجح - السبب الرئيسى فى سقوط حكم رجال الدين والحرس الثورى الإيرانى مستقبلًا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved