في ذكرى ميلاده.. كتاب غربيون ومستشرقون يعيدون إحياء تراث توفيق الحكيم

آخر تحديث: الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

جميعنا نعرف الكاتب العبقري السكندري توفيق الحكيم، عصفور الشرق الذي أعاد صياغة الرواية العربية وزاوج بين المسرح والكتابة في عصرنا الحديث، إلا أننا سنتحدث اليوم عن الوجه الآخر الذي لا نعرفه له: وهو كيف يرى الغرب توفيق الحكيم الذي ترجمت العديد من أعماله إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية ووقع في حبه القراء الغربيون والشرقيون على حد سواء.

ذكر موقع قنطرة التابع لمؤسسة "دويتش فيله" الألمانية ومؤسسة جوته، أن المترجمة منى رضوان قالت في مقدمة كتاب الحكيم "ثورة الشباب" نقلًا عن أعضاء حركة 6 أبريل خلال مقابلة على شاشات التليفزيون المصري عام 2011 أنهم استلهموا ثورتهم بشكل ما من مقالات الحكيم المجمعة في كتاب "ثورة الشباب"، على الرغم من أن الحكيم لم يكتبها قط للشباب، بل كان يستهدف الأجيال الأكبر سًنا من أجل تقليص الفجوة بينهم وبين الأجيال الأصغر سنًا، حيث يحثهم فيها على فهم أفكار أولادهم وأحفادهم والتفاعل معها، وعلى الرغم من أن هذه المقالات -وعددها 20 مقالة- كتبها الحكيم منذ فترة طويلة، إلا أنها لا زال بالإمكان تطبيقها على عصر اليوم المليء بالثورات والصراع بين الأجيال، وقد جاءت أعماله في الثمانينات كـ"تحديات سنة 2000" و "ثورة الشباب"، الذي نشر في عام 1984 ، وكأنها تخاطب الأجيال المستقبلية.

وعلى الرغم من أن الحكيم قد توفي منذ ما يقرب من 3 عقود، إلا أنه روحه الأدبية القوية لا تزال تحلق في سماء الأدب في مصر، وقد وجد الباحث الفرنسي ريتشارد جاكيموند ، الذي قام بجمع البيانات التي قام مستخدمو الإنترنت بتحميلها من موقع فورشيرد أن الحكيم كان رابع أكثر كاتب مصري يتم تحميل أعمال له ، متفوقًا حتى على نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل.

"ثورة الشباب" ليست من أكثر أعمال الحكيم تعقيدًا من الناحية الفنية، إلا أنها من أكثرها جرأة لأنه يناقش فيها حتى حياته الأسرية، كعلاقته بأبيه أو ابنه الوحيد، وعلى الرغم من أننا قد نتوقع أن يكون مفكر واسع الأفق مثل الحكيم مقدرًا لاختيارات ابنه المهنية ، إلا أننا نجد أنه يعترف على نفسه بأنه ضيق الأفق حيث أنه لم يستطع قط استساغة موسيقى الجاز الخاصة بابنه، فعندما عبر ابنه عن اهتمامه بموسيقى الجاز سخر منها الحكيم وسماها "ضوضاء سمعية" ولم يحضر إحدى حفلات الجاز مع ابنه إلا مرغمًا وتحت ظغط من صديقه الكاتب يوسف إدريس ووصف الحكيم نفسه حينها أنه كان "كالأطرش في الزفة".

وفي مقالة "الأجيال القادمة" من مجموعة المقالات يتحدث الحكيم كثيرًا عن علاقته بوالده ، كما ذكره في مذكراته المعنونة "سجن الحياة"، وقال إنه كان لا يجرؤ على نطق كلمة "فن" في حضوره، لأن أصدقاء والده أخبروه أنه كان يشتكي للجميع، قائلًا إن حرفة الفن ستأسر ابنه حتى تدمره.

ودعت جامعة نورث داكوتا الأمريكية على موقعها القراء الغربيين لقراءة أعمال الدبلوماسي الأمريكي الهندي أكبر أحمد وأيضًا أعمال الحكيم من أجل تقليص الفجوة بين الشرق والغرب لاسيما فيما يخص صراع الحضارات، ومحاولة فهم الجانب المعتدل من الإسلام بعيدًا عن وجه الإسلام الأصولي المتشدد والإرهاب الذي ألفه الناس في الغرب.

وقد درس الحكيم الحقوق ولكنه لم يعمل بالمحاماة، وكان متمكنًا من الرواية أكثر من القصص القصيرة كما وصفه بعض النقاد الغربيين، ويزعم بول ستاركي، الباحث البريطاني والمترجم المستشرق في مقالته "توفيق الحكيم، رائد الكتابة المسرحية في العالم العربي" أن مسرحيات الحكيم هي الأكثر نجاحًا في تاريخ مجتمع المسرح.

وقال الكتاب والمترجم الأمريكي وليام مينارد هتشينز، في مقدمة كتابه "دليل القارىء في قراءة توفيق الحكيم" أن السبب الرئيسي لقيامه بتقديم الكتاب هو انتشال عملاق راحل مثل الحكيم من طي النسيان وتقديم إثبات للقارىء الغربي المعاصر أن أعمال الكتاب المصريين لازالت جديرة بالقراءة.

وكانت أول مسرحية للحكيم بعنوان "عازف الناي" عام 1931، كما افتتحت مسرحيته "براكسا أو مشكلة الحكم" شركة مسرح دمشق الوطنية في أواخر الخمسينيات تحت إشراف رفيق الصبان، وقد أثبت منذ بدايته أنه مختلف عن الكاتب المسرحي الموهوب الآخر ، علي أحمد باكثير ، الذي تناول على نطاق واسع الموضوعات الإسلامية، وتنوعت أعمال الحكيم من حيث الشكل والأسلوب، بدءًا من الأعمال الأدبية والمسرحية المبنية على كلاسيكيات أجنبية كالكلاسيكيات الإغريقية (مثل الملك أوديب، وبراكسا، وبيجماليون)، أو التراثية العربية (مثل شهرزاد و السلطان الحائر وشمس النهار التي قدمتها للمسرح سناء جميل)، بالإضافة إلى إسهاماته في المدرسة في العبثية (مثل ياطالع الشجرة و ومصير صرصار) ولا ننسى أن الحكيم هو أول من قدم المسرح الذهني، أو "مسرحيات للقراءة" - كما سماها هو نفسه – التي كان يصعب للغاية تحويلها للمسرح لأنها أقرب إلى تيار من الأفكار يمكن قراءته فقط، وعلى الرغم من أن الحكيم نفسه جاء من خلفية ارستقراطية، إلا أنه كتب مسرحيات تنتقد البرجوازية وتسخر منها ، خاصة تلك المسرحيات التي تشكل مجموعته المعروفة باسم "مسرح المجتمع" وهي عبارة عن عشرين مسرحية استهل الحكيم كل مسرحية منهم بعنوان "من وحي كذا" مثل: "من وحي أخلاق المجتمع" و "من وحي حرية المرأة" و "من وحي المعتقدات الشعبية".. الخ

ومن أعمال الحكيم المترجمة للإنجليزية: رواية "عصفور الشرق " التي تعكس العادات المصرية ومسألة غزو الحداثة لمصر، ورواية "يوميات نائب في الأرياف" أو متاهة العدالة كما تُرجمت في الإنجليزية التي تعكس تجربة شخصية للحكيم بعد عودته من فرنسا وكيف جعل بطل القصة يحاول تطبيق القانون الذي تعلمه في فرنسا على أهل الريف في مصر، وروايتا "أهل الكهف" و"عودة الروح" المتصلتان بفكرة البعث أو إعادة الإحياء ولذا هما مرتبطتان بشكل كبير بشعور المصريين المتزايد بقوميتهم في السنوات الأخيرة وإحساسهم الذي أعادوا اكتشافه بعظمة مصرهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved