محمد المخزنجي يكتب: اعتذار متأخر لكائن جميل نبيل

آخر تحديث: الخميس 10 يونيو 2021 - 8:39 م بتوقيت القاهرة

فى البدء كانت نزوة عشاء متوهج من مشويات لحم الطرائد.. ثم جاء الندم من وراء السنين ليوجب الاعتذار.. لأن النزوة كانت اعتداءً آثما.. ليس فقط على كائن جميل نبيل.. بل أكثر..
.....................................................................................................................

مساء الثلاثاء 20 سبتمبر 1995، تلقيت دعوة على العشاء فى مطعم فريد فى العاصمة الزيمبابوية «هرارى»، فقد كان المطعم جزءًا من جاليرى للأعمال النحتية فى الصخور الصلبة التى يشتهر بها فنانو قبائل الشونا الزيمبابوية فى كل أنحاء العالم، الطابق الأول كان معرضًا لقطع نحتية مبهرة على قواعدها، تحيط بها لوحات جنوب إفريقية حارة الألوان على الجدران، أما المطعم فكان فى الطابق الثانى يقدم العشاء بمصاحبة عزف حى على الآلات الموسيقية الأفريقية التقليدية مع عروض رقص نارية تتوهج فيها الفهدات السمراوات عارمات القدود، وفى هذا المساء المشتعل فوجئت بأن الأطباق الرئيسية فى قائمة الطعام مخصصة لشواء من لحوم الطرائد التى تم صيدها فى اليوم نفسه، وبإغراء الفضول وتحريض وهج المكان، إضافة إلى أصداء الدعاية عن الطعام «الإكسوتيك» Exotic food ــ فريد الغرابة ــ فى الجنوب الإفريقى، طلبت عينات صغيرة للتذوق، شملت مشويات من لحوم ذيل التمساح، والمها الإفريقى، والنعام، وحمار الوحش، وطاب لى الأخير فالتهمت وجبة كاملة منه كانت شهيةً بالفعل، فخمة الهشاشة، عطرية العبق، ومدوخة الانتشاء!
تسمية أخرى تليق به
نمت نومًا عميقًا بعد سهرة ذلك العشاء، وصحوت مفعمًا بالنشاط فى صباح هرارى الباكر المرصع بمظلات أشجار الجاكاراندا البنفسجية التى تزهر قبل أن تورق، ثم انطلقتُ إلى محمية «هوانجى»، وهناك وجدتنى بدلًا من الاهتمام السابق بمشاهير البرارى الأفريقية، الأسود والفهود والأفيال وأفراس النهر ووحيد القرن، أخصص معظم وقتى فى هوانجى لتأمل ما كنت أقبل تسميتها بالحمير الوحشية، أو حمير الزرد، أو الحمير المخططة، ومكثت أقتفى أثر هذه الكائنات البديعة حيثما تكون، مختلطةً بالأفيال عند حُفر الماء تستقى، أو ترعى فى السهول العشبية متجمعةً بالعشرات والمئات، ودائمًا فى صحبة عاشبات أخرى من التياتل والمها والجاموس البرى، وبدأ تأملى الطويل لبديع هيئات هذه «الحُمُر» وتفاجُئى المذهل بفرادة أصواتها، يجعلنى أردد فى داخلى بإلحاح وقوة: «لا، هذه لا يمكن أن تكون حميرًا»، ومع تكرار التأمل وتكرار الترديد، بدأ شعور بالذنب يغزونى بتصاعد لأنى أكلت لحمها المشوى، وبتلذذ وحشى، وتهافُت لا يليق!
كان أول تفكيرى فى تكفيرى عن هذا الذنب، ألا أدعوها حميرًا بعد ذلك (مع إشفاقى على ما لحق بالحمير وأساى على مأساة استحمارها) وفكرت ــ كبداية للاعتذار ــ أن أكتفى بتسميتها خيول الزرد، لأن الخيول ــ برغم تدجينها كأقاربها الحمير ــ ظلت محتفظةً ببعض أنفتها البرية وعدم احتمالها للإهانة، ثم إن خيول الزرد هذه – علميًّا ــ تُشكِّل مع الأحصنة والحمير البرية أحد الأضلاع الثلاثة للعائلة الخيلية Equidae، وتوصف فى كثير من المراجع بأنها خيول أفريقية African equines، أما الحاسم فى انحيازى إلى اعتبارها خيولًا، أو أقرب إلى الخيول، فهو أنها لا تنهق أبدًا، لا تنهق بهذا الصوت الراعد المُنكَر للحمير، والذى كان سلاحها الثقيل فى مواجهة مفترسيها يوم كانت برية، تطلقه متجمدةً فى مكانها، فيربك صوتُها المفترسَ ويجعله يتردد فى الاقتراب، والغريب أن الحمير احتفظت بهذا السلاح الصوتى بعد تدجينها، تطلقه لغير سبب واضح برغم استسلامها لمدجنيها، والارتضاء بصفقة ضمان استمرار العلف وتوفير المأوى الآمن، مقابل أن تقدم جهدها، وجِلدها ولحمها أحيانًا، ونسلها دائمًا.. حميرًا للمستقبل!
باقة أصوات مفاجئة
الزرد لا ينهق أبدًا، وهو ما تيقنت منه فى هوانجى وغير هوانجى، وعبر سماعى المثابر والمتكرر لتسجيلات عديدة لصوته*، فهناك باقة لأصوات الزرد تتراوح بين أربعة وستة، وتتشكل من مزج ما يشبه صهيل أمهار الخيل، ونباح الجراء، وصفير بعض الطيور! مع شخير خاص وهرير يقارب هرير صغار القطط، وفى هذه الباقة نتبين: 1ــ صوت يشبه نباح الجراء بنبرة عالية ورنين معدنى، يُسمَع «ها، كاو ــ ها، كوا ــ ها، ها ها» ويُستخدم للتودد الجنسى كما للترحيب بالأصدقاء، 2 ــ صوت صهيل غض حاد النبرة وصافر من مقطعين ينبه إلى اكتشاف مفترس يقترب، 3 ــ صوت شخير تحذيري صاخب عند الدخول إلى منطقة أعشاب طويلة وشجيرات يمكن أن تُخفى حيوانات مفترسة، 4 ــ صوت صرير صارخ عالى النبرة تطلقه ذكور الحمير عند غضبها العارم المصحوب بالعض والتلاطم، 5 ــ صوت صفير مُطوَّل يطلقه صغير الزرد عند وقوعه فى محنة، فكيف يكون حمارًا مَن لا ينهق؟!
وكيف يكون حمارًا مَن يوصف بأن معطفه المخطط يجعله بين الثدييات الكبيرة (سواء كانت زرافات أو فهودًا أو غزلانًا أو ظباءً) «الكائن الأكثر أناقة»؟! وهو كذلك بالفعل، فهذا التشكيل الجمالى لذلك المعطف البديع الذى تتناوب فيه الخطوط البيضاء مع السوداء (والتى تكون بنِّية فى الصغر وتدكن لتصير سوداء مع النضج)، هى تمامًا كبصمات أصابعنا، لا تتكرر أبدًا، فكما لكلٍّ منا بصمته التى تميزه، بدقة تفوق رقمه القومى، يميز تشكيل الخطوط البيضاء والسوداء كل فرد من هذه الكائنات بتصميم يخصه، به تتعرف الأم على صغيرها إذا تاه بين الحشود فى المرعى مع أقرانه الصغار، كما يُشكِّل الوسيلة التى يتعرف بها الصغير على أمه مهما اشتد الزحام أو فرقهما هرج الفرار من مفترس، وبه يعرف الذكر أنثاه وتعرف الأنثى ذكرها عند اختلاط القطعان فى المرعى وفى أثناء رحلات الهجرة الموسمية إلى مساقط الأمطار، والتى تنخرط فيها جحافل تُعد بالآلاف، راكضةً دون توقف لمئات الأميال، ودون أى اعتبار للحدود التى رسمها الاستعمار أو الأعراق أو العشائر أو القبائل!
إنها أناقة جوهر لا مظهر فقط، تصميم عظيم النفع بآليات لا تزال تحير البحث العلمى، فثمة فرضيات تقول بأن تناوب الخطوط السوداء مع البيضاء يؤدى دور «تكييف طبيعى» لجسم الحيوان يخفف عنه وطأة البيئة الحارة فى برارى الجنوب الإفريقى والسافانا، فالخطوط البيضاء تعكس الحرارة أما السوداء فتحتفظ بها، وهذا يُسرِّع دوران الهواء فوق جلد الحيوان فيبرده، وتضاف إلى هذه الفرضية التكيفية فرضية أخرى تقول إن هذه الخطوط تربك تحفُّز المفترسين للهجوم؛ إذ تُزيغ أبصارهم عند النظر إلى قطيع يرعى العشب، فيرونه جسمًا واحدًا يصعب التركيز على هدف منفرد منه، وإذا تحرك القطيع يصير التركيز على هدف فردى للاقتناص عسيرًا بفعل انبهار الحركة motion dazzle الذى يُبدى خطوط الجمع تتحرك وتتداخل فتربك المفترس، كل هذا جميل ومثير، ومحتمل فى الواقع، لكن هناك اختلافًا علميًّا حوله، أما ما لا اختلاف عليه، فيتعلق بدور التشكيل عبقرى الجمال لخطوط معطف الزرد فى إبعاد الذباب القاتل وكثير من الحشرات المؤذية والمُمرِضة عن هذه الكائنات الأنيقة.
العلم يفسر الأعجوبة
شىء مثير للدهشة فعلًا، ويبرر شدة توقيرى لهذه الكائنات ومن ثم إلحاح الرغبة فى الاعتذار لها، الآن وصاعدًا، وبعد مرور كل هذه السنين، فهذه الكائنات برغم انتمائها إلى العائلة الخيلية التى تضم الأحصنة والحمير، يكاد لا يقربها الذباب ماص الدماء وناقل الأمراض القاتلة وأشهرها ذباب الخيل Tabanidae الناقل لأمراض إنفلونزا الخيول، والجمرة الخبيثة، والفلاريا، وعمى الأنهار، ويليه ذباب التسى تسى، الناقل لمرض النوم الإفريقى الذى أودت أوبئته بكثير من البشر مع تفاقمه ووصوله إلى المرحلة الدماغية السحائية، إنها حصانة عجائبية ضد هذه الحشرات المؤذية وكثير غيرها، وقد أظهر البحث العلمى مؤخرًا ما وراء هذه الأعجوبة، إنها لوحات تشكيل الخطوط البيضاء والسوداء البهية على معاطف حيوانات الزرد، ففى العام الفائت 2020 نشرت كلية العلوم البيولوجية بجامعة بريستول دراسةً تكشف عن آلية ردع ذباب الخيل وذباب التسى تسى وحشرات أخرى عن النيل من حيوانات الزرد، وقد أوجز الدكتور مارتن هاو ــ المؤلف الرئيس للدراسة ــ هذا الاكتشاف، بأنه راجعٌ إلى ما يسميه «تأثير الفتحة»، وهو خداع بصرى يسببه تجاور وتداخل الخطوط السوداء والبيضاء للذبابة، وهى تحاول الهبوط على جسم الزرد؛ ففى الحالة التى يكون فيها الهدف بلون واحد، يزيد التدفق البصرى بتوسُّع جسم الهبوط فتقلل الذبابة من سرعتها لتحط على الجسم بهبوط منضبط، لكن تجاور خطوط الزرد البيضاء والسوداء وتداخلها يقلل التدفق البصرى مع مزيد من الهبوط، مما يؤدى بالذبابة إلى اعتقاد أن هدفها لا يزال بعيدًا فلا تبطئ سرعتها، ومن ثم تخفق فى الرسو المنضبط على جسم الهدف، تفشل مهمتها، ومع تراكم خبرة الفشل يزهد الفاشل فى تكرار المحاولة، فينجو الزرد، وتنجو معه الماشية التى ينتقل إليها المرض، وينجو البشر المعرضون للعدوى!
ترسانة مرهفة للرصد والإنذار
إنها مخلوقات «سوبرانية» الصوت، أنيقة المعاطف فريدة التشكيل والنفع، تعيش على الرعى فى بيئات مكشوفة، فهى واقعيًّا سهلة الرصد والمنال لمفترسيها، من أسود وفهود وضباع وكلاب برية، كما لا يمكن استبعاد التماسيح عند ورود الماء، كل ذلك يُبرِّر افتراض أنها صيد سهل لكل هؤلاء اللواحم، لكن لا، فهى التى لا ناب لها ولا مخلب، تمتلك ترسانة طبيعية مرهفة من أدوات الرصد والإنذار والمقاومة، فلا ترعى إلا فى جماعة تضم قطعانًا مختلفة وضيوفًا مُرحَّبًا بهم من المعشبين السلميين مثلها، ولا تنام الليل إلا مجتمعة، والغاية أن يكون هناك دائمًا فردٌ مستيقظ يرصد اكتشاف أو اقتراب مفترس، فيطلق صيحات التنبيه، وإذا بوغتت بالهجوم لا تتجمد فى مكانها وتنهق كما تفعل الحمير، بل تستنفر فى أجسادها الفتية الرشيقة آلية الفرار والقتال معًا، فإذا رأت المفترس يهاجم واحدًا منها، تتجمع عليه بالعض العنيد والركل الساحق، وهى غالبًا ما تتفرق فى فرارها، لتسحب تحالف المفترسين أو المفترس المفرد وراء فرد ناضج منها، يركض فى خط زجزاجى يدوخ مَن يطارده، وبتسارع يصل إلى 60 كيلومترًا فى الساعة، وهى سرعة تناظر سرعة الأسود، لكنها تتفوق على الأسد الذكر بأنها يمكن أن تثابر لمسافة أكبر ووقت أطول، وهو ما يعجز عنه الأسد، لأنه لو أمعن فى المطاردة ترتفع حرارة جسمه المرتفعة أصلًا فتهُدّه الحُمَّى، أما إذا أفلح تحالف اللبؤات والأسد مع زرد منفرد وبدأت مخالبهم تنهشه، فإنه يقاتل حتى النفَس الأخير، بالرفسات الساحقة، أو العض العنيد الذى يمكن أن يهشم عظام رأس لبؤة أو أسد، وإذا لم يعد فى الجعبة من حيلة، فإن رحمة فورة الأدرينالين تكون ماثلةً فى تخفيف الإحساس بهول الألم من ناحية، وسرعة إنهاء المفترس لحياة فريسته من الناحية الأخرى، فأى نبيل هذا؟ وأى نبالة فى البرية هذه؟!
بطل العشرة آلاف عام
نعم نبيل، وآية نبالته بطولة عشرة آلاف عام من مقاومة تدجين البشر له أو حتى ترويضه، فالزرد تأبى على التدجين الذى استكان له أبناء عمومته من الحمير والأحصنة، أغراهم توافر العلف وأمان الاصطبلات والزرائب، فقدموا لمدجنيهم قواهم للجر والحمل والركوب، وقبلوا التناسل فى هذا الأسر، وتقديم نسلهم دوابًّا لآسريهم!
صحيح أن قبول التدجين ضَمن للمدجَّنين زيادة أعدادهم، فصارت الحمير والخيول «المستأنسة» تُعد بعشرات الملايين فى العالم، فى حين تناقص عدد حيوانات الزرد إلى ما دون 300 ألف فرد فى البرية الأفريقية كلها، يهددها الانقراض، إلا أن الحرية نفيسة كقيمة معنوية، وكأثر مادى ملموس فى الواقع، فتذوُّق لحم الزرد المشوى وإن كان لا يزيد عن نزوة صغيرة عابرة ــ تستحق الاعتذار ــ إلا أنه كان لى بداية للإطلال على ساحة إجرام عولمى مسكوت عنه ــ لا يستثنى أحدًا ــ للتجارة الوحشية عابرة القارات فى لحم الطرائد وعلى رأسها حيوانات الزرد، وهو ما يحتم توسيع الاعتذار وتعميق الفَضْح العِلمى، ليس لدواعٍ أخلاقية وعاطفية فقط، بل لأن ذلك الإجرام فى انتهاك حياة الكائنات البرية خطر داهم على توازن شبكة الحياة فى كوكبنا يهدد استدامة الحياة، ثم إنه مصدر الأوبئة والجوائح البشرية حيوانية المنشأ zoonotic، التى لا نزال فى العام الثالث نختنق ونُلبِّط فى مستنقع واحد منها، بينما هناك عشرة مثله ــ على الأقل ــ تتوعدنا!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روابط لسماع باقة أصوات الزرد

https://www.pinterest.com/pin/whatــsoundــdoesــaــzebraــmakeــaudioــ4ــzebraــsoundsــbarksــnoisesــvideoــvideoــinــ2021ــــ470344754840495795/
........................................................................................................
* النص: بالتنسيق مع مجلة «للعلم» (forscience.com) وهى الطبعة العربية المصرية لمجلة Scientific American

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved