إيران من فيينا إلى مجلس الأمن.. لماذا فتح الغرب الجبهة النووية الآن؟

آخر تحديث: الخميس 10 سبتمبر 2026 - 12:14 م بتوقيت القاهرة

فيينا- خالد أبو بكر

• استعصاء مضيق هرمز على القوة العسكرية يدفع واشنطن وحلفاءها إلى استخدام "النووي" لمضاعفة الضغط على طهران

 

• الفيتو الروسي – الصيني يعرقل عقوبات جديدة.. وخيارات ايران تنحصر في السماح بعودة التفتيش أو التصعيد النووي أو الانسحاب من معاهدة الانتشار

 

بعد عشرين عاما من آخر إحالة للملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، أعاد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية طهران إلى نيويورك، لكن في ظروف تختلف جذريا عن تلك التي أحاطت بأزمة 2006. إيران اليوم في حرب دخلت شهرها السابع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والملاحة في مضيق هرمز لم تستعد طبيعتها، والمنشآت النووية الإيرانية تعرضت لضربات متكررة، فيما فقد مفتشو الوكالة القدرة على التحقق من مصير جزء بالغ الحساسية من البرنامج النووي.

وصوتت 23 دولة في مجلس المحافظين الأربعاء لمصلحة القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، مقابل معارضة روسيا والصين والنيجر، وامتناع ثماني دول عن التصويت. ويطلب القرار من المدير العام للوكالة رافائيل جروسي إحالة قضية عدم امتثال إيران لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول خطوة من نوعها بحق طهران منذ عام 2006.

الإحالة ترفع مستوى الأزمة سياسيا وقانونيا، لكنها لا تقود تلقائيا إلى عقوبات دولية جديدة. فروسيا والصين عضوان دائمان في مجلس الأمن وتملكان حق النقض، وقد أعلنتا موقفهما مبكرا بالتصويت ضد القرار في فيينا والانضمام إلى إيران في رفض الأساس القانوني للتحرك الغربي.

ومع ذلك، لم تتراجع الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية عن نقل القضية إلى نيويورك؛ فالملف الذي سيصل إلى مجلس الأمن لم يعد يتعلق فقط بخلافات قديمة حول مواقع غير معلنة أو آثار يورانيوم عثر عليها المفتشون. المشكلة الآن أكثر إلحاحا: الوكالة لا تستطيع أن تقول على وجه اليقين أين يوجد المخزون الإيراني الأكثر تخصيبا، وما الكمية التي بقيت منه، وما الذي جرى لأجهزة الطرد المركزي والمواد الموجودة في المنشآت التي تعرضت للقصف.

** سر اختفاء 440 كيلوجراما من اليورانيوم

قبل الضربات كانت التقديرات تشير إلى امتلاك إيران نحو 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60%. أما الوضع الحالي لهذا المخزون فهو تحديدا ما لا تستطيع الوكالة التحقق منه. والوصول من مستوى 60% إلى نسبة 90% المستخدمة في إنتاج مادة صالحة للسلاح النووي يحتاج إلى خطوة تخصيب أقصر كثيرا من المراحل السابقة. جروسي يصف المشكلة بمصطلح فني له دلالة سياسية خطيرة: الوكالة فقدت "استمرارية المعرفة". أي أنها لم تعد تملك سلسلة متصلة من المعلومات تسمح لها بتأكيد وضع المواد النووية وكمياتها ومواقعها.

منذ اندلاع الحرب الحالية في 28 فبراير 2026، لم يتمكن مفتشو الوكالة من زيارة أي منشأة نووية إيرانية باستثناء محطة بوشهر. كما لم يعودوا إلى المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو 2025. ومع امتداد فترة الغياب، تصبح مهمة إعادة بناء صورة دقيقة للبرنامج أكثر صعوبة، خصوصا بعد سنوات من القيود التي طالت مراقبة إنتاج أجهزة الطرد المركزي وتحريكها وتركيبها.

طهران لديها رواية مختلفة لما حدث. فهي تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل قصفتا منشآت نووية خاضعة لضمانات الوكالة وعطلتا عمليات التحقق، ثم استخدمتا غياب التفتيش دليلا ضد إيران. وكتب نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي أن الدول التي هاجمت المنشآت الإيرانية تستخدم ذلك التعطيل نفسه ذريعة لاستصدار قرار من مجلس المحافظين.

وتقول إيران أيضا إنها لم توقف التزاماتها بموجب اتفاق الضمانات، وإن الحرب والتهديد المستمر بشن ضربات جديدة جعلا تنفيذ عمليات التفتيش بصورة طبيعية متعذرا. وتطالب بضمانات أمنية قبل استئناف التعاون الكامل. لكن هذه الحجة لا تحل المشكلة التي تواجهها الوكالة. فمهمتها الأساسية هي التحقق من أن المواد النووية المعلنة لم تحول إلى أغراض عسكرية، وهي لا تستطيع حاليا تقديم هذا التأكيد.

** هرمز يضاعف الضغط

يصعب قراءة توقيت القرار بعيدا عن الحرب الدائرة في الخليج، حتى إذا كان مسار الإحالة قد بدأ قبل اندلاعها؛ فالتحرك الغربي كان مطروحا منذ قرار مجلس المحافظين في يونيو 2025 الذي اعتبر إيران غير ممتثلة لالتزاماتها، ولذلك سيكون من المبالغة القول إن أزمة هرمز هي التي دفعت الغرب إلى الإحالة. لكن الحرب منحت الخطوة وزنا مختلفا.

بعد أكثر من ستة أشهر من القتال، لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية إعادة الملاحة عبر هرمز إلى وضعها السابق. المضيق الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية أصبح أحد أهم أسلحة الضغط الإيرانية، وتنعكس كل مواجهة حوله مباشرة على حركة الناقلات وأسعار الطاقة.

هذا يجعل الجبهة النووية مفيدة لواشنطن وحلفائها في لحظة لم يتحقق فيها حسم في البحر؛ فبدلا من بقاء المواجهة محصورة في الضربات والناقلات والممرات البحرية، يعود الملف الإيراني إلى المؤسسة الدولية المسؤولة عن السلم والأمن.

ولا يحتاج هذا المسار بالضرورة إلى صدور عقوبات جديدة كي يحقق بعض أهدافه، فمجرد بقاء الملف أمام مجلس الأمن يضع مسألة التفتيش ومصير اليورانيوم في صدارة أي تسوية لاحقة، ويجبر روسيا والصين أيضا على التعامل مع أزمة لم تعد فنية بين طهران والوكالة.

** الفيتو الروسي – الصيني

موسكو لا تترك مجالا كبيرا للغموض في موقفها. فقد صوتت ضد قرار الإحالة، ووقعت مع الصين وإيران بيانا اعتبر التحرك الغربي بلا أساس قانوني، واتهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتجاهل الهجمات التي تعرضت لها المنشآت الإيرانية الخاضعة للضمانات.

وتقول الدول الثلاث إن تلك الهجمات خلقت وضعا غير مسبوق وجعلت التطبيق الطبيعي للضمانات متعذرا، وإن الحل ينبغي أن يبدأ بوقف العمليات العسكرية والعودة إلى الحوار؛ لذلك سيكون تمرير عقوبات جديدة في مجلس الأمن بالغ الصعوبة في مواجهة اعتراض روسي، وربما صيني.

لكن حسابات بكين لا تتطابق تماما مع حسابات موسكو. الصين شريك مهم لإيران، وعارضت القرار الغربي، وفي الوقت نفسه ترتبط بمصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة مع دول الخليج وتعتمد على استقرار طرق إمدادات الطاقة. استمرار اضطراب هرمز وارتفاع أسعار النفط لا يصبان في مصلحتها. لهذا يستطيع الموقف الصيني أن يوفر لطهران حماية مهمة في مجلس الأمن، لكنه لا يعني بالضرورة تأييد كل ما قد تفعله إيران في الملف النووي أو في المضيق.

في أروقة الوكالة في فيينا، أصبح السؤال بعد التصويت أقل ارتباطا بوصول الملف إلى نيويورك، فقد حسم المجلس ذلك، وأكثر ارتباطا بما يمكن أن تفعله نيويورك به. تجربة 2006 انتهت بسلسلة قرارات وعقوبات دولية قاسية، أما في 2026 فميزان القوى داخل مجلس الأمن مختلف، والعلاقة بين موسكو وواشنطن أشد توترا، والصين أكثر حضورا في الخليج.

** ما هى خيارات طهران؟

إيران ليست مضطرة إلى إعلان ردها الأكبر فورا. وربما يكون من مصلحتها إبقاء خياراتها مفتوحة بينما يتضح ما إذا كانت واشنطن ستسعى فعلا إلى قرار عقابي في مجلس الأمن أم ستستخدم الإحالة لزيادة الضغط قبل مفاوضات محتملة. أقل الخيارات كلفة هو السماح بعودة تدريجية للمفتشين، وربط الوصول إلى المنشآت بتسوية أوسع للحرب والعقوبات. وقد يمنح ذلك طهران فرصة للاحتفاظ بجزء من أوراقها النووية مقابل وقف التصعيد.

أما إذا اختارت الرد على قرار فيينا بتشديد القيود أو رفع مستوى النشاط النووي، فستزداد صعوبة التحقق من طبيعة برنامجها. وقد يكون لهذا الخيار ثمن أكبر هذه المرة، لأن المنشآت الإيرانية تقع بالفعل وسط حرب مفتوحة، وأي نشاط غامض في مواقع تحت الأرض يمكن أن يصبح سببا لضربات أمريكية أو إسرائيلية جديدة.

ويبقى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الورقة الأشد خطورة. فالمادة العاشرة من المعاهدة تتيح للدولة العضو الانسحاب وفق شروط وإجراءات محددة إذا رأت أن أحداثا استثنائية مست مصالحها العليا. لكن استخدام طهران لهذه الورقة، في ظل غياب المفتشين والغموض المحيط بمخزون اليورانيوم، سيغير طبيعة الأزمة كلها وقد ينظر إليه باعتباره اقترابا خطيرا من العتبة النووية.

الأرجح في المدى القريب أن تحاول إيران تجنب هذا الاختيار الحاد. لديها روسيا والصين في مجلس الأمن، ولديها هرمز، ولا يزال البرنامج النووي نفسه ورقة تفاوض ثقيلة. لكنها في الوقت ذاته تواجه حربا طويلة وضغوطا اقتصادية وعسكرية يصعب تحملها إلى أجل غير محدد.

وهذا ما يجعل إحالة الملف مختلفة عن إحالة 2006. يومها كانت الأزمة تدور حول برنامج نووي يتقدم تحت العقوبات والتهديد بها. اليوم يوجد فوق ذلك كله حرب فعلية، ومضيق مضطرب، ومنشآت قصفت، ومخزون من اليورانيوم لا يستطيع المفتشون التحقق من وضعه.

في نهاية المطاف يستطيع المراقب أن يقول إن استعصاء هرمز على الحسم العسكري يمنح الجبهة النووية أهمية إضافية للولايات المتحدة وحلفائها، من دون أن يضمن لهم الحسم في مجلس الأمن. وبين فيتو روسي – صيني محتمل وغموض متزايد حول البرنامج الإيراني، تتراكم أوراق الضغط لدى الطرفين فيما تضيق المساحة المتاحة أمام تسوية توقف حربا دخلت شهرها السابع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved