الإجراءات التنظيمية في كوريا الجنوبية تقوض أفضل علاقاتها التجارية والتكنولوجية
آخر تحديث: الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 9:51 ص بتوقيت القاهرة
واشنطن - (د ب أ)
أعرب الباحث والخبير نايجل كوري عن اعتقاده بأن العلاقة التكنولوجية بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة عبارة عن قضية تشمل اتجاهين متباينين، و"قد اصطدم الاتجاهان ببعضهما البعض خلال الأسبوع الماضي".
ويقول كوري، وهو مدير شؤون التجارة والتكنولوجيا لدى مؤسسة "كرويل جلوبال أدفايزورز" العالمية للاستشارات الاستراتيجية، في تحليل نشرته مجلة "ناشونال انتريست" الأمريكية، "من ناحية، صارت الشراكة والاعتماد المتبادل بين البلدين أعمق من أي وقت مضى... إذ تضخ الشركات الأمريكية والكورية الجنوبية رؤوس الأموال والخبرات في أسواق كل من البلدين، بما يعزز سلاسل إمداد التكنولوجيا التي تقود الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي في البلدين".
ومن ناحية أخرى، يهدد الاحتكاك التجاري المتزايد بشأن القضايا الرقمية الثقة الضرورية لازدهار العلاقات الثنائية.
ورغم تأكيدات الحكومة الكورية أن سياساتها وإجراءاتها التنفيذية لا تُميِّز ضد أي طرف، "تشير أدلة متنامية إلى استمرار الحواجز الحمائية، فضلا عن سجل تنظيمي وتنفيذي تقع تبعاته الأكبر على شركات التكنولوجيا الأمريكية".
ويرى كوري، وهو أيضا زميل غير مقيم في المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، أنه يتعين على سول الآن أن تحدد أي من الاتجاهين سيطبع مستقبل هذه العلاقة.
وأوضحت واشنطن- كما ورد أخيرا في تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على خلفية الغرامة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على شركة جوجل وشركات تكنولوجيا أمريكية أخرى، أنها لن تواصل الوقوف مكتوفة الأيدي، بينما تتعرض شركاتها للاستهداف.
أما اتجاه الشراكة، فهو حقيقي وعميق، "وتجلت أوجه التعاون بوضوح خلال قمة الذكاء الاصطناعي التي عقدها الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج في سان فرانسيسكو يوم 24 يوليو، حيث أعلنت شركتا سامسونج، وإس كيه جروب، عن شراكات في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية مع إنفيديا وبرودكوم، وشركات أمريكية أخرى، بقيمة بلغت 950 ملياردولار".
وفي وقت سابق من الأسبوع نفسه، التقى وزير التجارة والصناعة والطاقة الكوري كيم جونج-كوان بوزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، في فيلادلفيا، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجال بناء السفن، وهي خطوة أضافت إلى الاستثمارات الكورية الكبرى في قطاع التصنيع بأمريكا.
وتستثمر شركة أمازون لخدمات الويب حوالي 85ر7 تريليون وون (6ر5 مليار دولار) في البنية التحتية للحوسبة السحابية حتى عام 2027، بينما توجه شركة كورنينج 5ر1 مليار دولار لإنتاج الزجاج القابل للانحناء في مدينة آسان.
وتدعم ريادة كوريا الجنوبية في مجال رقائق الذاكرة توسع الذكاء الاصطناعي على جانبي المحيط الهادئ، كما تتعاون البلدان في مجال ضوابط التصدير وأمن التكنولوجيا. ويصل مئات الآلاف من المبدعين والمطورين والشركات من كوريا إلى جماهير عالمية ويحققون دخلا من خلال استخدام المنصات الأمريكية.
ويؤكد كوري أن "هذا هو الشكل الذي يتعين أن تكون عليه العلاقات الاقتصادية بين الحلفاء".
ويتسارع اتجاه الاحتكاك التجاري في الاتجاه المعاكس، تقريبا بنفس السرعة. ففي الأول من يوليو، أصدرت لجنة فرعية لمكافحة الاحتكار بمجلس النواب الأمريكي تقريرا بعنوان "مغلق أمام المنافسة: الهجمات التمييزية التي تشنها كوريا الجنوبية على الشركات المملوكة لأمريكيين".
ويتضمن التقرير مخاوف تراكمت على مدى العقد الماضي في مجالات التجارة والمنافسة والتنظيم الرقمي. ويتمثل الاستنتاج الرئيسي للتقرير في أن إجراءات الإنفاذ التي تتخذها لجنة التجارة العادلة الكورية تستهدف الشركات الأمريكية بشكل غير متناسب، وهو نهج آخذ في التصاعد.
وفي حين حاولت الحكومة الكورية الجنوبية الرد على ما ورد في التقرير ودحضه، أظهرت السجلات الخاصة بلجنة التجارة العادلة الكورية نفسها أن الشركات الأمريكية استحوذت على سبع من أكبر عشر غرامات فرضت على خلفية إساءة استغلال الوضع المهيمن في السوق، بما يمثل 5ر5% من إجمالي الغرامات في القائمة، مقابل 5ر4% على الشركات الكورية.
وتعمق الإجراءات التنظيمية الأخيرة هذه المخاوف. ووفقا لتقارير، تتجه لجنة التجارة العادلة الكورية، نحو فرض غرامة محتملة بقيمة 550 مليون دولار على شركة جوجل، كما أعلنت اللجنة عن غرامات تصل إلى 34 مليون دولار بحق شركة "أنالوج ديفايسز" الأمريكية المتخصصة في أشباه الموصلات، وذلك حتى قبل أن تصدر اللجنة قرارها بشأن القضية.
وسوف تدفع اللجنة بأن الغرامات الكبيرة تعكس ببساطة ضخامة الحصص السوقية للشركات المعنية. ولكن الحصة السوقية وحدها لا تفسر القضايا التي يتم فتح تحقيقات بشأنها، أو الطريقة التي يتم الإعلان بها عنها، أو عدد الجهات التنظيمية الكورية التي تتدخل لاحقا، وغالبا ما يكون ذلك في مصلحة المنافسين المحليين.
وأظهرت قضية كوبانج مدى اتساع هذا النهج. فقد باشرت أكثر من 10 جهات حكومية كورية جنوبية عشرات التحقيقات مع الشركة. وفي 11 يونيو، فرضت الجهات المعنية بحماية الخصوصية غرامة قدرها 409 ملايين دولار على كوبانج، وهي أكبر غرامة مرتبطة بالبيانات في تاريخ كوريا الجنوبية. وفي يوم 9 يوليو، فرضت السلطات الضريبية الكورية تقييما ضريبيا خاصا على الشركة بقيمة نحو 213 مليون دولار.
ولم تعد واشنطن تنظر إلى استهداف الشركات الأمريكية من جانب الجهات التنظيمية/الرقابية على أنه أمر عارض. وفي 24 يوليو، أعلن الرئيس دونالد ترامب فتح تحقيق بموجب المادة 301 بشأن الغرامات الرقمية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، بعد أن فرضت بروكسل غرامة أخرى بمليارات الدولارات على جوجل. وقال ترامب إن الولايات المتحدة ليست "حصالة نقود" لأوروبا، متعهدا بإلغاء هذه الغرامات وفرض رسوم جمركية كبيرة.
وكان نائب الرئيس جي دي فانس حذر كوريا الجنوبية في يناير من استهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية. كما حددت النائبة في مجلس النواب الأمريكي كارول ميلر، في رسالة بعثت بها في مارس إلى الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير، سياسة الحوسبة السحابية في القطاع العام الكوري باعتبارها عائقا هيكليا.
وفي سبتمبر الماضي، حذر رئيس لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية، أندرو فيرجسون، خلال كلمة ألقاها في سول، من التنظيم المسبق للمنافسة ومن المعاملة التمييزية للشركات الأمركية في الخارج، بما في ذلك كوريا الجنوبية.
وبعد الاتحاد الأوروبي، قد تصبح كوريا الجنوبية الحالة التالية، التي تواجه هذا النوع من الضغوط الأمريكية.
واستفاد النجاح الاقتصادي لكوريا الجنوبية في مجالات أشباه الموصلات المتقدمة والذاكرة والإلكترونيات الاستهلاكية من اندماجها العميق في سلاسل الإمداد العالمية التي تقودها أمريكا والأسواق الاستهلاكية العالمية، فضلا عن شراكاتها التكنولوجية مع الشركات الأمريكية، والتي تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات.
ويظل السؤال هو ما إذا كانت سول سوف "تعالج هذه التحديات التنظيمية خلال مفاوضات التجارة الجارية بين أمريكا وكوريا الجنوبية، أم ستسمح بتراكمها لتتحول إلى مصدر احتكاك يمتد إلى العلاقات الثنائية الأوسع.
ويقول كوري إن مفاوضات الأسبوع الماضي ورد فعل ترامب على غرامة الاتحاد الأوروبي جعلا الاختيار أمام كوريا أكثر إلحاحا، "فالإصلاح من شأنه أن يعمق تحالفا وشراكة تكنولوجية حققا فوائد كبيرة للبلدين، بينما يؤدي عدم التحرك إلى مواجهة قد تعرض للخطر ما هو أبعد بكثير من قطاع التكنولوجيا، بالنسبة إلى اقتصاد البلدين".
وفي ختام التحليل يؤكد أن "هذا التصادم أوجد مجالا لاتجاه واحد فقط. وعلى كوريا الجنوبية أن تختار الاتجاه الذي أقيم عليه نجاحها".