الاحتلال أفقده إحدى عينيه.. مصور فلسطيني لـ«الشروق»: عين الحقيقة لن تنطفئ وستبقى التغطية مستمرة

آخر تحديث: الإثنين 9 يناير 2023 - 9:17 م بتوقيت القاهرة

حوار- هند عمر

•الاحتلال يمنع دخول أي أدوات سلامة مهنية
• محاكم الاحتلال لا تعوض الصحفيين الفلسطينيين المصابين
• الاحتلال أفقدنا إنسانيتنا واغتيال شيرين أبو عاقلة هز الوسط الإعلامي وزادنا إصرارا لمواصلة الرسالة
• مصر ساعدتني في تلقي العلاج والتشخيص الصحيح
• كل الأماكن في غزة خطر على الصحفيين.. نحن في حرب سواء كنا على الحدود أو داخل القطاع
إذا كان عمل المصورين الصحفيين في أي بلد تكتنفه الصعوبات وتحفه المخاطر، فإنه أشد صعوبة وخطرا في الأراضي المحتلة، حيث يكون المصورون عرضة للاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال.

ودائما ما يسعى المصورون الصحفيون في كشف حقيقة الأوضاع المأساوية للفلسطينيين ونقلها للعالم من خلال الصورة؛ لذا فلا غرابة في أن يكونوا هدفا مقصودا للاحتلال.

في السطور التالية يحكي لنا المصور الصحفي الفلسطيني عطية درويش، كيف كان وقع استشهاد شيرين أبو عاقلة، على الصحفيين الفلسطينيين وعلى القضية الفلسطينية، وأيضا يذكرنا بحادثة فقدانه لإحدى عينيه برصاص الاحتلال الإسرائيلي.

• بداية.. حدثنا عن نشأتك؟ ولماذا اخترت مهنة التصوير الصحفي؟

عطية محمد درويش 35 عاما، أعمل كمصور صحفي في وكالة "الرأي" الفلسطينية، بدأ شغفي بالتصوير منذ الطفولة فكنت أجمع البوسترات وصور للأسرى والشهداء وأعلقها على حائط الغرفة، حتى قمت بتأجير كاميرا وبدأت أصور لقطات عشوائية.
كان حلمي أكون مصورا صحفيا معروفا، ثم اندلعت حرب 2008 على غزة، وصورت اللقطات وصُدمت من المشاهد وكأني لأول مرة ألتقط صورًا.
ثم انطلقت في العمل كمصور صحفي حر حتى التحقت بوكالة الرأي الفلسطينية الحكومية.
حصلت على العديد من الجوائز، آخرها المركز الأول على مستوى فلسطين في جائزة "الخان الأحمر" لأفضل عمل إعلامي يتعلق بالجدار والاستيطان.

• كيف تعمل أنت وزملاؤك من المصورين الصحفيين في فلسطين وسط كل هذه الانتهاكات؟

عمل المصور الصحفي على امتداد الأراضي المحتلة تكتنفه الصعوبات وتحفه المخاطر، ولكن يختلف الوضع قليلا بالنسبة لقطاع غزة فهنا لا يوجد احتكاك مباشر مع الاحتلال إلا إذا كان هناك مسيرات أو حرب مثل حرب 2008، وإذا دخلوها يكون اجتياح.
ولكن المنع يكمن في استهداف المكان المخصص للصحفيين، أو قصف الأبراج المخصصة كمقر للصحفيين، فنحن نتعرض لانتهاكات مباشرة واستهداف بالرصاص الحي، وقنابل الغاز، رغم ارتدائنا للزي الصحفي (الخوذة والدرع)، فكل الأماكن في غزة خطرة على الصحفيين، نحن في حرب سواء كنا على الحدود أو داخل القطاع.

• بالطبع.. أنت عشت تجربة صعبة نتيجة تلك الانتهاكات أفقدتك إحدى عينيك؟ كيف حدث هذا؟

في اليوم الرابع عشر من ديسمبر عام 2018، كنت أصور اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلية التي تستهدف المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة القائمة على السياج الفاصل للأراضي الفلسطينية، كنت أرتدي الزي الصحفي (الدرع والخوذة) وبالرغم من ذلك استهدفت بشكل مباشر في الخد الأيسر بقنبلة غاز اخترقت عيني وتسببت لي في تلف، وكسور وتهشم في عظام الفك، ونزيف حاد في العين والأذن نتج عنه ضعف حاد بالبصر والسمع حتى أخبرني الطبيب بفقدان النظر التام في العين اليسرى.
بدأت رحلة العلاج في مصر فهناك ساعدوني في تلقي العلاج وتم تشخيصي وقتها بتلف في الشبكية وأخبرني الأطباء أنه لا جدوى وتلقيت صدمة كبيرة أثرت في نفسيتي ثم توقفت عن العلاج وتم تهميشي، وعندما أُصيب معاذ العمارنة تم التواصل معي بعام 2021، وذهبت للأردن على أمل العلاج ولكن كل التشخيصات كانت تبوء بفقدان عيني.

• بعد فقدان عينك اليسرى.. هل ندمت على كونك مصور صحفي وهل فكرت في اعتزال المهنة؟

لن أندم على كوني مصورا صحفيا، فالكاميرا عيني والتصوير عشقي وأنا قدمت عيني مهرا لفلسطين، هذه رسالتي بفضح جرائم الاحتلال ضد شعبنا بالعكس أفتخر بأني أصبت من الاحتلال ويزيدني إصرارا على مواصلة مسيرتي فلن أتخلى عن الكاميرا ومهما أغلقوا أعيننا فعين الحقيقة لن تنطفئ وستبقى التغطية مستمرة.

• كيف كان شعورك بأول صورة التقطها بعد الإصابة؟

بأول صورة كان الوضع صعب جدا خفت وارتبكت لعدم مقدرتي على تحديد الأشياء بالعين اليسرى، وعدم تركيزي ورؤيتي للأجسام وأبعادها المختلفة.
حتى إنني لا أستطيع تمييز بعض الألوان، حتى زرت المكان الذي تم استهدافي به، كان بالقرب من مقر فضائية الأقصى واسترجعت ذكريات الحادثة، ووثقت الكثير من الصور المميزة بعد إصابتي.

• هل ترى أن الاحتلال يتعمد إصابة الصحفيين؟ وإلى أي مدى يتم قمعهم؟

بالطبع استهداف الصحفيين مقصود، فهم يرغبون بطمس أعيننا لأن عين المصور هي عنصر أساسي في فضح جرائمهم، فقد أصيب الكثير واستشهد الأكثر من الصحفيين، فكل صحفي يعرف أنه مهدد إما بالموت أو الاستهداف، فالانتهاكات في تزايد، ورغم الحماية التي تنص عليها القوانين الإنسانية في أوقات النزاع فإن ركام المؤسسات الإعلامية شاهدا على جرائم الاحتلال الممارس على الصحفيين.
الاحتلال يمنع الصحفيين المصابين من تلقي العلاج أو الحضور لمؤتمرات أو تسلم جوائز.

• ما هي أخلاقيات التصوير الصحفي في ظل وجود الاحتلال؟

يوجد الكثير من أخلاقيات التصوير الصحفي التي درسناها وتنص عليها القوانين لكن الوضع مختلف بالنسبة لفلسطين لكوننا بلد محتل منتهك فلابد من تصوير كل لقطة ومشهد حتى نفضح الجرائم والانتهاكات، ورغم ذلك هناك صورا يتم التقاطها ولم تنشر لحساسيتها ومراعاة للإنسانية؛ كصور بعض الفتيات وهن مجردات من ملابسهن أو أشلاء جثث، فإنسانيتنا تمنعنا من نشرها.
ولكن على الصعيد المهني يتحتم علينا أن نصور كل حدث وكل لقطة فلولا الصورة ما كان العالم يعرف قصة معاذ العمارنة أو شيرين أبو عاقلة، فالصورة بألف كلمة، وعلى إثر ذلك عندما استُهدف معاذ العمارنة وانتشرت قضيته تم إرسالي إلى الأردن لاستكمال العلاج لأن الاحتلال يمنع الصحفيين من السفر لتلقي العلاج.

• من وجهة نظرك ترى أن مهنة المصور الصحفي تميل إلى الإنسانية أم المهنية المجردة؟

مهنتي توازن بينهما، فالمهنية تحتم عليّ كصاحب أرض محتل محاصر يُقصف بالطيران، أن أرصد كل ما يحدث حتى أرسله للعالم، أما الإنسانية فنحن نتلقى دورات إسعافات أولية حتى إذا تطلب الأمر لمساعدة شخص لكن الاحتلال يسعى لكي يفقدنا إنسانيتنا فلا إنسانية مع الاحتلال.

• كونك مصور صحفي فلسطيني تصور الكثير من الاعتداءات والشهداء.. ما شعورك حين تجد أمامك شخصا يحتاج لمساعدة هل ستقوم بمساعدته أم تلتقط صورته أو ما شابه؟

في الحقيقة تلك ليست مهنتي، هناك أشخاص مسؤولون عن الإنقاذ، مهنتي أوقف الجريمة بإرسالها للعالم، وفي بعض الأحيان يتم تحذيرنا من الاقتراب من الضحايا، عندما أصبت أصدقائي لم ينقذوني، ولكن التقطوا صورا ليّ؛ وهذا أفضل ما قدموه.
فنحن نساهم في إيصال معاناة الفلسطينيين ولكن إذا تطلب الأمر مني لمساعدة أي شخص فلن أتردد، خاصّة إذا لم يكن هناك أحد آخر غيري في المكان، أو لم يكن هناك رجال إسعاف أو غيرهم من الناس العاديين.

• كيف كان وقع اغتيال الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة على الدخل الفلسطيني؟ وعليكم كصحفيين؟

أغلب الشعب الفلسطيني ترعرع على صوت وحضور وتغطية الشهيدة شيرين أبو عاقلة لما يدور في ساحة الحرب، مواكبتها للانتفاضة الفلسطينية ونقلها عام 2005 لكل حيثيات الانسحاب الإسرائيلي.
الحقيقة نحن تربينا منذ نعومة أظافرنا على صوت شيرين أبو عاقلة.. وفجأة حصلت الفاجعة واستشهدت شيرين.
حادث الاغتيال كان صدمة كبيرة جدا للشارع الفلسطيني صحفيين ومدنيين ومسؤولين، لكن ما نعوّل عليه هو أنّ هذا الشعب لن ينسى شهدائه سيستمر بالمسيرة حتى إكمال طريق الشهداء وأهدافهم.
شيرين قبل استشهادها كانت تقول "الطريق بدّها نفس.. الطريق طويل"، فعلا الطريق طويل والمسؤولية كبيرة.

• هل هناك تعليمات أو تغيرات أجرتها الهياكل الصحفية بعد اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة جراء السلامة المهنية؟

الهيئات الصحفية الفلسطينية كان لها فعاليات تضامنية ووقفات احتجاجية. كما يوجد دورات سلامة مهنية وحماية ودفاع تقدم للصحفيين ولكن الاحتلال يمنع دخول أي أدوات سلامة مهنية للصحفيين.
فأنا لدي درع من 2010 لصديق لي ولا أستطيع الحصول على درع آخر، أما بالنسبة لنا كصحفيين فلسطينيين أظن أنّ أفضل ما يمكن أن نقدمه لروح الشهيدة شيرين أبو عاقلة هو إيصال صوتها وصوت الإنسان الفلسطيني المظلوم.

• هل تغيرت معاملة الاحتلال الإسرائيلي مع الصحفيين بعد تلك الجريمة النكراء؟

لم تتغير معاملتهم، الاحتلال لا يخاف ولا يوجد ردع قوي لهم، خلال جنازة شيرين انتهكوا النعش والحاملين له ومشيعين الجنازة.
فالانتهاكات في تزايد ويتم توثيق الانتهاكات وفق المعايير المتبعة دوليا، حتى الصحفيين المصابين لم يتمكنوا من رفع قضايا تعويض ولا يتم تعويضهم، فمحاكم الاحتلال لا تعوض الصحفيين الفلسطينيين المصابين، وتعيق وتغلق الباب أمام الضحايا منهم، ويسعى لكتم كل صوت يطالب بالحق.

• في الفترة الخيرة لاحظنا ظهور حركات مقاومة جديدة مثل "عرين الأسد"، هل في تعتقد أن الأجيال الجديدة لديها ما تقوله للاحتلال الإسرائيلي؟

هناك وقفات احتجاجية ومقاومات، وما يربك الاحتلال هو تصاعد مؤشر عمليات المقاومة الفلسطينية بشكل دراماتيكي، ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، خاصة في الضفة الغربية.
عرين الأسد هي المقاومة التي اختارت استهداف إسرائيل بالسلاح في كل مناطق تواجده، فالمقاومات تربك الاحتلال، ولا أدري هل سيكون هناك انتفاضة جديدة أم لا.
النضال عملية تراكمية، جيل يسطر خلف جيل، وتضحيات خلف تضحيات ولكن في غزة نريد أن يبقى الوقع هادئا نسبيا خاصة بعد الحرب الأخيرة 2021.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved