إبراهيم نجم مستشار مفتى الجمهورية لـ الشروق: التطرف انتقل إلى مرحلة أكثر خفاءً عبر الذكاء الاصطناعى والمنصات المغلقة
آخر تحديث: الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة
حوار - آلاء يوسف
- الخطاب الداعشى تحوّل إلى فيروس منخفض الشدة.. و«المفتى الرقمى» المزيف يشكل تحديًا
- يجب بناء خطاب دينى قادر على التمييز بين الثوابت الشرعية والصراعات السياسية
- مسئوليتنا كمؤسسات دينية رشيدة تقتضى تشريع مقاومة الاحتلال دون فتح الباب لخطاب انتقامى عدمى
- ضرورة الرصد الإفتائى للمحتوى الدينى الوارد مع اللاجئين والتعامل معه بحكمة
- ينبغى وجود تشريعية دولية تُلزم شركات التكنولوجيا بمسئولية واضحة عن المحتوى المشفَّر المتعلق بالتحريض على العنف
حذّر الدكتور إبراهيم نجم، المستشار العام لمفتى الجمهورية والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء فى العالم من انتقال التطرف إلى مرحلة أكثر خفاء عبر الذكاء الاصطناعى والمنصات الرقمية المغلقة، مؤكدا أن الخطاب الداعشى تحوّل إلى فيروس منخفض الشدة، فيما يلوح خطر (التطرف التوليدى) القادر على إنتاج دعاية مخصصة
لكل مستخدم.
وفى حواره مع «الشروق» أكد نجم، أن القتل والتدمير اليومى فى غزة، والخطاب اليمينى الإسرائيلى، والصمت الدولى، يمثل مادة خامًا لعقود مقبلة من الغضب، محذرا من أن تصوير اللاجئ كتهديد وجودى قد يزرع بذور تطرف مضاد داخل المجتمعات.
وإلى نص الحوار..
* كيف تغيّرت خريطة التطرف عالميا خلال السنوات الأخيرة؟
ــ ما نراه اليوم ليس تراجعا لظاهرة التطرف، بل إعادة تموضع كاملة لخريطتها؛ فالخطر لم يتراجع، بل صار أكثر خفاء وأشد تعقيدا؛ فمركز الثقل الجغرافى للإرهاب المسلّح انتقل من العراق وسوريا إلى الساحل الإفريقى، حتى أعلنت الأمم المتحدة مؤخرا أن الساحل وحده بات يستأثر بنحو نصف وفيات الإرهاب فى العالم، مع توسّع تنظيمات مثل (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و(داعش) فى غرب إفريقيا و(بوكو حرام)، وإغلاق آلاف المدارس والمرافق الصحية.
فى المقابل، برز فى الفضاء الغربى وجه آخر للتطرف يتمثل فى صعود التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية، حتى صارت جزءا من الحكومات والائتلافات فى دول أوروبية عدة، ودفعت أحزاب التيار الرئيسى إلى مجاراة خطابها المعادى للمهاجرين وللمسلمين.
* تفكك تنظيم داعش فى كثير من المناطق على المستوى العسكرى.. فهل تراجع خطره؟
ــ من الخطأ المنهجى أن نخلط بين تفكيك البنية العسكرية وتفكيك البنية الفكرية؛ فالتنظيم فقد (دولته الجغرافية) وخسر قياداته الميدانية فى أكثر من مسرح، لكنه احتفظ بأخطر ما يملك: منظومته العقدية المشوّهة، وقدرته على استقطاب الأفراد عبر الشاشات.
ما نرصده فى دار الإفتاء المصرية من خلال وحدات رصد الفتاوى الشاذة يؤكد أن الخطاب الداعشى تحوّل إلى (فيروس منخفض الشدة)؛ يبثّ نفسه فى مقاطع قصيرة على المنصات، ومنشورات مجهولة، و(فتاوى فردية) بأسماء مستعارة، ثم يجد من يتلقفها من الشباب المأزوم؛ فالتنظيم انكفأ عسكريا، لكنه توسّع دلاليا؛ لأن الفكرة حين لا تُواجَه بفكرة تبقى قابلة للانتشار حتى بعد سقوط حاملها.
* مع صعود الذكاء الاصطناعى، هل نحن أمام جيل جديد من الدعاية المتطرفة تستطيع فيه التنظيمات إنتاج محتوى مخصص لكل فئة وشريحة عمرية؟
ــ نعم، ونحن نتحدث هنا عن تحوّل نوعى لا كمّى؛ فتقارير الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2025 رصدت أن الجماعات المتطرفة – من اليمين المتطرف إلى التنظيمات الإسلاموية المسلحة – باتت تستخدم نماذج اللغة الكبيرة والفيديو المزيّف (Deepfake) فى إنتاج دعاية مخصصة، وصناعة هويات وهمية، وتوليد خطاب تحريضى بلغات ولهجات متعددة، وبتكلفة قريبة من الصفر.
ما يعنيه هذا عمليا أن التنظيم لم يعد يخاطب (الجمهور) ككتلة واحدة، بل يفصّل رسالته على مقاس كل مستخدم؛ هذه (الدعاية الحسابية) أخطر تهديد يواجه الوعى الجمعى منذ ظهور الفضائيات؛ لأنها لا تكتفى بالإقناع، بل تعيد تشكيل تصور الفرد لنفسه ولانتمائه.
* هل لديكم مؤشرات على انتقال التنظيمات المتطرفة من المنصات المفتوحة إلى تطبيقات مغلقة أو مساحات رقمية يصعب رصدها؟
ــ المؤشرات قاطعة فى هذا الاتجاه. ما نرصده من خلال (وحدة رصد الظواهر الرقمية) بالأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، وبالتنسيق مع شركاء دوليين، يؤكد هجرة واسعة للمحتوى المتطرف من فيسبوك وإكس ويوتيوب – حيث تشتدّ الرقابة – إلى تطبيقات المراسلة المشفّرة، وغرف الألعاب الإلكترونية، والمنتديات المغلقة، وحتى إلى تعليقات صوتية داخل ألعاب الأطفال.
وهذا التحول يستوجب مقاربة ثلاثية: تشريعية دولية تُلزم شركات التكنولوجيا بمسئولية واضحة عن المحتوى المشفَّر المتعلق بالتحريض على العنف، دون المساس بخصوصية المستخدم العادى، ومقاربة مؤسسية بإنشاء وحدات رصد متخصصة فى المؤسسات الدينية والأمنية، تعمل بأدوات ذكاء اصطناعى مضاد لكشف الأنماط المشبوهة، مع ضوابط أخلاقية صارمة، ومقاربة تربوية توجّه الأسرة والمدرسة لتحصين الأبناء من الداخل، فلا يجدون فى هذه المساحات المغلقة ما يُغريهم أصلا.
* ما الدول أو المناطق التى ترصدون فيها حاليا مؤشرات مقلقة لصعود خطاب التطرف؟
ــ نرصد فى هذا الملف ثلاث دوائر؛ الأولى الساحل والقرن الإفريقى: مالى، وبوركينا فاسو، والنيجر، وشمال نيجيريا، والصومال، امتدادا إلى شرق الكونغو الديمقراطية وموزمبيق؛ أما الدائرة الثانية فى أوروبا الغربية والوسطى بتقدم اليمين المتطرف بخطاب معادٍ للإسلام والمسلمين والمهاجرين، ودخوله الحكومات فى المجر وإيطاليا، ومشاركته فى ائتلافات فى فنلندا والسويد والنمسا وسلوفاكيا، وصار قوة مقررة فى فرنسا وألمانيا وهولند، والدائرة الثالثة فى الفضاء الرقمى العربى، من خلال رصد تصاعد خطاب الكراهية المذهبية.
والمؤشرات الأبرز التى نتابعها: تصاعد لغة التخوين والتكفير، عودة مصطلحات (دار الحرب) و(الردة السياسية) فى الفضاء الرقمى، وانتشار (فتاوى شخصية) بلا سند مؤسسي، وارتفاع محتوى (الذئاب المنفردة) الذى يستهدف المراهقين تحديدا.
* ما التحذير الذى يمكن أن توجهه الآن بشأن تطور قادم فى ظاهرة التطرف تعتقدون أن المؤسسات والمجتمعات لم تستعد له بعد؟
ــ تحذيرى المباشر يتعلق بـ«التطرف التوليدى» وهو جيل قادم من الدعاية لا يكتفى بإعادة إنتاج الخطاب المتطرف، بل يولّده بشكل ذاتى عبر الذكاء الاصطناعى، بمحتوى مخصص لكل مستخدم بناء على بياناته النفسية والسلوكية، وبدرجات تصعيد تدريجية يصعب على الفرد وعلى ذويه ملاحظتها.
والمؤسسات لم تستعد بعد لثلاثة تحديات مترابطة: (المفتى الرقمي) المزيف الذى يُنتَج بالذكاء الاصطناعى وينافس الفتوى المؤسسية الرشيدة، و(الرفيق العاطفى) الاصطناعى الذى يعيد تشكيل الوجدان بعيدا عن الأسرة، و(التطرف الصامت) الذى ينضج داخل المنازل دون أن يلحظه أحد.
* كيف تنعكس الاضطرابات المذهبية والقومية التى تشهدها المنطقة على حالة الاستقطاب الفكرى؟
الاستقطاب الفكرى فى منطقتنا اليوم يتغذّى من ثلاثة روافد متزامنة: مذهبى يعيد إنتاج صراعات القرن السابع؛ وقومى يستدعى عصبيات ما قبل الدولة الوطنية؛ ودينى ينزلق أحيانا نحو التوظيف السياسى الفج.
ما يُقلقنا فى دار الإفتاء أن هذه الروافد باتت تتقاطع، فتنتج (هويات فرعية) تحلّ محلّ الهوية الوطنية والحضارية الجامعة، فالشاب لم يعد يعرّف نفسه بانتمائه إلى وطنه أو الأمة، بل بانتمائه لطائفة أو قومية أو تيار عابر للحدود، ومن هنا تبدأ ثغرات الاختراق.
وتبدأ المعالجة بإعادة الاعتبار للمرجعيات الدينية الوسطية المؤسسية، وتحصين المجال العام من الفتاوى الفردية، وبناء خطاب دينى قادر على التمييز بين الثوابت الشرعية والصراعات السياسية، حتى لا تُختطف النصوص لخدمة أجندات لا علاقة لها بمقاصد الشريعة.
* يسيطر الخطاب الدينى على كثير من أحداث المنطقة، خصوصا فى ظل ممارسات الاحتلال الإسرائيلى وتصاعد خطاب اليمين فيه.. كيف يؤثر ذلك على احتمالية نشوء أجيال أكثر تطرفا؟
هذا هو السؤال الأخطر فى تقديرى؛ حين يشاهد جيل كامل من الأطفال والشباب فى العالم العربى والإسلامى مشاهد القتل والتدمير اليومية فى غزة والضفة، وخطابا يمينيا إسرائيليا يستدعى نصوصا دينية لتبرير الإبادة، وصمتا دوليا مطبقا، فإننا نضع أمامه مادة خام لعقود قادمة من الغضب.
خطر التطرف المضاد هنا حقيقى، وهو ما نُحذّر منه بصراحة؛ ولكن مسئوليتنا كمؤسسات دينية رشيدة تقتضى شيئا دقيقا: أن نُشرِّع مقاومة الظلم والاحتلال بضوابطها الشرعية، دون أن نفتح الباب لخطاب انتقامى عدمى يستهدف المدنيين أو يستدعى منطق الثأر الجماعى.
الفتوى الرشيدة اليوم تقول بوضوح: الاحتلال ظلم، ومقاومته حق مشروع بالضوابط الشرعية والقانونية الدولية، لكن العنف العشوائى ليس مقاومة، وقتل المدنيين ليس نصرة، وتحميل (اليهودية) كلها وزر ممارسات اليمين الصهيونى خطأ منهجى يقع فيه المتطرف كما يقع فيه خصمه، ومهمتنا أن نبقى هذا التمييز حاضرا فى وعى الأجيال الجديدة.
* كيف يمكن التعامل مع موجات اللجوء وامتزاج الجنسيات والخلفيات الفكرية المختلفة، بما يحافظ على هوية المجتمعات ويحد من مخاطر الاختراق الفكرى؟
ـ نستضيف اليوم ملايين من إخوتنا العرب والأفارقة، ونعتز بذلك ونعتبره جزءا من رسالتنا الحضارية؛ لكن الأمانة تقتضى أن نقرأ المشهد بواقعية؛ فالمخاطر تتلخص فى ثلاثة مستويات: فكرى يتعلق باستيراد خلافات مذهبية أو تنظيمية لم تكن جزءا من نسيجنا الوطنى؛ واجتماعى يتعلق بضغوط اقتصادية قد تُوظَّف لتجنيد الشباب فى شبكات عابرة للحدود؛ وأمنى يتعلق باحتمال تسلّل عناصر محسوبة على تنظيمات متطرفة ضمن موجات النزوح.
وسُبل التحصين – فى تقديرى – خمس: تعزيز مرجعية الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية بوصفهما مظلة دينية جامعة يستظل بها المقيم كما يستظل بها المواطن، ودمج تربوى مبكر للأطفال اللاجئين فى منظومة تعليمية وقيمية مصرية جامعة، لا تُلغى هويتهم الأصلية لكنها تُشركهم فى هوية جامعة، ورصد إفتائى متخصص للمحتوى الدينى الوارد مع اللاجئين، والتعامل معه بحكمة الوصل لا بعنف القطع، وشراكة مؤسسية أمنية ذكية، تفصل بين اللاجئ الآمن وبين من يُحاول توظيف صفة اللجوء لأغراض أخرى، وخطاب إعلامى مسئول لا يُعمّم ولا يخوّن، ولا يُصوّر اللاجئ كتهديد وجودى، فتلك بذرة تطرف مضاد داخل مجتمعنا نفسه.