إمبراطورية نادية لسامية محرز.. رواية تفكك السلطة وتكشف تناقضات الذات
آخر تحديث: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 10:09 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوى
تبدأ رواية «إمبراطورية نادية»، الصادرة عن دار الشروق، من واقعة تبدو يومية وعابرة؛ أستاذة جامعية تعود إلى منزلها فى وقت غير معتاد، فتكتشف أن العاملة التى تعمل لديها منذ سنوات سمحت لابنتها باستخدام غرفة نومها. غير أن سامية محرز لا تتعامل مع الحادثة باعتبارها ذروة الرواية، بل تجعلها الشرارة التى تفتح أبوابًا واسعة للتأمل فى السلطة والطبقة والامتياز والعمل المنزلى والعلاقات الإنسانية، فتتحول الخصوصية المنتهكة إلى مدخل لمراجعة منظومة كاملة من الأفكار الراسخة.
يحمل العنوان نفسه مفتاح القراءة؛ فـ«إمبراطورية نادية» ليست بيتًا واسعًا أو حياة مستقرة، بقدر ما هى عالم تظن البطلة أنها تسيطر على تفاصيله، بينما يقوم فى الحقيقة على عمل غير مرئى تبذله امرأة أخرى. وما إن تغادر نرجس حتى تتكشف هشاشة هذه الإمبراطورية، ويصبح غياب من تبدو فى أسفل السلم الاجتماعى كفيلًا بإرباك حياة من تبدو فى قمته. ومن هنا لا تعود السلطة مرتبطة بالمكانة الاجتماعية وحدها، وإنما بمن يدير تفاصيل الحياة اليومية ويضمن استمرارها.
ولا تنحاز الرواية إلى إدانة طبقة اجتماعية بعينها، بقدر ما تنشغل بمساءلة الأفكار التى تشكل نظرتنا إلى الآخرين، وبالكشف عن المسافة بين القيم التى يعلنها الإنسان وسلوكه حين يتعرض للاختبار؛ فالبطلة أستاذة الأدب المقارن التى تؤمن بخطابات العدالة والمساواة، تجد نفسها، فى لحظة غضب، تتصرف بمنطق السلطة والملكية، قبل أن تبدأ رحلة مراجعة الذات، ومن هنا تكمن قوة الرواية؛ إذ لا تجعل التناقض عيبًا فرديًا، بل تقدمه بوصفه جزءًا من البنية الاجتماعية والثقافية التى يحملها الإنسان داخله حتى وهو يظن أنه تجاوزها.
تتجح سامية محرز فى رسم شخصية نادية المركبة، فهى ليست بطلة مثالية ولا نموذجًا للبرجوازية المتعالية، وإنما إنسانة تعيش صراعًا دائمًا بين ما اكتسبته من تعليم وانفتاح وتجارب، وبين ما ترسب فى وعيها من أفكار موروثة، ولذلك فإن الأزمة الحقيقية فى الرواية لا تبدأ بطرد نرجس، وإنما تبدأ عندما تدرك نادية أن ما كانت تنتقده فى الآخرين ما زال يسكنها هى أيضًا.
فى المقابل، تمنح الرواية نرجس حضورًا يتجاوز دور العاملة المنزلية. فمن خلال الاسترجاعات تتكشف طفولتها القاسية، وزواجها من رجل عنيف، وصراعها اليومى من أجل الرزق وكذلك أخطاؤها وضعفها، فتتحول إلى شخصية كاملة لا يمكن اختزالها فى وظيفتها. كما يصبح غيابها كاشفًا لحقيقة أن البيت الذى يبدو منظمًا بفضل صاحبته كان يعتمد، فى جوهره، على جهد امرأة أخرى، وأن العلاقات التى تنشأ داخل المنازل لا تبقى دائمًا علاقات عمل خالصة، بل تتداخل فيها الحميمية مع السلطة، والاعتياد مع التفاوت الطبقى.
ومن هذا المنطلق، لا يظل المنزل فضاءً مغلقًا، بل يتحول إلى صورة مصغرة للمجتمع المصرى وتحولاته. فدخول عاملات جديدات، لكل واحدة خلفيتها الثقافية والاجتماعية، يوسع مساحة الرواية، لتصبح قراءة فى عالم يلتقى فيه أشخاص ينتمون إلى طبقات وجنسيات وثقافات مختلفة، يحمل كل منهم تصوراته الخاصة عن العمل والكرامة والانتماء.
ويمنح تعدد الأصوات السردية الرواية عمقها الإنسانى؛ فصوت نادية المثقل بالثقافة واللوم الذاتى، يقابله صوت نرجس المشبع بخبرة الحياة، بينما يأتى سيف ببراءته ليكشف ما يعجز الكبار عن الاعتراف به. ولا يستخدم هذا التعدد لتأكيد حقيقة واحدة، بل ليجعل كل شخصية تمتلك جزءًا من الحقيقة، فتغيب الأحكام القطعية، ويصبح الفهم أهم من الإدانة.
كما تتكامل الاسترجاعات والمونولوج الداخلى مع هذا البناء، فلا تأتى بوصفها تقنيات شكلية، وإنما وسيلة لإعادة تفسير الحدث نفسه فى كل مرة. فكل ذكرى جديدة تغير زاوية النظر إلى ما جرى، حتى يكتشف القارئ أن الأزمة لم تكن استخدام غرفة النوم، بل طبيعة العلاقة التى تشكلت عبر سنوات طويلة بين سيدتين جمعتهما الألفة، لكن فرقت بينهما السلطة.
وتبرز علاقة نادية بأمها باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم الشخصية؛ فالأم تمثل نموذج البرجوازية المصرية التقليدية فى نظرتها الهرمية إلى العاملات، بينما تحاول الابنة أن تصوغ لنفسها خطابًا أكثر انفتاحًا. غير أن الرواية تكشف أن الإرث الاجتماعى لا يغادر الإنسان بسهولة، وأن الأفكار التى يظن أنه تخلص منها قد تعود لتفرض نفسها فى لحظة انفعال واحدة، بما يجعل المواجهة الحقيقية بين نادية ونفسها قبل أن تكون مع نرجس.
وينعكس هذا التعدد أيضًا على اللغة، التى تتحرك بحرية بين الفصحى والعامية، ليس فى الحوار وحده، وإنما فى السرد ذاته، بما يجعل اختلاف مستويات اللغة امتدادًا طبيعيًا لاختلاف الشخصيات وطرائق تفكيرها وخلفياتها الاجتماعية. وهو اختيار يمنح النص مرونة وقدرة على الاقتراب من كل شخصية بلغتها الخاصة، من دون افتعال أو تصنع.
ولا تعتمد الرواية على المواجهات الدرامية الصاخبة، بل تراهن على سخرية هادئة تنبع من المفارقات اليومية. فعجز نادية عن إدارة منزلها بعد رحيل نرجس، ومحاولاتها المرتبكة للقيام بأعمال كانت تبدو لها بسيطة، يتحولان إلى مرآة تكشف اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة، وحتى الصور الذهنية التى تحملها البطلة عن العاملات لا تأتى بوصفها حقائق، لكن باعتبارها أوهامًا صنعتها الثقافة والذاكرة، وهو ما يتجلى فى استدعائها صورة الخادمة فى «توم آند جيرى» قبل أن يصطدم خيالها بالواقع، فى إشارة إلى أن الإنسان يرى الآخرين أحيانًا من خلال الصور التى ورثها عنهم أكثر مما يراهم كما هم.
كما تلتقط الرواية جذور هذه الصور النمطية، فتفككها من الداخل، من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو درس اجتماعى. فالقضايا الكبرى، مثل الطبقية والعمل المنزلى والسلطة والمرأة، لا تُطرح عبر الشعارات، وإنما تتجسد فى تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يمنح النص صدقه الفنى وقدرته على إثارة الأسئلة بدلًا من تقديم الإجابات.
ولعل ما يضاعف من صدق هذا العالم الروائى أن الرواية تنطلق من تجربة واقعية عاشتها الكاتبة، كما صرحت بذلك، قبل أن يعاد تشكيلها بالكامل داخل النص. فالواقع هنا ليس سوى نقطة بداية، سرعان ما يتسع بالخيال، وتتداخل معه شخصيات وأحداث ومفارقات جديدة، ليصبح العمل بناءً روائيًا مستقلًا، لا تسجيلًا لما وقع، وإنما إعادة خلق له وفق منطق الأدب.
فى النهاية، تبدو «إمبراطورية نادية» رواية عن المجتمع أكثر مما هى رواية عن منزل. فمن خلال حدث بسيط، تطرح الدكتورة سامية محرز أسئلة أخلاقية معقدة حول الامتياز والسلطة والعدالة، وتكشف أن الإمبراطوريات لا تنهار دائمًا بسبب الأحداث الكبرى، بل قد تهتز حين يغيب شخص اعتدنا النظر إليه باعتباره هامشيًا، بينما كان فى الحقيقة يحمل العالم كله على كتفيه.