هل الزواج علاج للاكتئاب؟.. استشاري نفسي يوضح العلاقة بين الحالة الاجتماعية والصحة النفسية
آخر تحديث: الأحد 11 أكتوبر 2026 - 1:04 م بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار
«اللي ما رضاهوش على بنتي، ما رضاهوش على بنات الناس».. بهذه الكلمات استهلت أم لشاب يعاني الفصام سبب رفضها تزويجه في الوقت الحالي، رغم نصائح المحيطين بها بالبحث عن فتاة قد تتقبل ظروفه وتتحمل مسئولية الحياة معه.
لم يكن قرار الأم حكمًا على مستقبل ابنها بقدر ما ارتبط بمخاوفها من مسئوليات الزواج ومدى استعداده لها في الوقت الحالي. وتفتح تجربتها بابًا لأسئلة تتجاوز حالة فردية: هل يمكن لشخص يعاني اضطرابًا نفسيًا أن يعيش حياة زوجية مستقرة؟ وهل يوفر الزواج دعمًا يساعد على تجاوز الأزمات، أم أن مسؤولياته قد تضيف ضغوطًا جديدة؟
• الزواج لا يمنع الاضطرابات النفسية
ارتبط الزواج في التصورات الاجتماعية بفكرة الاستقرار النفسي، حتى أصبح يُنظر إليه أحيانًا باعتباره وسيلة للتغلب على الوحدة والضغوط النفسية. لكن نتائج المسح القومي للصحة النفسية في مصر لعام 2017 لا تدعم افتراض أن المتزوجين يتمتعون بالضرورة بحماية أكبر من الاضطرابات النفسية مقارنة بغير المتزوجين، مشيرة إلى أن الزواج ليس عاملا وقائيا ضد الاضطرابات النفسية كان معتقدًا.
• حين تصبح مسئولية الزواج مصدر قلق للأسرة
بالنسبة إلى الأم التي رفضت تزويج ابنها، لم يكن القرار مرتبطًا بمجرد وجود تشخيص نفسي، بل بما تراه من ظروف ابنها ومدى استعداده لتحمل مسئوليات الزواج في الوقت الحالي، حيث تقول الأم إن المحيطين بها نصحوها بالبحث عن فتاة من أسرة بسيطة ريفية لتتحمل ظروفه، لكنها رفضت الفكرة، معتبرة أنها لا تقبل أن تضع ابنة أسرة أخرى في موقف لا ترضاه لابنتها.
وفي تجربة أخرى، تتحدث إحدى السيدات عن جار لها متزوج من ابنة خالته، ويعاني اضطرابات نفسية تستدعي متابعة علاجية متكررة -مالم تعرفه الزوجة رغم صلة القرابة حسبما ذكرت الشاهدة- إذ يتردد المريض على مستشفى المعمورة للصحة النفسية، ويدخل المستشفى عندما تتدهور حالته، ثم يغادر بعد مراجعة العلاج، مشيرة إلى بعض نوبات تدهور حالته يصاحبها هذيان وكلمات غير مفهومة، وهو ما أثار مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال، وأدى إلى انفصال زوجته.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب من الحيرة التي تواجه بعض الأسر عند التفكير في زواج أحد أبنائها الذين يعانون اضطرابات نفسية، خاصة عندما تكون هناك مخاوف بشأن استقرار الحالة أو القدرة على تحمل المسئوليات، لكنها لا تعني أن التشخيص النفسي وحده يحول دون الزواج؛ فلكل حالة ظروفها ومدى استقرارها واحتياجاتها العلاجية.
• هل يمنع الاضطراب النفسي صاحبه من الزواج؟
يرفض الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، اختزال قدرة الشخص على الزواج في مجرد وجود تشخيص نفسي، موضحًا أن هناك أشخاصًا يعانون اضطرابات نفسية ويتزوجون ويعملون ويعيشون حياة مستقرة، خصوصًا عندما تكون حالتهم مستقرة ويخضعون للعلاج والمتابعة المناسبين.
ويشير إلى أن تقييم قدرة الشخص على تحمل مسؤوليات الزواج يتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل، من بينها استقرار الحالة، والقدرة على إدارة الانفعالات، والتواصل، واتخاذ القرارات، والتعامل مع الضغوط، إلى جانب الالتزام بالعلاج عند الحاجة، معقبًا: «الطبيب يستطيع تقييم الحالة النفسية والطبية والقدرات الوظيفية وقت الفحص، وشرح الاحتياجات العلاجية والمخاطر المحتملة، لكن لا يمكن اختزال مفهوم القدرة على الزواج في إجابة قاطعة تستند إلى التشخيص وحده».
وأكد فرويز، أن الزواج لا ينبغي تقديمه باعتباره علاجًا للاكتئاب أو الاضطرابات النفسية؛ فوجود شريك في الحياة لا يغني عن التشخيص والعلاج المتخصصين، حتى لو كانت العلاقة توفر دعمًا عاطفيًا واجتماعيًا.
• متى يكون الزواج مصدرًا للدعم النفسي؟
لا يعني أن الزواج ليس علاجًا للاضطرابات النفسية أنه يخلو من الفوائد النفسية؛ إذ يمكن للعلاقة الصحية أن تمنح الشخص شعورًا بالأمان والانتماء، وتوفر له الدعم في مواجهة ضغوط الحياة.
كشف فرويز، أن الزواج قد يكون مصدر دعم نفسي قويًا عندما تقوم العلاقة على التفاهم والاحترام والتواصل وتبادل المسؤوليات، لكنه قد يتحول إلى مصدر للضغط عندما تسود الخلافات المستمرة أو العنف أو الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، متابعًا: «لا يمكن افتراض أن كل متزوج يتمتع باستقرار نفسي، أو أن غير المتزوج أكثر عرضة للاكتئاب والاضطرابات النفسية. فالحالة الاجتماعية ليست العامل الوحيد الذي يحدد الصحة النفسية، كما أن جودة العلاقة والظروف المحيطة بها قد تختلف من شخص إلى آخر».
• هل يجب الإفصاح عن المرض النفسي قبل الزواج؟
وحول المعلومات التي ينبغي أن يعرفها الطرف الآخر قبل اتخاذ قرار الارتباط من مريض نفسي، يرى فرويز، أنه من الناحية الأخلاقية، لا يصح إخفاء معلومات جوهرية عن حالة نفسية قد تؤثر في الحياة الزوجية، إذا كان إخفاؤها سيحول دون اتخاذ الطرف الآخر قرارًا واعيًا بشأن الزواج.
لكن الإفصاح، بحسب توضيحه، لا يعني اختزال الشخص في تشخيصه أو التعامل معه باعتباره مرضًا، وإنما توضيح طبيعة الحالة ومدى استقرارها واحتياجات العلاج المستمر، إذا كانت لهذه الأمور انعكاسات محتملة على الحياة المشتركة.
وفي المقابل، وأكد أن الطبيب يظل ملتزمًا بالسرية الطبية، ولا يجوز له إفشاء معلومات المريض لمجرد وجود مشروع زواج، إلا في الحدود التي يسمح بها القانون والقواعد المهنية، أما مسؤولية الإفصاح عن المعلومات الجوهرية فتقع على الشخص نفسه في سياق العلاقة.
• لماذا يُنظر للزواج بأنه ضمانة للاستقرار النفسي؟
وفيما يتعلق بربط الزواج بالاستقرار النفسي، توضح الدكتورة منى الحديدي، أستاذة علم الاجتماع، في تصريحات خاصة لـ«الشروق» أن بعض التصورات الاجتماعية تتعامل مع الزواج باعتباره محطة نهائية للاستقرار أو وسيلة لتغيير سلوك الشخص والتخلص من أزماته، وهو ما يظهر في عبارات شائعة من قبيل «زوجوه ليعقل ويرتاح».
ولفتت الحديدي إلى أن الزواج لا يمثل ضمانة للتوازن النفسي، ولا يمكن اعتباره علاجًا للقلق أو الاكتئاب، إذ تظل العلاقة الزوجية مرتبطة بطبيعة الطرفين وقدرتهما على التعامل مع الضغوط والخلافات. وقد تظهر داخل الحياة المشتركة مشكلات كانت موجودة من قبل ولم تُعالج، فتنعكس على العلاقة وتزيد من الأعباء النفسية على الزوجين، مضيفة: الخلافات اليومية وتدخلات الأقارب والمقارنات الاجتماعية قد تزيد الضغوط داخل الأسرة، خاصة عندما تتجاوز تدخلات العائلة حدودها وتؤثر في خصوصية الزوجين وشعورهما بالأمان داخل المنزل.
كما سلطت الحديدي الضوء على المقارنة المستمرة بأنماط الحياة التي تعرضها وسائل التواصل الاجتماعي، سواء فيما يتعلق بالسفر أو الهدايا أو مستوى الإنفاق، قد تولد شعورًا بالتقصير وعدم الرضا لدى أحد الطرفين أو كليهما. ويضاف إلى ذلك غياب مفهوم الشراكة، عندما يتحمل أحد الزوجين وحده مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء، بينما يُختزل دور الآخر في توفير المال، بما يضعف المودة ويزيد الشعور بالضغط والاستنزاف.
• الزواج قرار لا يحدده التشخيص وحده
بين الاعتقاد بأن الزواج يوفر الاستقرار النفسي، والخوف من الارتباط بشخص يعاني اضطرابًا نفسيًا، تظل التجارب الإنسانية أكثر تنوعًا من الأحكام العامة، فوجود اضطراب نفسي لا يعني بالضرورة عدم القدرة على الزواج، كما أن الزواج لا يضمن الحماية من الاكتئاب أو غيره من الاضطرابات، ويتوقف الأمر على طبيعة الحالة ومدى استقرارها، وقدرة الشخص على تحمل المسئوليات، إلى جانب الدعم الذي توفره العلاقة والظروف المحيطة بها.