عماد الدين حسين: أخطر ما نواجهه أن تتماهى الأجيال مع رواية الآخرين

آخر تحديث: الأحد 8 نوفمبر 2026 - 5:04 م بتوقيت القاهرة

- رئيس تحرير «الشروق» خلال Cairo ICT: الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت والبحث لكنه لا يصنع الإبداع بدلًا من الإنسان

- الصراع لم يعد على امتلاك التكنولوجيا فقط.. وإنما على من يملك البيانات والذاكرة والسردية

- المطلوب نماذج مصرية وعربية تنتج المعرفة وتحمي الهوية بدل الاكتفاء باستهلاكها

شارك الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة «الشروق» وعضو مجلس النواب، في ندوة Our Voice, Our Story: AI, Identity, and the Contest for Narrative – «صوتنا وحكايتنا: الذكاء الاصطناعي والهوية والتنافس على السردية»، ضمن فعاليات الدورة الثلاثين لمعرض ومؤتمر Cairo ICT، اليوم الأحد 8 نوفمبر 2026، حيث تناول تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة المعرفة والإعلام والسرديات، وما يطرحه من فرص كبيرة للبحث والإنتاج، مقابل تحديات تتعلق بالهوية والذاكرة والإبداع وقدرة المجتمعات على الاحتفاظ بروايتها الخاصة.

وركز حسين خلال مشاركته على أن النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يتجاوز الانبهار بالتكنولوجيا أو التخوف منها، إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل هذه الأدوات إلى إنتاج حقيقي يفيد الإنسان ويحسن حياته، وفي الوقت نفسه يحفظ للمجتمعات ثقافتها وذاكرتها وقدرتها على صياغة روايتها بنفسها؟

- من يوم في الأرشيف إلى معلومة في ثوان

وقال حسين إن واحدة من أهم الفوائد العملية للذكاء الاصطناعي تتمثل في اختصار الوقت والجهد في عمليات البحث والوصول إلى البيانات.

وأوضح أن الصحفي أو الباحث كان يمكن أن يقضي يومًا كاملًا داخل أرشيف «الأهرام» أو «دار الهلال» أو «دار الكتب» للعثور على رقم أو معلومة تاريخية محددة، بينما تستطيع الأدوات الحديثة اليوم توفير بيانات ممتدة لسنوات وإجراء مقارنات بين مصر ودول مختلفة خلال ثوانٍ.

وأشار إلى إمكانية استخدام هذه الأدوات في الوصول إلى تواريخ الأحداث وترتيبها وجمع البيانات الأولية التي يحتاج إليها الكاتب قبل بدء عمله، معتبرًا أن هذه القدرة تمثل مكسبًا حقيقيًا للصحافة والبحث العلمي.

وشدد في المقابل على أن السرعة لا تلغي ضرورة التدقيق، لأن المادة التي تقدمها نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأصل على إنتاج معرفي بشري يمكن أن يتضمن معلومات دقيقة وأخرى خاطئة أو ناقصة أو متحيزة.

وأكد أن مسئولية التحقق تظل على عاتق المستخدم، سواء تعامل مع نموذج مجاني أو مدفوع، قائلًا إن الذكاء الاصطناعي يمكنه توفير «الوقت والمعلومات والإطار والبيانات»، بينما يجب أن تظل الفكرة والصياغة والتحليل مسئولية الكاتب نفسه.

- «المقال له روح»

وحذر حسين من تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل كامل للكاتب أو الباحث، مشيرًا إلى ظهور نصوص ومقالات تبدو شديدة الانضباط لغويًا لكنها تفتقد الأسلوب الشخصي والروح التي تميز كل كاتب.

وأوضح أن طلب مقال أو بحث كامل من نموذج ذكاء اصطناعي ثم نسبته إلى المستخدم لا يخلق معرفة جديدة، وإنما يعيد تدوير معرفة أنتجها بشر آخرون.
وأشار إلى أن استمرار هذا النمط يمكن أن يؤدي إلى أزمة حقيقية في الإبداع، لأن المعرفة الجديدة تحتاج إلى أشخاص يضيفون إليها أفكارًا وتجارب ورؤى مختلفة، بدل اعتماد الجميع على مخزون واحد يعاد تشكيله بصور متقاربة.

وأضاف أن التطور المتسارع في توليد النصوص والصور يفتح أزمة أخرى تتعلق بالثقة؛ إذ أصبحت التكنولوجيا قادرة على صناعة محتوى مزيف بدرجة كبيرة من الإقناع، وفي الاتجاه المقابل يمكن استخدامها للتشكيك في مواد حقيقية والادعاء بأنها مصطنعة.

ورأى أن هذا التحول يجعل المراجعة البشرية والوعي والقدرة على التحقق من المصادر أكثر أهمية، خصوصًا مع استمرار تطور الأدوات وصعوبة التفريق بين المحتوى البشري والمولد آليًا.

- غزة.. من الخوارزمية إلى معركة السردية

وانتقل حسين إلى الاستخدامات الأكثر خطورة للذكاء الاصطناعي مستشهدًا بما جرى خلال الحرب على غزة، حيث استخدمت إسرائيل أنظمة رقمية وخوارزميات في تحليل المعلومات ودعم عمليات تحديد الأهداف.

وقال إن هذا الاستخدام يوضح أن التكنولوجيا يمكن أن تدخل مباشرة في القرارات المرتبطة بالحرب وحياة البشر، معتبرًا أن من يستخدم الخوارزميات في العمليات العسكرية يستطيع كذلك استخدامها في صناعة روايته والتأثير في الطريقة التي يرى بها العالم الأحداث.

وأكد أن جوهر المنافسة التكنولوجية يتضمن أيضًا «صراعًا على السردية»، موضحًا أن الرواية تتمثل في الوقائع التي حدثت، بينما السردية هي الإطار الفكري الذي توضع داخله تلك الوقائع وتُقدم من خلاله إلى الجمهور.

وأشار إلى أن إسرائيل امتلكت على مدى عقود قدرة واسعة على تقديم سرديتها عالميًا، مستفيدة من مراكز البحث والبيانات والتكنولوجيا والدعم الذي تحظى به في الغرب، إلا أن حجم ما جرى في غزة أدى، بحسب رؤيته، إلى تغيرات داخل قطاعات من الرأي العام العالمي وفتح نقاشات داخل إسرائيل والولايات المتحدة نفسها.

وأوضح أن وضوح الواقع يمكن في بعض اللحظات أن يخترق أكثر السرديات تنظيمًا، لكن ذلك لا يعني الاطمئنان؛ لأن التأثير طويل المدى للخوارزميات ووسائل التواصل أكثر عمقًا، خاصة عندما تصبح هي المصدر الرئيسي للمعلومات التي يتلقاها الأفراد.

- من يصنع وعي الأجيال الجديدة؟

وحذر رئيس تحرير «الشروق» من التغير الكبير في الجهات التي تشكل وعي الأجيال الجديدة، موضحًا أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام التقليدي كانت تمثل في السابق المصادر الأساسية للمعلومات والقيم.

وأضاف أن الأطفال والشباب يحصلون اليوم على جانب كبير من معرفتهم من منصات وخوارزميات وأنظمة ذكاء اصطناعي لا تعرف الأسرة بصورة كاملة آليات عملها أو المعايير التي تتحكم في المحتوى الذي تقدمه.

وأشار إلى أن تأثير هذه الأدوات يتجاوز نقل المعلومات إلى تشكيل الإطار الذي يفكر من خلاله الفرد، وأن الخلفية الثقافية واللغوية لمطوري النماذج وأصحاب البيانات يمكن أن تنعكس على مخرجاتها.

وضرب مثالًا بانتقال تعبيرات وأنماط لغوية وثقافية غير عربية إلى الاستخدام اليومي لدى بعض الأطفال نتيجة كثافة التعرض للمحتوى الأجنبي، معتبرًا أن التكرار المستمر يترك تأثيرًا تراكميًا في اللغة والهوية وطريقة التفكير.

- «الأرشيف هو الذاكرة»

ووضع حسين قضية الأرشيف في قلب النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي والهوية، موضحًا أن الأرشيف لا يعني فقط مجموعة من الوثائق القديمة، وإنما يمثل الذاكرة التي تحتفظ بها الشعوب عن نفسها.

وأكد أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية والثقافية أصبح تحديًا أكثر إلحاحًا مع الأجيال التي لم تعد تعتمد على الكتب والورق والمصادر التقليدية في الحصول على المعلومات.

وقال إن المطلوب هو إعادة تقديم التاريخ والعادات والتقاليد والأزياء والثقافة للأجيال الجديدة باستخدام الأدوات التي تتعامل معها يوميًا، بحيث تظل هذه الذاكرة حية ومفهومة وليست مجرد مادة محفوظة داخل المؤسسات.

واستشهد بالشاعر الفلسطيني محمود درويش في حديثه عن العلاقة بين اللغة والذاكرة والهوية، معتبرًا أن صراع الشعوب على روايتها يرتبط بقدرتها على الاحتفاظ بلغتها ومفرداتها وذاكرتها التاريخية.

وحذر من أن استمرار تعرض الأجيال لسردية واحدة يمكن أن يجعل بعضها مع الوقت يتماهى مع رواية الطرف الآخر ويتبنى المصطلحات التي يستخدمها في وصف الأحداث والقضايا.

وأشار إلى أن الحفاظ على الذاكرة يبدأ من الأسرة وتعريف الأطفال بتاريخهم وثقافتهم وهويتهم، وصولًا إلى بناء ذاكرة جمعية حديثة يمكنها العيش داخل البيئة الرقمية.

- من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها

وقال حسين إن أي تقدم علمي أو إنساني يجب تقييمه بقدر ما ينعكس على حياة الناس وجودة معيشتهم، مشيرًا إلى أن الدول التي حققت تقدمًا في التكنولوجيا لم تكتف بإنتاج النظريات، وإنما حولت المعرفة إلى منتجات وخدمات وصناعات ملموسة.
وأضاف أن المنطقة العربية تمتلك تاريخًا حضاريًا كبيرًا، إلا أن مساهمتها الحالية في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا العالمية محدودة مقارنة بحجم استهلاكها لها.

ودعا إلى مراجعة هذا الواقع، والانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمشارك في تطويرها، مع الاستفادة من النماذج الناجحة الموجودة بالفعل في عدد من الدول العربية.

ورفض تفسير مشكلات المنطقة بنظرية المؤامرة، معتبرًا أن جانبًا مهمًا من الأزمات يرتبط بأسباب داخلية في التعليم والإنتاج والإدارة وطريقة التفكير، بينما تستفيد القوى الخارجية من نقاط الضعف الموجودة بالفعل لتحقيق مصالحها.

وأوضح أن الإجابة يجب أن تكون في بناء قدرات حقيقية داخل المجتمعات، وتطوير التعليم والبحث العلمي وإنتاج التكنولوجيا والمعرفة بدل الاكتفاء بالشكوى من الظروف الخارجية.

- نماذج وطنية تتكامل عربيًا

وتطرق حسين إلى إمكانية بناء نماذج تكنولوجية مرتبطة بالثقافات المحلية، مستشهدًا بالتجربة الصينية في تطوير منصاتها الرقمية ومراكز بياناتها ونماذجها المعتمدة على اللغة والثقافة الصينية.

وأشار إلى أن العالم العربي لا يحتاج بالضرورة إلى انتظار ظهور نموذج عربي موحد، موضحًا إمكانية تطوير نماذج مصرية ومغربية وإماراتية وسعودية وغيرها، ثم خلق مساحات من التكامل والتعاون بينها.

وقال إن الشعوب العربية تمتلك بالفعل خلفية ثقافية مشتركة واسعة في اللغة والفنون والعادات والتجارب الاجتماعية، وهي مساحة يمكن البناء عليها في إنتاج محتوى وتكنولوجيا تعكس هوية المنطقة.

وأشار إلى زيارته الأخيرة إلى ليبيا، موضحًا أن المصري والليبي يستطيعان فهم كثير من الإشارات والتعبيرات والنكات المرتبطة بأعمال فنية وتجارب مشتركة بصورة فورية، وهي ميزة تعكس وجود رصيد ثقافي مشترك يستحق الحفاظ عليه واستثماره.

وأكد حسين أن التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في الجمع بين امتلاك التكنولوجيا وإنتاج المعرفة والحفاظ على الذاكرة، بحيث يستخدم المجتمع الذكاء الاصطناعي لتطوير حياته دون أن يفقد خصوصيته أو يترك للآخرين مهمة تعريفه بنفسه.

وتأتي مشاركة الكاتب الصحفي عماد الدين حسين ضمن ندوة Our Voice, Our Story: AI, Identity, and the Contest for Narrative – «صوتنا وحكايتنا: الذكاء الاصطناعي والهوية والتنافس على السردية»، في إطار الدورة الثلاثين لمعرض ومؤتمر Cairo ICT 2026، المقام تحت شعار AI in Action – «الذكاء الاصطناعي قيد التطبيق».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved