محلل سياسي: مقامرة سانشيز بالدعوة لانتخابات مبكرة سيكون لها تداعيات دولية
آخر تحديث: الخميس 8 أكتوبر 2026 - 9:31 ص بتوقيت القاهرة
مدريد - (د ب أ)
من خلال إعلانه عن إجراء انتخابات مبكرة، وضع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسه في مواجهة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، فضلا عن اليمين الشعبوي في إسبانيا. وسيعتمد الكثير على قدرة رئيس الوزراء على حشد اليسار المنقسم.
وقال المحلل السياسي نيك لولي، المستشار الخاص للمدير والرئيس التنفيذي في المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، في تحليل للمعهد إن قرار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بالدعوة إلى انتخابات مبكرة يعد خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنه شعر على الأرجح بأنه لا يملك خيارات أخرى. ويطلق قراره هذا إشارة البدء لعام حافل بانتخابات مصيرية تتسم بالاستقطاب في جميع أنحاء أوروبا.
وأشار لولي إلى أن هذا الإعلان لم يكن مفاجئا تماما، حيث من المقرر أن تجري إسبانيا انتخابات بحلول أغسطس 2027 على أية حال. كما بدا ائتلاف سانشيز متعدد الأحزاب هشا منذ تشكيله في يوليو 2023، حيث لم ينجح في إقرار ميزانية كاملة منذ ذلك الحين.
وفي يناير، أقرت الحكومة مرسوما لتسوية أوضاع 500 ألف مهاجر وطالب لجوء لا يحملون وثائق رسمية - وهي خطوة غير معتادة بين دول الاتحاد الأوروبي التي تلتزم بشكل عام بتشديد قيود الهجرة. وفي يوليو، شهد جيب سبتة الإسباني في شمال أفريقيا تدفقا هائلا لعشرات الآلاف من المهاجرين، مما أثار انتقادات لسياسة الحكومة من الداخل والخارج، بما في ذلك من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي الشهر الجاري، ظهرت مشكلة جديدة، حيث تصاعدت الاحتجاجات للمطالبة بتوفير سكن ميسور التكلفة. وقد دفعت هذه الاحتجاجات الحكومة إلى طرح تشريع طارئ، إلا أن البرلمان الإسباني رفض مشروع القانون في أواخر الأسبوع الماضي. وأعطى هذا الأمر لسانشيز الفرصة للدعوة إلى انتخابات عامة، معتبرا أنه "لكي نتمكن من فعل المزيد، نحتاج إلى تجديد وتوسيع نطاق الدعم الشعبي".
ما هي فرص سانشيز؟
لقد أثبت سانشيز قدرته على الصمود، حيث واجه صعوبات مماثلة في عام 2023، إلا أن الدعوة إلى انتخابات الآن تعد مقامرة. فقد منحت أزمات الصيف خصومه السياسيين الكثير للاستفاده منه سياسيا، كما تحيط المشكلات برئيس الوزراء وحزبه، حزب العمال الاشتراكي الإسباني، من كل جانب.
ويرى نيك لولي أن المعارضة اليمينية ستستغل المرسوم الصادر في يناير وصور أزمة سبتة لحشد الأصوات وانتقاد كفاءة الحكومة. وفي المقابل، سيشير اليسار إلى تفاقم أزمة الإسكان في عهد سانشيز. كما أن هناك فضائح الفساد التي تلاحق رئيس الوزراء، فقد تورط بعض من أقرب حلفائه السياسيين في "قضية كولدو"- وهو تحقيق يتعلق بالفساد في عقود المشتريات الطبية أثناء جائحة كوفيد-19. وفي قضية منفصلة، تواجه زوجة رئيس الوزراء اتهامات بالاختلاس والفساد.
ولضمان بقائه السياسي، سيستخدم سانشيز الاستراتيجية نفسها التي نجحت معه عام 2023، حين صور المنافسة على أنها خيار بين "السانشيزية" (نهجه الخاص في السياسة الديمقراطية الاشتراكية) وبين تيار يميني متطرف "يتطلع إلى الماضي".
ويعقد سانشيز آمالا على أن تؤدي المعارضة لحزب الشعب اليميني المعارض وحزب "فوكس" اليميني المتطرف بشكل خاص - إلى حشد الناخبين اليساريين في ظل منافسة تتسم باستقطاب حاد. ويتحدث زعيم حزب "فوكس"، سانتياجو أباسكال، بشكل دائم عما يسميه "غزو المهاجرين"، واستغل مرسوم سانشيز الصادر في يناير للدعوة إلى "إعادة المهاجرين إلى أوطانهم والترحيل وإعادة الهجرة ".
جدير بالذكر أن خطاب سانشيز -الذي ألقاه على درجات قصر "لا مونكلوا" (مقر إقامة رئيس الوزراء الإسباني) ركز بشكل أساسي على قضايا دولية، مبرزا التباين بين مواقفه ومواقف اليمين، وخاصة الرئيسين الأمريكي ترامب والأرجنتيني ميلي.
وقال "لقد سعينا جاهدين لبناء عالم أفضل لمواطنينا ولبقية البشرية، ودعمنا أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في أحلك لحظاتهم. ونددنا بأنظمة ترتكب الإبادة الجماعية في حين فضل آخرون الصمت".
وأضاف "لقد حاربنا الطغاة وأباطرة التكنولوجيا والمضاربين الذين يسعون لتدمير مستقبل أبنائنا وبناتنا لزيادة ثرواتهم، وضاعفنا مساعداتنا للتعاون الدولي، بينما تفاخر آخرون بقطع هذه المساعدات باستخدام منشارهم الكهربائي أو بسبب تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري".
نظام التصويت في إسبانيا
وستبدأ فترة تمتد لخمسين يوما من الحملات الانتخابية المكثفة والمفاوضات بين الأحزاب. وتكتسب هذه المفاوضات أهمية بالغة بسبب طبيعة النظام الانتخابي في إسبانيا.
وأوضح لولي أن إسبانيا تستخدم "طريقة هوندت" في الدوائر الانتخابية الإقليمية، وهو نظام يعاقب الأحزاب التي تحصل على نسب تأييد منخفضة لا تتجاوز 9%. ويمكن للأحزاب الصغيرة أن تنجح من خلال خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة، إلا أن المحاولات السابقة في هذا الصدد حققت نتائج متفاوتة.
ويعد تحالف "سومار" هو الأكبر بين هذه التكتلات؛ ورغم افتقاره لزعيم محدد، فقد أطلق مبادرة "الجبهة العريضة" في محاولة لحشد الدعم وتوحيد الصفوف.
وسيعتمد الكثير على النائب البرلماني المثير للجدل جابرييل روفيان، الذي ينظر إليه كشخصية قادرة على توحيد الأحزاب المنقسمة على يسار حزب العمال الاشتراكي الإسباني. ومع ذلك، فإن روفيان لا ينتمي إلى "سومار"، كما أن الخلافات الداخلية والصراعات الشخصية غالبا ما تؤدي إلى انهيار التحالفات الانتخابية في إسبانيا. وقد انضم حزب "بوديموس"، شريك الحزب الاشتراكي في الائتلاف الحكومي، إلى قائمة "سومار" عام 2023، لكنه انفصل عنها في غضون أشهر قليلة.
وبالنسبة لسانشيز، ما يحدث في معسكر اليسار يكتسب أهمية أكثر من أي وقت مضى، ولذلك يجب أن يكون خطابه ثنائيا، بين مسارين. ومن المتوقع أن يستخدم سانشيز شخصيات مثل ترامب وميلي وفلافيو بولسونارو (الذي يتصدر سباق الرئاسة في البرازيل بعد الجولة الأولى) كفزاعة سياسية لتوجيه انتباه الناخبين وتركيزهم، حتى قبل طباعة أوراق الاقتراع.
أما في معسكر اليمين، فمن المرجح أن يتبنى حزب الشعب ما يعرف بـ"استراتيجية مزهرية مينج"، وهي استراتيجية تهدف ببساطة إلى اجتياز الأيام الخمسين المقبلة دون ارتكاب أي أخطاء جسيمة أو الوقوع في أزمات كبرى. ومع ذلك، ليس من الواضح أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تنجح. وستلاحق زعيم الحزب، ألبرتو فييخو، أسئلة ملحة حول شكل أي ائتلاف محتمل مع حزب "فوكس" اليميني المتطرف.
وربما كان عجز فييخو عن الرد بشكل مقنع على مثل هذه الأسئلة في عام 2023 هو السبب على الأرجح في ضياع فرصة الفوز عليه.
وستكون الانتخابات الإسبانية المقبلة هي الأولى في سلسلة من الانتخابات الأوروبية الحاسمة، حيث ستختار فرنسا رئيسا جديدا في ربيع عام 2027، ومن المقرر إجراء انتخابات في كل من إيطاليا وبولندا وفنلندا واليونان قبل نهاية العام.
وستشبه العديد من هذه السباقات الانتخابية الانتخابات الإسبانية، حيث ستواجه تحالفات يسارية هشة تيارا يمينيا واثقا وصاعدا.
واختتم لولي تحليله بالقول إن تأثير النتائج سيتجاوز حدود السياسة المحلية. على سبيل المثال، في ظل استمرار مطالبات الولايات المتحدة بأن تبذل القارة الأوروبية المزيد من الجهود للدفاع عن نفسها، ستؤدي الانتخابات المضطربة إلى عرقلة التقدم نحو وضع نهج أوروبي مشترك وأكثر تماسكا في مجال الأمن.
وستحظى هذه الحملة الانتخابية بمتابعة دقيقة في جميع أنحاء القارة - وكذلك من الجانب الآخر من المحيط الأطلسي - في وقت يسعى فيه السياسيون إلى صقل خطاباتهم الانتخابية وسط أوقات تشهد استقطابا متزايدا.