المستشار الألماني يواجه خطر الاستبدال وسط تصاعد الخلافات داخل حزبه
آخر تحديث: السبت 8 أغسطس 2026 - 3:29 م بتوقيت القاهرة
وكالات
يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضغوطاً متزايدة في ظل تصاعد الخلافات داخل حزبه حول إدارته للأزمات، ما أثار تكهنات بشأن إمكانية استبداله قبل انتهاء ولايته. ويعكس هذا الجدل حالة من الاضطراب السياسي غير المسبوقة في ألمانيا، التي طالما اعتُبرت ركيزة للاستقرار السياسي في أوروبا، بحسب مجلة "بوليتيكو".
ولا يبدو أن المستشار الألماني يشعر بالتهديدات المحيطة بمنصبه عندما يعود من عطلته الصيفية، وفق النسخة الأوروبية من المجلة، وربما يقلل من حجم الضغوط المتنامية داخل حزبه، بحسب موقع "الشرق" الإخباري.
وقال ميرتس الأسبوع الماضي، في أعقاب تصاعد الخلافات داخل حزبه بشأن إدارته لتعديل حكومي: "أفترض أن الأمور ستكون قد هدأت قليلاً بحلول سبتمبر".
ومع اقتراب انتخابات إقليمية حاسمة مقررة في سبتمبر المقبل، يمتلك خلالها حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، فرصة كبيرة للوصول إلى السلطة في إحدى الولايات الألمانية لأول مرة، بدأ يتردد بصورة متزايدة داخل الأوساط السياسية مصطلح Kanzlertausch ويعني "تغيير المستشار"، في إشارة إلى احتمال استبدال ميرتس بمستشار آخر خلال الخريف المقبل.
ورغم أن الانتقادات العلنية جاءت بشكل أساسي من الوزراء الذين خرجوا من الحكومة خلال التعديل الوزاري الأخير، فإن عدداً متزايداً من السياسيين داخل حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" CDU الذي يرأسه ميرتس، يناقشون، بعيداً عن الأضواء، سيناريو كان سيُعد استثنائياً في ألمانيا، يتمثل في استبدال المستشار بعد ما يزيد قليلاً على عام واحد فقط من توليه المنصب.
-تغير المشهد السياسي
وذكرت "بوليتيكو"، أن ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، طالما اعتُبرت واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة، ولم تعرف تقليداً سياسياً يقوم على تغيير القادة بوتيرة متسارعة، كما حدث في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، أو في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
لكن التوقعات بتحقيق "حزب البديل من أجل ألمانيا" نتائج قوية في الانتخابات المقبلة، مقابل تراجع متوقع لحزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، بدأت تقلب قواعد اللعبة السياسية التقليدية في البلاد.
وتقوم فكرة "تغيير المستشار" على أن المحافظين، قد يحتاجون إلى احتواء تداعيات الانتخابات في شرق ألمانيا، ومنح الحزب دفعة سياسية جديدة عبر استبدال ميرتس، الذي أخفق حتى الآن في تحسين معدلات تأييده المتدنية.
ومع ذلك تبقى المخاطر كبيرة؛ إذ من المرجح أن يستغل حزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي يتصدر حالياً استطلاعات الرأي على الصعيد الوطني، أي اضطرابات جديدة داخل الائتلاف الحاكم لتعزيز موقعه السياسي.
كما أن استبدال مستشار قبل سنوات من انتهاء ولايته سيدفع ألمانيا إلى منطقة سياسية غير مألوفة إلى حد كبير.
ولم يشهد تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية سوى 3 حالات تولى فيها مستشار جديد السلطة من المعسكر السياسي نفسه، الذي ينتمي إليه سلفه أثناء وجود الأخير في المنصب.
ففي عام 1963، استقال كونراد أديناور، وكان يبلغ من العمر 87 عاماً، ليفسح المجال أمام لودفيج إيرهارد. وفي عام 1966، خلف إيرهارد مستشارٌ آخر بعد انهيار الائتلاف الحكومي. أما في عام 1974، فقد تنحى المستشار الاشتراكي الديمقراطي فيلي برانت على خلفية فضيحة تجسس.
-تمرد داخل القصر
أما السيناريو المطروح حالياً بشأن "تغيير المستشار"، الذي يُنظر فيه إلى هندريك فوست، رئيس وزراء ولاية شمال الراين-وستفاليا، باعتباره المرشح الأبرز لخلافة ميرتس، فقد حظي باهتمام واسع في وسائل إعلام ألمانية، وبينها مجلة "دير شبيجل" التي خصصت له غلاف عددها الأخير تحت عنوان "تمرد داخل القصر".
وأكد سياسيون محافظون، تحدثوا لـ"بوليتيكو"، وطلبوا عدم كشف هوياتهم، أن هذا النقاش يدور بالفعل داخل الحزب الحاكم.
وأوضح هؤلاء السياسيون، أن تنامي حالة الاستياء يعكس تراجع الثقة في قدرة ميرتس على قيادة البلاد، فضلاً عن الشكوك في قدرته على الحفاظ على تماسك الحزب، إذا نجح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في الوصول إلى السلطة في إحدى الولايات خلال انتخابات سبتمبر.
وتشير استطلاعات رأي، إلى أن الحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا"، قد يفوز بأغلبية مطلقة في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في 6 سبتمبر، كما يبدو مؤهلاً قوي لتحقيق الفوز في ولاية ميكلنبورج-فوربومرن، وتحقيق نتائج متقدمة في برلين خلال الانتخابات المقررة في 20 سبتمبر.
ويخشى بعض أعضاء حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" أيضاً من أن يقدم سياسيون من الحزب في شرق ألمانيا على دعم حكومة محلية يقودها حزب "البديل من أجل ألمانيا" بعد الانتخابات، في خطوة من شأنها كسر التعهد الذي قطعه ميرتس منذ فترة طويلة بعدم السماح لليمين المتطرف بالمشاركة في الحكم.
ووصف أحد السياسيين المحافظين هذه النقاشات بأنها "لا تزال في إطار التكهنات"، مشيراً إلى أن ما ستسفر عنه الانتخابات في شرق ألمانيا سيكون "العامل الحاسم" في تحديد مستقبل ميرتس السياسي.
وأضاف السياسيون أنه حتى الآن لم يعلن أي من كبار قادة الحزب معارضته لميرتس بشكل علني. لكن تصاعد حالة الاستياء داخل الحزب بات واضحاً، وهو أمر غير مألوف في حزب اشتهر تاريخياً بانضباطه الداخلي.
ووفق "بوليتيكو"، يعتمد مستقبل ميرتس إلى حد كبير، على نتائج الانتخابات الإقليمية المقررة في سبتمبر، وما إذا كانت ستؤكد صعود اليمين المتطرف، أو تمنح المحافظين فرصة لاحتواء التراجع في شعبيتهم.
-دعوات إلى التهدئة
في المقابل، بدأت دعوات إلى التهدئة وضبط النفس تصدر من مختلف الأطياف السياسية، بحسب المجلة.
وقالت كريستيانه هوفمان، المتحدثة السابقة باسم المستشار السابق المنتمي إلى يسار الوسط أولاف شولتز، في منشور مطول عبر منصة "إكس" تعليقاً على الجدل الدائر: "حزب الاتحاد الذي يمزق نفسه من الداخل لن يفيد أحداً في المعسكر الديمقراطي".
وأضافت: "نحتاج إلى قدر من الاستقرار، من فضلكم. فما نشهده ليس سوى تذمر وفوضى بلا رؤية واضحة، بينما لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور. أوروبا تشتعل، فهل يمكن لبعض الأشخاص أن يتحلوا بقليل من الهدوء؟".
ولفتت "بوليتيكو"، إلى أنه إذا أُجبر ميرتس على ترك منصبه، فإن ذلك سيمثل هزة كبيرة للنظام السياسي الألماني القائم على التوافق، إذ سيأتي هذا التطوّر بعد أقل من عامين على انهيار الائتلاف الحكومي السابق بقيادة يسار الوسط، وقد يفتح الباب أمام انتخابات مبكرة.
ونقلت عن كاي أرتسايمر، وهو أستاذ للعلوم السياسية بجامعة "ماينتس"، قوله، إن الانقسام الذي يشهده النظام الحزبي الألماني، حيث تضطر أحزاب الوسط إلى تشكيل ائتلافات معقدة للحيلولة دون وصول الأحزاب المتطرفة إلى السلطة، أدى إلى تغير في المشهد السياسي.
وأضاف أرتسايمر: "مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم تعد ألمانيا تتمتع بالقدر نفسه من الاستقرار السياسي منذ فترة ليست قصيرة. لكن إذا قورنت بما أصبح مألوفاً في كثير من الدول الأوروبية الأخرى، فيمكن القول إن ألمانيا وصلت ببساطة إلى المرحلة التي سبقتها إليها دول أخرى منذ زمن".
ولا يزال ميرتس يحظى بدعم أبرز القيادات المحافظة، إذ قال ماركوس زودر، رئيس وزراء ولاية بافاريا وزعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU، في مقابلة مع هيئة الإذاعة الألمانية العامة ARD: "أنا على قناعة تامة بأن فريدريش ميرتس سيبقى مستشاراً"، محذراً من أن استبدال ميرتس في هذه المرحلة "سيدخل المعسكر المحافظ في حالة من الفوضى الشاملة".
-سيناريوهات ونتائج محتملة
ورجحت المجلة، أن أقل السيناريوهات إرباكاً يتمثل في استقالة ميرتس طواعية، بما يتيح انتخاب خلف له بأغلبية الأصوات في البرلمان.
أما إذا رفض التنحي، فلن يكون أمام معارضيه سوى اللجوء إلى التصويت البنّاء بحجب الثقة، وهي آلية دستورية تتيح للبرلمان إسقاط المستشار الحالي، وانتخاب خليفة له في التصويت نفسه.
لكن اللجوء إلى هذا الإجراء الاستثنائي قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم، الذي يضم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحليفه البافاري "الاتحاد الاجتماعي المسيحي"، إضافة إلى "الحزب الديمقراطي الاجتماعي"، وهو ما قد يدفع البلاد إلى أزمة سياسية جديدة.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن أفضل خيار سياسي متاح أمام ميرتس هو التعويل على ميل السياسيين الألمان إلى تجنب المخاطرة، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من سمعة ألمانيا كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في أوروبا.
في المقابل، تعكس استطلاعات الرأي حجم التحديات التي تواجه ميرتس، فعلى الصعيد الوطني، يأتي حزب "البديل من أجل ألمانيا" في الصدارة بمتوسط تأييد يبلغ 28%، مقابل 21% فقط لتحالف ميرتس المحافظ، وفقاً لمتوسط نتائج استطلاعات رأي جمعتها مجلة "بوليتيكو".
وبناء على آخر استطلاع للرأي "دويتشلاند تريند"، الذي تجريه مؤسسة مختصة بتكليف من هيئة الإذاعة الألمانية ARD، فإن 13% فقط من الألمان راضون عن أداء ميرتس، وهي أدنى نسبة تأييد يحصل عليها مستشار ألماني منذ بدء إجراء هذا الاستطلاع قبل نحو 30 عاماً.
ويُعزى التراجع القياسي في شعبية ميرتس إلى استياء الناخبين إزاء مساعيه لإنعاش الاقتصاد الألماني المتعثر، فضلاً عن تشككهم في إصلاحات شاملة يستهدف بها نظامي التقاعد والرعاية الصحية، يُتوقع أن تكون صعبة التنفيذ وأن تفرض أعباءً مالية على المواطنين الألمان.