المرصد الأورومتوسطي: إسرائيل تشل منظومة النقل وتدفع غزة نحو المجاعة
آخر تحديث: الأحد 9 أغسطس 2026 - 2:51 م بتوقيت القاهرة
إسطنبول / الأناضول
- المرصد الأورومتوسطي
نحو 300 شاحنة فقط من أصل 1200 قبل الحرب لا تزال قابلة للعمل
- عدد الشاحنات التي تعبر المعابر لا يعكس حجم الإغاثة التي تصل فعليا للسكان
- القوات الإسرائيلية تتعمد توقيف سائقي الشاحنات عند حواجز عسكرية بغزة وتعتدي عليهم بالضرب والإذلال
- السلوك الإسرائيلي بتدمير وسائل نقل الغذاء يمثل ركنا ماديا لجريمة الإبادة الجماعية
حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الأحد، من أن إسرائيل تتعمد شل منظومة النقل والشحن في قطاع غزة، عبر تدمير الشاحنات ومخازنها واستهداف سائقيها، ومنع إدخال البدائل وقطع الغيار.
وقال المرصد الحقوقي (مقره جنيف)، في تقرير، إن إسرائيل تنفذ "سياسة متكاملة لتفكيك سلسلة الإمداد من لحظة دخول السلع والمساعدات عبر المعابر حتى وصولها إلى السكان".
وأكد أن عبور الشاحنات إلى داخل القطاع لا يعني وصول حمولاتها إلى مستحقيها في ظل تدمير منظومة النقل والتخزين والتوزيع أو تعطيلها.
- تدمير أسطول الشاحنات
ونقل المرصد عن رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة ناهض شحيبر قوله إن القطاع كان يمتلك قبل بدء الحرب الإسرائيلية أسطولا يضم نحو 1200 شاحنة، تغطي احتياجات السكان من الأغذية والأدوية والوقود والأعلاف ومواد البناء وغيرها من السلع الأساسية.
وأوضح شحيبر، أنه لم ينج من القصف والتدمير الإسرائيلي سوى نحو 400 شاحنة، تعطلت منها نحو 100 بسبب منع إدخال قطع الغيار والإطارات والزيوت والبطاريات، ليصبح عدد الشاحنات القابلة للعمل حاليا نحو 300 فقط، أي 25% من حجم الأسطول السابق.
وقال الأورومتوسطي، إن المنع الإسرائيلي لإدخال المواد اللازمة للصيانة وضع ما تبقى من الأسطول أمام خطر التوقف، واضطر العاملين إلى تفكيك الشاحنات المعطلة واستخدام أجزائها لإبقاء شاحنات أخرى قيد التشغيل.
وأضاف أن تكلفة تبديل الزيت للشاحنة الواحدة ارتفعت من نحو 450 شيكلا "نحو 150 دولارا" قبل الحرب إلى نحو 100 ألف شيكل "نحو 33 ألف دولار" حاليا، وسط ندرة شديدة في المواد التشغيلية، فيما وصل سعر الكيلوجرام الواحد من الزيت، حال توفره، إلى نحو 1100 دولار.
وأشار المرصد إلى أن منع المواد اللازمة لتشغيل الشاحنات يعطل الوسيلة الأساسية لنقل الغذاء والدواء والوقود إلى سكان القطاع، بعدما دمرت إسرائيل معظم بنيته التحتية وسبل إنتاجه المحلي، ما جعل السكان يعتمدون بصورة شبه كاملة على المساعدات والإمدادات الواردة من الخارج.
ووفق المعطيات الميدانية بحسب المرصد، دمرت الهجمات الإسرائيلية أو عطلت أكثر من 150 شاحنة أثناء أداء مهامها، ولاسيما على الطرق المؤدية إلى معبر كرم أبو سالم وفي محيطه.
وأضاف أن الهجمات قتلت أكثر من 20 سائقا، بينهم 4 منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فيما اعتقلت القوات الإسرائيلية 15 آخرين، لا يزال بعضهم محتجزا منذ نحو عامين.
وأوضح المرصد أن عددا من السائقين الذين تعرضوا للهجمات أو الاعتقال كانوا يعملون ضمن قوافل خضعت لتنسيقات وإخطارات مسبقة للسلطات الإسرائيلية عبر مؤسسات أممية ودولية، بينها برنامج الأغذية العالمي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية "أوتشا".
واعتبر أن ذلك "يؤكد علم السلطات الإسرائيلية بهوياتهم وطبيعة مهامهم ومسارات تحركهم".
وفي السياق نفسه، أشار المرصد إلى تدمير الجيش الإسرائيلي لمقار ومستودعات شركات النقل، البالغ عددها نحو 150 شركة، إلى جانب انعدام المخازن الآمنة ومستودعات التبريد، ما تسبب في تفكيك البنية اللوجستية اللازمة لحفظ المواد وتوزيعها.
وأضاف أن تأخير نقل الشحنة الواحدة بين 24 و72 ساعة، إلى جانب بطء التفتيش وتعطل الشاحنات، يؤدي إلى تلف كميات من الأغذية المجمدة والأدوية والمواد الأساسية قبل وصولها إلى مستحقيها.
ووفق معلومات اطلع عليها المرصد، تتعمد القوات الإسرائيلية توقيف سائقي الشاحنات بصورة متكررة عند الحواجز العسكرية في غزة وداخل معبر كرم أبو سالم جنوبي القطاع، وتجبرهم على التعري الكامل وتعتدي عليهم بالضرب والإذلال، رغم حصولهم على موافقة أمنية مسبقة للعمل والدخول إلى هذه المناطق، وفق التقرير نفسه.
كما وثق المرصد مسارا آخر أدى إلى تعطيل عشرات الشاحنات التي أدخلت حديثا إلى غزة، إذ تبين بعد دخول نحو 100 شاحنة عبر تنسيقات تجارية خاصة أن عليها قيودا على الملكية وحقوق ضمان مسجلة لمصلحة بنوك إسرائيلية، بما يتيح مصادرتها عند وصولها إلى المعابر.
وأشار إلى مصادرة 23 شاحنة بالفعل، ما دفع مشغلي الشاحنات المتبقية إلى وقفها خشية فقدانها.
-صورة مضللة لحجم الإغاثة
وشدد الأورومتوسطي على أن احتساب عدد الشاحنات التي تعبر المعابر وحده "يقدم صورة مضللة عن حجم الإغاثة"، معتبرا أن المعيار الحقيقي هو كمية السلع التي تصل بصورة آمنة ومنتظمة إلى الفلسطينيين في جميع مناطق القطاع.
وأضاف أنه "لا يمكن اعتبار المساعدات متاحة بينما تبقى حمولاتها عالقة أو تتلف أو يتعذر نقلها إلى المناطق التي يتركز فيها الجوع والاحتياج".
وأشار "الأورومتوسطي" إلى تحذير رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية "أوتشا" في فلسطين جاستن برادي من أن غزة تواجه حالة طوارئ غذائية قد تنزلق إلى المرحلة الخامسة، وهي أقصى درجات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، حال تراجع تدفق المساعدات.
وقال برادي، خلال مؤتمر صحفي في رام الله في 3 أغسطس الجاري، إن تحليلا شارك فيه أكثر من 60 خبيرا من 20 منظمة يتوقع أن يواجه أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من سكان القطاع، مستويات "الأزمة أو أسوأ" من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق توقعات للفترة بين يوليو وديسمبر 2026.
وأضاف أن نحو 212 ألف شخص، أي قرابة 10% من سكان القطاع، سيبقون في حالة طوارئ غذائية من المرحلة الرابعة التي تسبق المستوى الخامس والأشد خطورة.
- انتهاك القانون الدولي
وقال "الأورومتوسطي" إن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني بضمان تزويد السكان بالغذاء والإمدادات الطبية، والسماح بمرور الإغاثة وتيسير وصولها وتوزيعها فعليا على المدنيين.
وأكد انتهاك تل أبيب لهذه الالتزامات عبر "تعمد تدمير القدرة اللوجستية اللازمة لنقل الغذاء والدواء، ومنع إصلاحها أو استبدالها"، رغم علمها بحالة الجوع والمرض واعتماد السكان شبه الكامل على المساعدات.
واعتبر ذلك "حلقة إضافية في جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة".
واعتبر أن تدمير وسائل نقل الغذاء ومنع إصلاحها أو استبدالها "يحقق الركن المادي لفعل الإبادة الجماعية المتمثل في إخضاع الفلسطينيين عمدا لأحوال معيشية تحرمهم من مقومات البقاء ويراد بها تدميرهم المادي كليا أو جزئيا".
وقال إن تعمد حرمان المدنيين من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما يشمل عرقلة إمدادات الإغاثة، يشكل جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.
- مطالب برفع القيود
وطالب الأورومتوسطي المجتمع الدولي باتخاذ "إجراءات فورية وملزمة" لوقف الأعمال العدائية ورفع الحصار عن غزة وضمان وصول السكان إلى الغذاء والماء والدواء وسبل العيش.
ودعا الدول إلى تجاوز "بيانات القلق"، وفرض حظر شامل على توريد الأسلحة والمعدات والخدمات العسكرية والأمنية التي تستخدم في مواصلة الحصار أو تعطيل الإغاثة.
كما دعا لفرض عقوبات على المسئولين عن الانتهاكات، وتنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية ودعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية.
وطالب إسرائيل برفع القيود عن إدخال الشاحنات وقطع الغيار والإطارات والزيوت والبطاريات والوقود ومعدات الصيانة، وفتح جميع المعابر أمام التدفق الإنساني والتجاري المنتظم، وإنهاء القيود الكمية وإجراءات التفتيش "التعسفية".
ولم يصدر تعقيب رسمي من الجانب الإسرائيلي على بيان المرصد.
ووفق معطيات سابقة للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، دمرت إسرائيل نحو 90% من البنى التحتية المدنية خلال حرب الإبادة التي بدأتها في 8 أكتوبر 2023، فيما قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
وخلفت الإبادة أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، تواصل إسرائيل خرقه يوميا بالقصف وإطلاق النار والتوغل والتدمير والنسف.