مونديال بلا أسمنت.. كيف غيرت نسخة 2026 فلسفة بناء الملاعب؟
آخر تحديث: الأربعاء 10 يونيو 2026 - 11:37 ص بتوقيت القاهرة
الرياض - د ب أ
يدخل كأس العالم 2026 مرحلة جديدة في تاريخ تنظيم البطولات الرياضية الكبرى، لا تقتصر على توسيع رقعة الاستضافة أو تنويع الملاعب، بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحدث الرياضي والبنية التحتية التي تحتضنه. ففي نموذج غير مسبوق، تعتمد البطولة على ملاعب قائمة في الأساس، خضعت لتعديلات مؤقتة أو تحديثات محدودة، بدل بناء منظومة جديدة بالكامل كما كان سائدا في دورات سابقة.
ويعكس هذا التحول الهندسي واللوجستي فلسفة تنظيمية مختلفة، تقوم على فكرة التكيف مع الموجود بدل إعادة البناء من الصفر، حيث توظف ملاعب عملاقة صممت أساسا لدوريات كبرى في رياضات أخرى، إلى جانب منشآت تاريخية في المكسيك ومرافق متعددة الاستخدامات في كندا، لتشكيل شبكة استضافة عابرة للحدود.
وبينما تفرض تعديلات تقنية معقدة على بعض الملاعب لضبط الأبعاد والرؤية وجودة أرضية اللعب، فإن النتيجة النهائية تكشف عن نموذج اقتصادي جديد يقلص الاستثمار المباشر لصالح إعادة توظيف الأصول القائمة.
مونديال 2026 لم يشهد تشييد أي ملعب خصيصا لهذا الحدث، إذ أن أحدث الملاعب بناء في هذه المداورة هو ملعب "سوفاي" في لوس أنجليس، الذي اكتمل بناؤه عام 2020 لصالح دوري كرة القدم الأمريكية بتكلفة بلغت قرابة 5 مليارات دولار، سيكون صرحا ترفيهيا متكاملا مغطى بسقف شفاف من مادة الإيثيلين المتطورة دون الحاجة لاعتماد ميزانيات بناء خاصة بالحدث الكروي العالمي.
وفي الولايات المتحدة، تم تجهيز أحد عشر ملعبا مخصصا لكرة القدم الأمريكية بهياكل ومنشآت مؤقتة لتلبية متطلبات الفيفا، قبل أن تعاد إلى استخدامها المعتاد فور انتهاء البطولة.
وتتجلى هذه التعديلات اللوجستية في مواجهة تحديات هندسية معقدة، حيث تفرض الفيفا أبعادا صارمة للملعب ذات زوايا رؤية ومساحات ارتداد آمنة، وهي أبعاد تفوق عرض الملاعب التقليدية المصممة بشكل مستطيل أكثر ضيقا.
ولتجاوز هذا العائق، تطلب الأمر إزالة مقاعد الزوايا السفلية بشكل مؤقت في ملاعب شهيرة مثل ملعب "أروهيد" وملعب "أتلاتيكو"، وتثبيت أنظمة أرضيات عشبية طبيعية مؤقتة ومتحركة مدعومة بأنظمة ري وإضاءة متطورة فوق الأرضيات الاصطناعية الحالية.
أما في المكسيك، فقد جددت ثلاثة ملاعب كرة قدم قائمة بالفعل وضاربة في التاريخ مثل ملعب "أزتيكا" الشهير الذي خضع لعمليات تحديث واسعة النطاق شملت تحسين مقاعد كبار الشخصيات والأنظمة الرقمية والإضاءة دون المساس بهويته المعمارية، بينما تم الاعتماد في كندا على منشأتين قائمين ومتعددي الأغراض هما ملعب "بي إم أو فيلد" في تورونتو وملعب "كولومبيا البريطانية" في فانكوفر.
وبالمقارنة مع نسخة قطر 2022، حيث تم إقامة مجموعة كاملة من الملاعب من نقطة الصفر في قلب الصحراء عبر ضخ استثمارات هائلة لإنشاء صروح معمارية أيقونية مكيفة ومستدامة هندسيا، يمثل هذا التوجه تحولا جذريا في طريقة تفكير الهيئة الحاكمة والأكثر نفوذا في عالم كرة القدم بشأن استضافة حدثها الأبرز. ويرى المهندسون المعماريون الذين يقفون وراء هذا المشروع أن هذا التحول قد طال انتظاره لإنهاء حقبة الملاعب الضخمة التي تفقد قيمتها الوظيفية بمجرد إطلاق صافرة نهاية البطولة.
ونجح جيف كيز، قائد قطاع الفعاليات العالمية في شركة "بوبولوس"، وهي الشركة المعمارية العالمية الرائدة التي عملت على تصميم وتعديل خمسة من الملاعب الستة عشر لمونديال 2026، في صياغة هذه المعادلة بوضوح خلال قمة "وورلد فوتبول ساميت" (دبليو إف إس) في مدينة مكسيكو سيتي العام الماضي.
حيث قال: "يميل الجميع إلى التركيز على التكلفة الأولية. ولكن إذا تخيلت جبل الجليد، وقارنت بين الجزء الذي يطفو فوق سطح الماء والجزء القابع تحته، ستجد أن ما يظهر فوق السطح غالبا هو تكلفة رأس المال المباشرة، في حين يمثل الجزء المغمور تكلفة دورة حياة المنشأة على مدار السنوات الثلاثين إلى الخمسين القادمة، وهي تشمل الديون، والرواتب، والصيانة، والمرافق والخدمات".
إن هذا المنظور يبرز مفهوم التكلفة الكلية للملكية، حيث تلتهم بنود التشغيل المستمر، مثل فواتير الطاقة الضخمة، وصيانة هياكل الأسقف والمدرجات، وتحديث الأنظمة الأمنية، أضعاف ما تم إنفاقه في مرحلة التشييد الأساسية.
والحجة هنا واضحة ومباشرة، فالملعب الذي يُبنى وفقا لمواصفات كأس العالم من أجل بطولة تستمر لستة أسابيع فقط، سيقضي العقود المتبقية من عمره متحملا لتكاليف تشغيلية صممت لحدث ربما لن يستضيفه مرة أخرى أبدا.
وعلى سبيل المثال، سجل ملعب "ماراكانا" الشهير، الذي أعيد بناؤه لمونديال 2014 بتكلفة تجاوزت نصف مليار دولار، خسائر تشغيلية تقدر بالملايين سنويا بعد سنوات قليلة من انتهاء البطولة، ودخل في دوامة من الإهمال القانوني والتشغيلي أدت إلى تدهور أرضيته وانقطاع التيار الكهربائي عنه لفترات.
كما أصبحت البنية التحتية المهجورة التي خلفتها أولمبياد أثينا 2004، التي تحولت مقارها الرياضية إلى هياكل خرسانية متآكلة تلتهم ميزانية الدولة دون عوائد، واحدة من أكثر القصص التحذيرية استشهادا بها في أدبيات الحوكمة الرياضية والاقتصاد السياسي للفعاليات الكبرى.
أما الحل الذي يدافع عنه "كيز" فيكمن في استراتيجية يطلق عليها "الحجم المناسب".
ويوضح ذلك بقوله: "إذا كانت شروط كأس العالم تفرض عليك توفير 45 ألف مقعد، بينما لا تحتاج في مرحلة الإرث المستدام سوى 30 ألف مقعد فقط، فمن الأفضل أن تفكر في تصميم يتسع للعدد الأخير مع إمكانية زيادة السعة بشكل مؤقت. لأنك إذا أفرطت في البناء، فلن تجني سوى زيادة تكاليف دورة حياة هذا المنشأ".
وتعتمد هذه الفلسفة على استخدام الهندسة التركيبية التفكيكية، حيث يتم دمج مدرجات مسبقة الصنع وممرات وصول مؤقتة يمكن تفكيكها بالكامل وإعادة استخدامها في منشآت مجتمعية أو ملاعب أصغر حجما بعد الحدث، مما يضمن التوازن بين تلبية ذروة الطلب الجماهيري العابر والحفاظ على الكفاءة التشغيلية الدائمة.
وتعد بطولة كأس العالم 2026، التي تقام في ملاعب قائمة مع إضافات مؤقتة للسعة الاستيعابية، التطبيق الأكثر وضوحا وبروزا لهذا المبدأ في تاريخ البطولة، حيث يتم إثبات أن الهندسة الذكية قادرة على التكيف مع أضخم حدث رياضي على وجه الأرض دون الحاجة لصب متر مكعب واحد من الخرسانة الدائمة غير الضرورية.
ويعكس هذا التحول في عام 2026 اتجاها أوسع نطاقا تسارعت وتيرته بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي في الأوساط الرياضية الأولمبية والدولية. فقد استخدمت أولمبياد لندن 2012 بنية تحتية مؤقتة تعادل ما استُخدِم في الدورات الأولمبية الثلاث السابقة مجتمعة، حيث صمم الملعب الأولمبي هناك لتفكيك طابقه العلوي وخفض سعته.
وأقامت أولمبياد باريس 2024 منشأة دائمة واحدة جديدة فقط وهي مركز الألعاب المائية، في حين اعتمدت بالكامل على المعالم التاريخية والمواقع القائمة، ولن تبني أولمبياد لوس أنجلوس أي منشأة جديدة على الإطلاق.
وفي هذا الشأن، علق كيز في قمة مكسيكو قائلا: "في بعض الأحيان، يتجسد الإرث الحقيقي في ما لا تتركه وراءك من أعباء مادية أو ديون عامة تثقل كاهل دافعي الضرائب والبلديات المحلية".
وعقد زميله بارثو دوتا، الذي يقود قطاع تصميم ملاعب أمريكا اللاتينية في شركة "بوبولوس"، مقارنة صريحة مع التجربة القطرية ليبرز التباين الهيكلي الجغرافي والاقتصادي بين التجربتين.
وقال: "إذا تتبعت تاريخ كأس العالم من ألمانيا إلى جنوب إفريقيا، ثم البرازيل، وصولا إلى يومنا هذا، سترى كيف تطور توجه الفيفا ليصبح أكثر فأكثر استدامة.
وفي هذه النسخة من كأس العالم، لا توجد ملاعب جديدة تبنى، وانظر كم يختلف هذا تماما عن سياق قطر". حيث فرضت الجغرافيا الصغيرة لقطر بناء منشآت متقاربة جدا من نقطة الصفر بمواصفات تقنية فائقة، بينما تعتمد نسخة 2026 على القوة الاستيعابية الهائلة والجاهزية التجارية لقارة بأكملها ممثلة في الدول الثلاث، مما يمثل تحولا من نموذج بناء الإرث المادي الملموس إلى نموذج تحسين واستغلال الأصول القائمة.
وبالنسبة للاستثمار والأعمال في قطاع كرة القدم، فإن التداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد التخطيط للبطولات المجمعة قصيرة المدى، إذ إن المنطق ذاته الذي ينطبق على البنية التحتية لكأس العالم ينطبق أيضا على استراتيجيات الملاعب الخاصة بالأندية والدوريات المحلية التي تسعى وراء الاستدامة والربحية على المدى الطويل.
والملاعب التي تحقق العوائد الأكثر استدامة اليوم ليست بالضرورة الأكبر حجما أو الأحدث بناء أو الأعلى تكلفة، بل هي تلك الملاعب التي تمت معايرة سعتها الاستيعابية لتتوافق بدقة مع ما تدعمه السوق الفعلية وقدرتها الشرائية، والتي تولد المشاريع التطويرية والمرافق المحيطة بها (مثل المناطق التجارية، والمطاعم، وقاعات المؤتمرات، ومراكز الترفيه) عوائد مالية في الأيام الثلاثمائة من السنة التي لا تقام فيها أي مباريات. إنها فكرة تحويل الملعب من منشأة رياضية تفتح أبوابها كل أسبوعين إلى وجهة عقارية حيوية تعمل طوال 365 يوما.
ولم تبتكر نسخة كأس العالم 2026 هذا المبدأ الاقتصادي والهندسي، ولكن من خلال تطبيقه على النطاق الأكبر والأضخم في تاريخ كرة القدم عبر 104 مباريات وثلاث دول، جعلت من الصعب جدا المحاجة ضده أو تبني سواه مستقبلا، واضعة معيارا ذهبيا جديدا يجبر أي دولة أو مدينة تطمح لاستضافة فعاليات كبرى على إعادة التفكير في جدوى البناء والتصميم.