ننام في العراء بلا مأوى ولا طعام.. مهاجرو سبتة يصارعون جحيم النهار وبرد الليل على الرمال
آخر تحديث: الإثنين 10 أغسطس 2026 - 10:58 م بتوقيت القاهرة
منار عبدالسلام
على امتداد شوارع سبتة الهادئة، قد لا تلمح العين للوهلة الأولى حجم الأزمة الإنسانية الشديدة التي تشهدها هذه البقعة المعزولة الواقعة على ساحل شمال إفريقيا، بعد تدفق غير عادي لأكثر من 72 ألف مهاجر الأسبوع الماضي. ولكن على بعد أقل من ميل واحد من المطاعم المزدحمة، وتحديداً عند شاطئ "إل ترامبولين" القريب، كان من المستحيل تجاهل المشاهد القاسية للأزمة.
وفي هذا التقرير، ننشر بعضاً من شهادات المهاجرين الذين يصارعون من أجل البقاء، وفقاً لما ذكرته صحيفة الجارديان البريطانية
-شهادات تحت حر الشمس وبرد البحر
ويقول عماد، صاحب الـ26 عاماً، وهو شاب يمني بين عدة آلاف يُعتقد أنهم لا يزالون في المدينة: "نحن ننام هنا على الشاطئ في العراء، بلا خيام ولا أغطية". ويضيف متألماً: "لا توجد لدينا دورات مياه. أبالغ إن قلت إنني أنام ساعتين فقط، فالطقس شديد البرودة ليلاً بجوار البحر، بينما يتحول الحر نهاراً إلى طاقة لا تطاق".
-هدوء حذر وقلق من موجة جديدة
وبعد مرور أسبوع، أعادت المتاجر والأسواق فتح أبوابها، واستأنف العديد من السكان البالغ عددهم 84 ألف نسمة روتينهم اليومي. إلا أن مشاهد الحياة الطبيعية تصادمت بشكل صارخ مع حالة القلق العميق، حيث صرح رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس: "سبتة تعيش على أعصابها.. الأمور لم تعد إلى نصابها بعد، الأمر يبدو كما لو أن 50 مليون شخص دخلوا إسبانيا في يوم واحد".
وبعد أسبوع من عبور عشرات الآلاف سباحةً أو مشياً استجابةً لدعوات على منصات التواصل، تضاربت الأرقام، إذ قدرت الحكومة الإسبانية عبور 72 ألف شخص وبقاء 2500، في حين رجح فيفاس وصول 80 ألفاً وبقاء نحو 5 آلاف. وتظل أعداد الوفيات غير مؤكدة وسط التقديرات بوصولها إلى 141 قتيلاً، مع استمرار مفقودين بالعشرات. وما يزيد التوتر ظهور منشورات جديدة تدعو لعبور آخر منتصف أغسطس، ليؤكد فيفاس أن الخوف والقلق ينتاب الجميع من تكرار الأمر.
وأثارت شهادات المهاجرين حول تلقيهم تشجيعاً من مسئولين مغاربة صدمة لدى السكان، حيث أضاف فيفاس أن حدودهم أثبتت هشاشتها وأن المغرب ليس دولة يمكن الاعتماد عليها.
وفي الوقت الذي تتصارع فيه الأطراف السياسية، يصارع المهاجرون للبقاء. يقول عماد الذي فر من اليمن عام 2019 هرباً من محاولات الحوثيين تجنيده: "في البداية كان الوضع كارثياً، كدنا نموت جوعاً وعطشاً، واستخدموا الجوع للضغط علينا لنقرر العودة، فأكلنا أوراق الشجر وشربنا مياه ملوثة". ورغم تحسن الأوضاع قليلاً بفضل المنظمات غير الحكومية كالصليب الأحمر، وإعلان الحكومة عن تركيب دورات مياه ومراحيض إضافية، يضيف عماد الذي سبح 8 ساعات للوصول: "ظننت أن وصولي من بلد يشهد حرباً سيسهل علي طلب اللجوء، لكننا وجدنا مركز الاستقبال مغلقاً بالكامل.. أنا محطم نفسياً وتراودني الكوابيس يومياً".
-البحث عن حلم ضائع
ويواجه نحو 1300 قاصر بلا معيل ظروفاً قاسية في سبتة، وسط مخاوف من وجود مئات آخرين بلا حماية في الشوارع. وتختصر شهادة فتاة، 16 عاماً، لصحيفة الجارديان البريطانية عمق هذه المأساة، إذ أُجبرت على النوم في الشارع بعد اكتظاظ مركز الاستقبال، وقالت: "مرت علي أيام بلا طعام، وكان الرجال يستولون على المساعدات أولاً. ورغم ذلك، أتمسك بالبقاء أملاً في العثور على عمل ينقذ أسرتي من الفقر، كل ما أريده هو أن أعيش كفتاة طبيعية، أدرس وأعمل."
وأمام هذا الوضع المؤلم، تحرك سكان حي "سيدي مبارك" لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وأوضح عبدالله مصطفى، رئيس جمعية الحي، أن قلقهم الأكبر يتركز على النساء والأطفال المختبئين في التلال، مما دفع الأهالي لإنشاء مأوى مؤقت ونصب خيام في فناء يخضع لحراسة ليلية، مؤكداً أن "ترك الأطفال بلا حماية كان خياراً أشد سوءاً".
وتكاملت هذه الجهود مع مبادرات أهلية أخرى، مثل منظمة "لونا بلانكا" التي وزعت آلاف الوجبات، كما واصل متطوعون محليون تقديم المساعدات الأساسية للمهاجرين للتخفيف من حدة المعاناة.