تراجيديا الصعود والسقوط في عالم بلا يقين.. حسين محمود يكتب عن «رحلة سمعان الخليوي» لأحمد جمال الدين موسى

آخر تحديث: الأربعاء 11 فبراير 2026 - 11:30 م بتوقيت القاهرة

يواصل أحمد جمال الدين موسى، الأديب والسياسي والوزير السابق للتعليم والتعليم العالي، إنتاجه الروائي وأصدر عمله الجديد "رحلة إسماعيل الخليوي" (دار الشروق – 2205)، وهي عمل روائي عميق يُقدّم تشريحًا اجتماعيًا ونفسيًا لشخصية مصرية معاصرة، تنجذب بين أحلامها وواقعها، بين أصولها وطموحاتها، بين الاستقامة والفساد. وهي تنتمي للواقعية النقدية التي تلتزم بتصوير التحولات الكبرى في المجتمع المصري في النصف الثاني من القرن العشرين، لم تكتف بفضح فساد النظام العقاري المصري، بل وتكشف أيضا شبكات الفساد المنظم التي تفسد حركة المجتمع وسعيه نحو التقدم.

يتتبع أحمد جمال الدين موسى في هذه الرواية (رحلة سمعان الخليوي) مسيرة البطل الذي يحمل الاسم نفسه، من شاب ريفي فقير في قرية بالشرقية إلى واحد من أبرز سماسرة العقارات في مصر. تبدأ قصته برفضه العمل الزراعي وحلمه بأن يصبح مهندسًا معماريًا، لكن الظروف تدفعه للتطوع في الجيش، ثم العمل في حراسة السفارة المصرية في فيينا، حيث يكتشف عالمًا جديدًا ويتأثر بالحياة الأوروبية. بعد عودته إلى مصر، يقرر ترك الجيش ويدخل مجال الوساطة العقارية في حي المعادي، حيث يحقق نجاحًا سريعًا بفضل مهاراته الاجتماعية وعلاقاته. تتطور شخصيته من شاب خجول إلى رجل أعمال طموح، لكنه يواجه تحديات أخلاقية واجتماعية وقانونية، خاصة عندما يتورط في علاقات مع شخصيات نافذة فاسدة.

هذه التيمة نجد صدى لها في رواية أخرى للمؤلف نفسه هي "ملك التنشين" وكان بطلها ممن قتلهم طموحهم للصعود إلى طبقات أعلى في المجتمع، وتورط أيضا مع شخصيات نافذة فاسدة، واختار في نهاية الأمر الانتحار، أي موت البطل عندما يتناقض حلمه مع واقعه وانتماؤه مع طموحه، وهي ذات النهاية المأساوية لسمعان الخليوي، وإن اختلفت شكل الموت.

السمات التراجيدية في شخصية سمعان تتجلى في تناقضاته الداخلية وتطور مصيره. فهناك حلم الطفولة الذي تخلى عنه تحت ضغط الظروف، ثم عاد ليطارده في ذروة نجاحه المادي. هذا الحنين للماضي يتعارض مع واقعه الحالي. كما أن النجاح المادي الذي حققه لم يجلب له السلام الداخلي، بل زاد من عزلته وشعوره بالفراغ. العلاقات التي بناها تبدو هشة، والثقة التي يتمتع بها في المجال المهني تتعارض مع شكوكه الذاتية.

أيضاً، الارتباط بعلاقات غير صحية مع شخصيات فاسدة مثل اللواء الجبري يظهر كيف يمكن للطموح أن يقود إلى الفخاخ الأخلاقية. هذا الصراع بين البراجماتية والمبادئ يمثل جوهر المأساة. وفي النهاية، يبدو أن سمعان أصبح أسيراً لشخصيته الجديدة، منفصلاً عن أصوله لكن غير منتمٍ تماماً لعالمه الجديد. هذا التمزق بين هويتين هو ما يعمق البعد التراجيدي لمصيره.

ومن بين السمات المميزة للمؤلف أحمد جمال الدين موسى نزعته الإصلاحية، والتي تهتم في المقام الأول بالأخلاق، وشخصيات أبطاله غالبا ما تمثل تناقضًا أخلاقيًا: فهي من ناحية تحاول الحفاظ على صورة الشريف الريفي، ومن ناحية أخرى تتعامل مع شبكات الفساد وترتكب جرائم مالية شنيعة. كذلك لا تخلو كتاباته من تأثره بمجاله العلمي في المالية العامة وآراؤه في القضايا القومية التي يستفيد فيها من عمله وخبرته، وإن جاءت في بعض الأحيان صريحة ولا مواربة، وهي لا شك شجاعة في تضفير الموقف الإصلاحي بالعمل الأدبي بما لا يجرح التميز الأسلوبي للكتاب، إلا نادرا.

ويرتبط بهذا أيضا بحثه العميق في علاقات السلطة والثروة، والتي تحيل العلاقات الإنسانية في نسيج الرواية إلى توتر دائم، وأحاسيس داخلية تعكر صفو حياة الشخصيات، مثل سمعان الخليوي الذي يشعر بغربة عميقة، فقد انفصل عن مجتمعه الريفي، ومجتمعه الريفي انفصل عنه، حتى أنه يفاجأ بأن ما خصصه من أموال لشراء أراض زراعية عهد بها إلى مجموعة من أقاربه حتى يصلح من أحوالهم الاقتصادية، ومن ثم الاجتماعية أيضا، بأنهم أنفقوها فيما لا طائل ولا فائدة من وراءه. ظل مطمئنا إلى ظهيره الريفي، ثم عندما بدأ يحاول إعادة تدوير الثروة التي خصصها لإصلاح حال ذويه في الريف كانت هذه الأموال قد تبخرت.

الغربة التي كانت أيضا وراء مصيره التراجيدي، فعلاقته بزوجته الأولى زينب تخلو من الشغف، وإن لم تخلو من المودة والرحمة باعتبارها العنصران التقليديان في معظم الزيجات التي تنتمي إلى هذه الفئة من المجتمع التي تنسج واقعها من عادات وتقاليد متوارثة. ومن ينظر إلى علاقات سمعان الخليوي النسائية يلاحظ أنه في جميع الأحوال لديه حسابات لا تنتمي إلى العاطفة ولا إلى الاحتياج النفسي، وإنما حسابات الصعود في السلم الاجتماعي، فعلاقته بيوليانا انتهت بخيبة أمل، قام زواجه الثاني على المصلحة والمظهر وليس على الحب الحقيقي، وكان على استعداد لأن يتخلى عن هذا المشروع لو لم يحقق له أهدافه الوصولية.

علاقات السلطة والثروة أيضا تخلف عنها عند البطل نوع من الاستلاب والهوية الممزقة، ففقد سمعان هويته الأصلية دون أن يندمج تمامًا في العالم الجديد، ولم يعد ذلك الفلاح البسيط، لكنه لم يصبح أرستقراطيًا أو مثقفًا مثل حامد، ورغم أنه تقمص أدوارًا جديدة لكنه يشعر بأنها أقنعة يلبسها، أو يتلبسها بفعل فاعل، مثل دور السمسار الناجح الذي لا ينجح في الحفاظ على نجاحه لنوع من الجشع يعتريه نتيجة ارتباطه بأشخاص ذوي نفوذ وسطوة وسلطة، أو التاجر الذي تغريه المكاسب فيبالغ في إكثارها، غير عابئ بالمخاطر التي قد يراها غيره من أصدقائه الأكثر وعيا وعلما. أو الباحث عن السعادة ولكن في غير مواطنها فلا يجد سوى قبض الريح.

باختصار كانت كل خطوة يخطوها نحو الثراء والمكانة تزيده شقاء، فدخل في قضايا تهدد وجوده العملي، وانفصل عاطفيا عن ابنه وابنته، وزاده زواجه الثاني توترا وقلقا، ووضع نفسه داخل شبكة لم تفده بقدر ما هددت أعماله بالانهيار، بل وهددت بقاءه نفسه.

السمة الأخرى في أدب أحمد جمال الدين موسى هي الحكم بالموت على أبطاله، وهو موت درامي، أو لنقل موت مأساوي، وهو حكم تطهري على نحو ما جاء في التراجيديا اليونانية وأشار إليه أرسطو في تنظيره الهام لفن الشعر، فقد تحدث عن "الهامارتيا" وهي الخطأ التراجيدي الذي يورد البطل النبيل موارد التهلكة، ولكن تعقيدات العصور الحديثة جعلت الهامارتيا ليست ببساطة الخطأ التراجيدي؛ حيث لم تعد مجرد أخطاء أخلاقية أو عيوب شخصية، بل تداخلت مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ما جعل سقوط البطل مرتبطًا بالتحولات في بنية المجتمع نفسه، وليس بقراراته الفردية فقط. وتتمثل هذه الهامارتيا الحديثة عند سمعان الخليوي في الجشع المفرط، والرغبة في الصعود الدائم الذي لا يتوقف عند حدود مناسبة لإمكانيات الشخصية، ثم الغرور الذي يجعله يملي شروطه على كل من حوله، والتهور في قراراته.

يدرك سمعان متأخرًا ثمن صعوده: يرى كيف تهاوت استقامته الأخلاقية. يشعر بالذنب تجاه زوجته الأولى وأمه. يدرك أنه قد يكون خسر روحه في سبيل الثروة ورغم أن سمعان يتخذ خياراته بحرية، إلا أنها تؤدي به دائمًا إلى مآزق أخلاقية أو شخصية، وكأنه مسير بمصير تراجيدي: سمعان هو بطل تراجيدي حديث لا يموت جسديا فقط، لكنه يموت أخلاقيًا ونفسيًا. نجاحه الظاهري هو قفص ذهبي يحبسه داخل شخصية لم يخطط لها. روايته هي رحلة صعود خارجي وهبوط داخلي. وقد نجح المؤلف أن يحول رحلته بين الصعود المادي والهبوط الروحي إلى نموذج للمنطقة الرمادية التي يهوى البحث فيها، والتي يفقد فيها إنسان هذا العصر بوصلته الأخلاقية، وتجعله يربح العالم كله ويخسر نفسه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved