جيمس جراى يفتح النار على الذكاء الاصطناعى: عديم الفائدة.. والسينما ليست طعاما طازجا يفسد غدا

آخر تحديث: الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 6:48 م بتوقيت القاهرة

خالد محمود

- الشباب يبحثون عن السينما الصادقة.. والمخرج الأمريكى: أشعر أننى مدين للعالم بفيلم أو فيلمين عظيمين
- الحياة الفنية لا تنتهى عندما يحصل المخرج على جائزة عن مجمل أعماله.. بل تبدأ فى تلك اللحظة مرحلة أكثر تحررًا من هاجس إثبات الذات
- عدم تحقيق نجاح ضخم ومبكر منحنى فرصة لبناء مسيرة تتراكم قيمتها مع الوقت بعيدًا عن ضغوط النجاح التجارى السريع
- ذروة عطائى هى الآن.. وأفضل أفلامى لم تأتِ بعد


بعد أكثر من ثلاثة عقود فى عالم السينما، لا يبدو المخرج الأمريكى جيمس جراى مستعدًا لمطاردة الموضات أو الاستسلام لفكرة «الجديد» لمجرد أنه جديد. فصاحب الأفلام مميزة مثل «أد أسترا»، و«نحن نملك الليل»، و«عاشقان»، و«المدينة المفقودة Z»، و«المهاجر»، يرى أن السينما الحقيقية لا تُقاس بمدى حداثتها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الإنسان، والتعبير عن المشاعر والأفكار المعقدة بصدق وجمال.

وفى مهرجان لوكارنو السينمائى؛ حيث يُكرم جراى ويتسلم جائزة «باردو ألا كاريرا» تقديرًا لمسيرته وإنجازه السينمائى، تحدث المخرج الأمريكى عن الفن والنجاح والذكاء الاصطناعى والأصالة والممثلين، مؤكدًا أن أفضل ما لديه ربما لم يأتِ بعد.

يقول جراى إن فكرة السعى الدائم إلى تقديم شىء «جديد» أصبحت بالنسبة إليه بلا معنى: «كلما تقدمت فى العمر، أدركت أن هذا السعى ضرب من العبث، تشكلت ذائقتى فى أواخر السبعينيات، وتأثرت بأفلام صنعت قبل ذلك. الأمر ليس محاولة واعية للتعبير عن رأى، وإنما امتداد لشخصيتى.. وأعتقد أنه من المهم أن نتقبل ذواتنا، خصوصا مع تقدمنا فى العمر».

ويستشهد جراى بعمالقة الفن ليؤكد أن الإبداع لم يكن يومًا قطيعة مع الماضى، فبيكاسو استلهم الفن الإفريقى، وستانلى كوبريك استفاد بسخاء من السينما الصامتة. ومن هنا يرى أن الإصرار على ابتكار شىء «جديد» فى كل مرة يرتبط بدرجة كبيرة بمنطق السوق وحقوق الملكية، أكثر مما يرتبط بجوهر الفن.

ويقول: «العاطفة والجمال والسمو هى الأشياء التى يجب أن نتذكرها.. أحب أن أقول إن ما هو طازج فى ثلاجتك اليوم يفسد غدا، لكن السينما ليست كذلك.. فهى تعيش طويلا».

(بين الفن والجمهور)

منذ فيلمه الأول «ليتل أوديسا»، اختار جراى أن يقف فى منطقة يصعب تصنيفها، فهو لا ينتمى تمامًا إلى سينما الاستوديوهات الضخمة، ولا إلى الأفلام الفنية الصغيرة التى تجد طريقها أساسا إلى المهرجانات.

ويعترف بأن هذا الموقع الوسطى سبب له بعض القلق، لكنه فى الوقت نفسه كان مصدر قوة. ويقول: «إذا كان النجاح التجارى هو معيارك الوحيد، فعليك التخلص من المخاطرة. والمخاطرة هى التفرد والخروج عن المألوف، وكل ما نقدره فى السينما».

ويضيف أن الجمع بين الجانبين هو ما يمنح السينما قوتها الحقيقية: «لطالما رأيت أن الجمع بين الفن والجمهور أمر رائع، أن تطرح معضلات أخلاقية معقدة للشخصيات والمواقف داخل سياق سردى.. إذا كنت تصنع عملًا فنيًا غامضًا أو عملًا تجاريًا بحتًا، فما الذى تتمرد عليه حقا؟».

ويرى جراى أن هذا التوازن كان حاضرًا لدى مخرجين كبار مثل فيديريكو فيلينى وأكيرا كوروساوا، وأن السينما فقدت شيئًا مهمًا عندما حدث الانقسام بين «الفن الراقى» و«الترفيه الجماهيرى».

(هوية المخرج.. قائد أوركسترا)

ربما تبدو أكثر تصريحات جراى حدة تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعى، إذ يرى أنه لا يستطيع الوصول إلى جوهر العملية الإبداعية أو امتلاك البصمة الخاصة للمخرج. ويقول: «هناك العديد من المشاكل فى نظرية المؤلف، لكن من الرائع أن تتمكن من تمييز فيلم لجون فورد أو ألفريد هيتشكوك بمجرد النظر إلى موضع الكاميرا وإيقاع المشهد. لهذا السبب، الذكاء الاصطناعى عديم الفائدة.. لن يتمكن من فعل ذلك أبدا».

وبالنسبة إلى جراى، فإن هوية المخرج لا تظهر من خلال محاولة استعراض الذات، وإنما تتسلل بصورة طبيعية إلى الفيلم. ويشبه الأمر بقائد أوركسترا مثل كارلوس كليبر، الذى يمكن التعرف إلى بصمته حتى مع اختلاف الفرق الموسيقية التى يقودها.

ويقول: «لا أذهب إلى موقع التصوير وأقول: سأظهر للعالم أننى أنا من صنع هذا المشهد.. هذا جنون. لكننى أعتقد أنه من الجيد أن أرى بصمة المخرج وأن أتعرف إليه من خلال مشهد واحد فقط».

(الممثل.. حرية قبل أن يكون أداءً)

ربما يفسر هذا النهج علاقته المميزة بالممثلين، من خواكين فينيكس الذى تعاون معه عدة مرات، إلى براد بيت فى «أد أسترا»، وصولًا إلى آدم درايفر وسكارليت جوهانسون فى «النمر الورقى».

ويؤكد جراى أن إخراج الممثلين لا يعنى إخضاعهم لتعليمات تفصيلية حول كيفية أداء الحوار، وإنما منحهم مساحة من الحرية.

ويقول: «إخراج الممثلين لا يعنى إخبارهم بكيفية أداء الحوار، بل منحهم مساحة ليكونوا على طبيعتهم، فنانين، وليشعروا بالحرية فى اللحظة، وأن يصغوا ويتفاعلوا ويندمجوا فى المشهد. أفعل ذلك مع الممثلين، وأنا محظوظ جدًا لأنهم جميعا يتواصلون فيما بينهم».

ويكشف أنه لم يكن يعرف أن سكارليت جوهانسون من المعجبين بأفلامه، لكنه علم أنها سألت عنه لتتعرف إلى أسلوبه فى العمل مع الممثلين، قبل أن يكتشف أن «الخبر انتشر بأننى أتركهم وشأنهم».

(المفاجأة: جراى متفائل)

على الرغم من قلق صناعة السينما من صعود الذكاء الاصطناعى، وتغير عادات المشاهدة، والأزمة التى تعانيها دور العرض، يقول جراى إنه أصبح أكثر تفاؤلًا مما كان عليه قبل سنوات. ويقول: «قد أقول شيئا يصدمكم. .لدى قدر كبير من التفاؤل، لم يكن لدى حتى قبل خمس سنوات».

ويرى أن انتشار الذكاء الاصطناعى خلق، paradoxically، وعيا أكبر لدى الجمهور بقيمة الأصالة: «هذا الجانب الكابوسى من الذكاء الاصطناعى صقل مفهوم الناس عن معنى الأصالة. لدى الشباب اليوم شغف حقيقى بالمحتوى الصادق والمثير للاهتمام، الذى لا يبدو مصطنعا لتحقيق أرباح طائلة.. أعتقد أن لحظة الحساب قد حانت». ويستدل على ذلك بما يراه لدى ابنه، الذى يذهب إلى دور العرض لمشاهدة أفلام قديمة ويجدها كاملة العدد.

ويقول: «أرى ابنى يذهب إلى دور العرض لمشاهدة فيلم «إل سورباسو»، وهو فيلم إيطالى من عام 1962، ويجدها كاملة العدد. هذا أمر جديد. عندما كنت صغيرًا، كانت دور العرض خالية. لم يكن يجلس فى الصف الأمامى سوى أنا وثلاثة أشخاص بلا مأوى. هناك ثقافة سينمائية مزدهرة حقًا فى الوقت الراهن».

(ذروة عطائه لم تأتِ بعد)

رغم تكريمه فى لوكارنو بجائزة عن مجمل مسيرته، يرفض جراى النظر إلى الجائزة باعتبارها إعلانا عن نهاية الطريق.

يقول بحسم: «هذا هو بيت القصيد: لست كبيرًا فى السن. وأنا ممتن جدا، لكننى أشعر أن أفضل أعمالى لم تأتِ بعد. عندما كان هيتشكوك فى سنى، لم يكن قد أخرج بعد أفلاما مثل «فيرتيجو» أو «سايكو» أو «الطيور».. ذروة عطائى هى الآن».

ويعتقد جراى أن عدم تحقيق نجاح ضخم ومبكر ربما كان فى صالحه، لأنه منحه فرصة لبناء مسيرة تتراكم قيمتها مع الوقت، بعيدًا عن ضغوط النجاح التجارى السريع.

ويقول: «بصراحة تامة، أعتقد أن عدم تحقيق نجاح فورى وكبير كان مفيدًا جدًا لى كشخص مبدع. لو حدث ذلك، لربما كنت عالقا فى روتين ممل.. بدلا من ذلك، حظيت بمسيرة مهنية تراكمت قيمتها تدريجيا، كما آمل».

ولا يريد جراى أن يعيش أسيرا لنجاحاته السابقة، بل ينظر دائما إلى الفيلم المقبل باعتباره اختبارا جديدا. ويستشهد بالمخرج بيتر بوجدانوفيتش، الذى قدم أفلاما بارزة مثل «آخر عرض سينمائى» و«ما الأمر يا دكتور؟» و«القمر الورقى»، قبل أن يتراجع مستواه، مشيرا إلى أن بوجدانوفيتش نفسه قال إن «النجاح كان أصعب من الفشل».

ومع ذلك، يحتفظ جراى بعلاقة خاصة مع «النمر الورقى»، الفيلم الذى عُرض فى مهرجان كان، وتدور أحداثه حول شقيقين يتورطان فى مؤامرة تهدد عائلتهما.

ويعترف: «أراد ابنى مشاهدة أحد أفلامى معي، وكانت فكرة ذلك مروعة للغاية. مشاهدة عمل أخرجته قبل عشرين عامًا أمر مرعب. لكننى أحب «النمر الورقى» كثيرًا. أشعر بارتباط وثيق به، وأنا فخور به حقًا».

وفى النهاية، لا يرى جراى أن جائزة الإنجاز التى يحصل عليها فى لوكارنو تعنى أن رحلته وصلت إلى محطتها الأخيرة، بل ربما تكون تذكيرًا بما لم ينجزه بعد.

ويقول: «بالطبع، لدى عيوب كثيرة، لكن عدم الرغبة فى الاستمرار ليس من بينها.. لم أنتهِ بعد. بصراحة، أشعر أننى مدين للعالم بفيلم أو فيلمين عظيمين حقا.. لا أعتقد أننى وصلت إلى ذلك المستوى بعد».

وهكذا، يبدو تكريم لوكارنو لجيمس جراى أقل شبهًا بـ«جائزة نهاية المسيرة»، وأكثر قربا من اعتراف مبكر بمخرج لا يزال يرى أن أجمل أفلامه ربما لم تُصنع بعد، مخرج يرفض أن تصبح الجائزة خاتمة، ويتمسك بأن السينما الحقيقية لا تبحث عن «الجديد» بقدر ما تبحث عن الصدق، والجمال، والبصمة الإنسانية التى لا يستطيع الذكاء الاصطناعى تقليدها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved