صور وملابس الثمانينيات والتسعينيات.. لماذا ينجذب الناس إلى تريندات الماضي التي يصنعها الذكاء الاصطناعي؟
آخر تحديث: الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 2:41 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
موجة من الصور التي تنتمي إلى عقدي الثمانينيات والتسعينيات مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي اجتاحت منصة "فيسبوك" في مصر، بعد ظهور تريند جديد يحول صورة الشخص الحالية إلى صورة بأسلوب ملابس وشكل عقدين في الماضي، ونشر كثير من الأشخاص صورهم، من بينهم مشاهير انضموا إلى التريند.
وهكذا، من صور تعيد تخيل شكل الأشخاص في العصور القديمة، إلى مقاطع تحرك وجوها من صور تاريخية، وصولا إلى ترندات تجعل المستخدم يرى نفسه بملابس وشوارع تنتمي إلى زمن لم يعشه؛ بات الذكاء الاصطناعي يمنح مستخدمي منصات التواصل طريقة جديدة للتفاعل مع الماضي، إلا أن انتشار هذا النوع من المحتوى لا يبدو مرتبطا بالفضول تجاه التكنولوجيا وحدها؛ فمجموعة من الأبحاث حول الذكاء الاصطناعي والحنين إلى الماضي والذاكرة الرقمية تشير إلى أن وراء هذه المشاركة مشاعر ودوافع اجتماعية ونفسية، من بينها الرغبة في استعادة الماضي، والشعور بالارتباط بالآخرين، وتجربة صور بديلة للذات.
الحنين الخوارزمي
من أبرز الأمثلة التي سبقت موجة الصور التوليدية الحالية أداة "Deep Nostalgia" التي أطلقتها منصة "MyHeritage" عام 2021، والتي استخدمت الأداة تقنيات التعلم العميق لتحريك الوجوه الموجودة في الصور القديمة، بحيث تبدو وكأن أصحابها يبتسمون أو يرمشون أو يحركون رؤوسهم، إلا أن انتشارها لم يستغرق وقتا طويلا؛ فبحلول 10 مارس 2021، أي بعد فترة قصيرة من إطلاقها، كان 33 مليون شخص قد استخدموا الأداة لتحريك صور.
وفي دراسة نشرتها مجلة Convergence عام 2023، حللت الباحثتان جيني كيد وإيفا نيتو ماكافوي 6935 منشورا على تويتر خلال الأسبوعين التاليين لإطلاق "Deep Nostalgia"، بحثا في الطريقة التي تعامل بها المستخدمون مع هذه الصور والمقاطع، والمشاعر التي أثارتها، وكيف ساهمت شبكات التواصل في انتشارها.
وطرحت الدراسة مفهوم الحنين الخوارزمي لوصف الطريقة التي تستطيع بها الخوارزميات توليد مشاعر الحنين وتنظيمها وتضخيمها، فالذكاء الاصطناعي هنا لا يكتفي بحفظ صورة من الماضي، وإنما يعيد تشكيلها في وسيط جديد، ثم يضعها داخل دورة من المشاركة والتعليق وإعادة النشر.
لماذا يبدو الماضي جذابا؟
وأشارت الدراسة إلى أن الحنين ليس مجرد شعور فردي؛ إذ يمكن أن يكون ذا طبيعة اجتماعية قوية، وعندما تنتقل صورة مرتبطة بالذاكرة إلى شبكات التواصل، تصبح جزءا من تجربة جماعية، يستطيع الآخرون التعليق عليها ومشاركتها وإعادة تفسيرها، وهذا يساعد في تفسير جاذبية الترندات التي تجعل المستخدم جزءا من حقبة تاريخية، فبدلا من أن يشاهد الشخص صورة قديمة لشخص مجهول أو مدينة من الماضي، يستطيع أن يضع نفسه داخل المشهد، وهنا يتغير السؤال من كيف كان الماضي؟ إلى كيف كنت سأبدو لو كنت أعيش فيه؟.
الحنين قد يزيد تقبل الذكاء الاصطناعي
وفي بحث آخر نشر في "Journal of Experimental Social Psychology"، درس العلاقة بين الحنين إلى الماضي وتقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتشير نتائجه إلى أن استحضار مشاعر الحنين يمكن أن يزيد تقبل الناس لاستخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما تكون التقنية مرتبطة بالتفاعل والعلاقات، وليس بالاستخدام الوظيفي وحده، وهو ما يضيف بعدا مهما إلى فهم ترندات الماضي: "قد لا يكون المستخدم منجذبا إلى التقنية لذاتها، وإنما إلى التجربة العاطفية والاجتماعية التي تتيحها"؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحويل الحنين من شعور داخلي إلى صورة قابلة للمشاركة خلال ثواني، ثم تصبح هذه الصورة بدورها مادة للتفاعل الاجتماعي.
أما الدراسة الأحدث، المنشورة في "Computers in Human Behavior" عام 2026، فبحث "Márk Miskolczi" في كيفية تأثير الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما عندما تكون هذه الصور مصممة لإثارة استجابات عاطفية، وحمل البحث عنوان "The illusion of reality: How AI-generated images are fooling social media users"
. وبحسب البحث، لا تعتمد قوة الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي بالضرورة على مدى إتقانها التقني، وإنما يمكن أن تكون المشاعر التي تثيرها أكثر أهمية، وتظهر موضوعات مثل الحنين والمشاهد الريفية المثالية والعلاقات الإنسانية والعاطفة ضمن الأنماط التي يمكن أن تدفع المستخدمين إلى التفاعل مع الصورة، وهنا تبرز أهمية وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالمستخدم لا يرى الصورة بمعزل عن الآخرين، والإعجابات والتعليقات والمشاركات تمنح المحتوى نوعا من الشرعية الاجتماعية، وقد تجعل المشاركة نفسها جزءا من التجربة.
الترند يحول الذكريات إلى تجربة جماعية
وتكشف دراسة "Deep Nostalgia" أيضا عن الدور الذي تلعبه منصات التواصل في جعل هذا النوع من المحتوى سريع الانتشار، فقد رأت الباحثتان أن منطق المنصات الرقمية، القائم على المشاركة والظهور والتفاعل، كان جزءا من تفسير الانتشار الكبير للأداة.
كما وجدت الدراسة أن الاهتمام لم يكن منصبا على الجانب التقني وحده، بل ظهرت استجابات عاطفية قوية تجاه النتائج، بين الانبهار والانزعاج والغرابة، ما يعني أن الترند قد ينجح تحديدا لأنه يمنح المستخدم شيئا يمكنه تجربته ثم عرضه على الآخرين.
ورغم جاذبية هذه التجارب، تحذر الأبحاث من التعامل معها باعتبارها استعادة موضوعية للماضي؛ فالخوارزمية لا تعيد الزمن كما كان، وإنما تنتج تمثيلا جديدا له، وقد تعيد ترتيب عناصره أو تضخم بعضها أو تمنحه مظهرا أكثر مثالية مما كان عليه في الواقع.
وتشير دراسة "Deep Nostalgia" إلى أن عمليات إعادة تشكيل الصور بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تعيد صياغة علاقتنا بالذاكرة، بدل أن تكتفي بحفظها، كما أن الباحثتين تطرحان أسئلة أخلاقية تتعلق بالأصالة، والتلاعب، والمصالح التجارية للمنصات التي تستفيد من انتشار هذه الصور.