هل يلجأ البعض إلى الإدمان لمواجهة الألم النفسي؟ طبيب يوضح
آخر تحديث: الأحد 11 أكتوبر 2026 - 2:37 م بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار
في محاولة للتخلص من القلق أو التغلب على صعوبات النوم، قد يلجأ البعض إلى تعاطي المخدرات بحثًا عن راحة مؤقتة، لكن هذا التأثير قد لا يستمر، وقد يتحول التعاطي مع الوقت إلى مشكلة تزيد من المعاناة النفسية وتؤثر في حياة الشخص وعلاقاته.
وبالتزامن مع اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق 10 أكتوبر من كل عام، يتجدد سؤال ولكن هل تقود الأزمات النفسية إلى الإدمان؟.
• تعاطي المخدرات في المرتبة الثانية بين الاضطرابات النفسية
تأتي اضطرابات تعاطي المخدرات في المرتبة الثانية بين الاضطرابات النفسية بنسبة 30.1%، بعد اضطرابات المزاج التي تشمل الاكتئاب، وتبلغ نسبتها 43.7%، بحسب بيانات المسح القومي للصحة النفسية لعام 2017، فيما سجلت الاضطرابات والأعراض النفسية الأخرى 26.2%، وفي المقابل، لا يتلقى المصابين علاجًا نفسيًا سوى 0.4، وفقا للمسح خلال هذه الفترة.

• هل يبدأ التعاطي بسبب اضطراب نفسي؟
أوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، في تصريحات لـ«الشروق»، أن الاضطراب النفسي والإدمان قد يجتمعان لدى الشخص نفسه، وهي حالة تُعرف بالتشخيص المزدوج أو الاضطرابات المتزامنة، موضحًا أن الاضطراب النفسي قد يظهر قبل التعاطي، أو يبدأ التعاطي أولًا، أو تتطور الحالتان بصورة متداخلة.
وقال فرويز، إن البعض قد يلجأ إلى تعاطي المواد في محاولة لتهدئة القلق، أو تحسين المزاج، أو التغلب على الأرق، أو تخفيف الألم النفسي، لكن هذا التأثير قد يكون مؤقتًا، فيما يمكن أن يؤدي استمرار التعاطي إلى الاعتماد على المادة، ويزيد من حدة بعض الأعراض النفسية، مضيفا أن تأثير المواد يختلف بحسب نوعها وجرعتها ومدة التعاطي، إلى جانب الحالة النفسية للشخص واستعداده للإصابة ببعض الاضطرابات، إذ قد ترتبط بعض المواد بزيادة القلق والأرق والشكوك أو ظهور أعراض ذهانية، بينما قد يصاحب مواد أخرى اكتئاب أو تقلب في المزاج أو اندفاعية.
وتابع فرويز: «لا يمكن افتراض أن كل شخص يعاني اضطرابًا نفسيًا معرض للإدمان، أو أن كل من يتعاطى المخدرات كان يعاني مشكلة نفسية قبل التعاطي، فلكل حالة ظروفها وعواملها التي تحتاج إلى تقييم متخصص».
• هل يختلف الاضطراب النفسي وأعراض التعاطي؟
كشف الاستشاري النفسي، أن أعراض الاضطرابات النفسية تتشابه مع الأعراض التي قد تظهر أثناء تعاطي المواد أو التوقف عنها، وهو ما يجعل معرفة توقيت ظهور الأعراض وعلاقتها بالتعاطي أمرًا مهمًا في تحديد طبيعة الحالة، معقبًا بأن الطبيب لا يعتمد على عرض واحد في التشخيص، بل ينظر إلى التاريخ الزمني للأعراض والتعاطي، وما إذا كانت المشكلات النفسية قد بدأت قبل استخدام المادة، أو استمرت بعد زوال تأثيرها وانتهاء فترة الانسحاب، أو ظهرت فقط أثناء التعاطي أو التوقف عنه.
كما يقيم الطبيب وجود أعراض مشابهة في فترات الامتناع، ويستعين بالتاريخ الأسري والفحص النفسي، وقد يحتاج إلى معلومات إضافية من المحيطين بالشخص، وفقًا لطبيعة الحالة؛ ليساعده على التمييز بين اضطراب نفسي سابق للتعاطي، وأعراض مرتبطة بتأثير المادة، والحالات التي يجتمع فيها الاضطرابان ويحتاج كل منهما إلى تدخل علاجي مناسب.
• علاج الإدمان وحده لا يكفي
أشار فرويز، إلى أن بقاء اضطراب نفسي من دون تشخيص أو علاج قد يبقي أحد العوامل المرتبطة بالتعاطي قائمًا، ويزيد من صعوبة التعافي واحتمالات الانتكاس، لذلك لا ينبغي التعامل مع الإدمان والاضطراب النفسي باعتبارهما مشكلتين منفصلتين تمامًا، مضيفا: قد يتوقف الشخص عن التعاطي، لكنه يظل يعاني القلق أو الاكتئاب أو غيرهما من الأعراض النفسية التي كانت موجودة قبل بدء التعاطي، وهو ما قد يجعل التعافي أكثر صعوبة إذا لم تُكتشف هذه المشكلات وتُعالج.
كما يرى أن العلاج يختلف بحسب احتياجات كل شخص، وقد يجمع بين علاج اضطراب استخدام المادة، والعلاج النفسي، والأدوية المناسبة عند الحاجة، إلى جانب التأهيل ودعم الأسرة والمتابعة على المدى الطويل.
• نصائح لاكتشاف علامات الإدمان مبكرًا
قد لا يكون التعاطي واضحًا في بدايته، لكن بعض التغيرات في المزاج والسلوك ونمط الحياة قد تلفت الانتباه إلى وجود مشكلة، خاصة إذا استمرت وأثرت في حياة الشخص اليومية.
وينصح فرويز، بعدم تجاهل التغيرات المستمرة في الشخصية أو المزاج، والميل إلى العزلة، واضطرابات النوم، وتراجع الأداء في الدراسة أو العمل، وإهمال المسؤوليات، ونوبات الغضب غير المعتادة، أو ظهور شكوك وأفكار غريبة، مشيرا إلى أن زيادة التعاطي، وتكرار محاولات التوقف دون نجاح، وعودة الأعراض النفسية مع محاولة الامتناع عن المادة، كلها علامات تستدعي طلب المساعدة المتخصصة.
ولا تعني هذه العلامات بالضرورة أن الشخص يعاني الإدمان أو اضطرابًا نفسيًا، حسبما أوضح فرويز، لكنها تستدعي الانتباه، خاصة إذا استمرت أو بدأت تؤثر في حياته، بدلًا من تجاهلها أو الاكتفاء بمحاولات التوقف دون مساعدة.
• المخدرات وتأثيرها على الصحة النفسية
خلف معظم الجرائم التي هزت الرأي العام، تحضر المخدرات كعامل مشترك رئيسي؛ إذ تكشف أبحاث صندوق مكافحة وعلاج الإدمان أن 79% من الجرائم تقع تحت تأثير التعاطي، وكان الحشيش حاضرا بنسب مرعبة بين مرتكبي الجرائم الجسيمة، مسجلاً 86% من جرائم الاغتصاب، و58% من جرائم هتك العرض، و23.7% من جرائم القتل العمد.

• الدعم الأسري يبدأ بالاستماع لا بإلقاء اللوم
وعن دور الأسرة والأصدقاء في مساندة من يمر بأزمة نفسية، أكدت الدكتورة من الحديدي أستاذ علم الاجتماع، أهمية الاستماع إلى الشخص دون التقليل من مشاعره أو تقديم نصائح جاهزة تفترض أنه قادر على تجاوز أزمته بمجرد أن يقوي إرادته أو إيمانه.
وتوضح الحديدي أن عبارات مثل «أنت تبالغ» أو «انظر إلى من هم أسوأ منك» قد تزيد شعور الشخص بالذنب والعزلة، حتى لو قيلت بنية مساعدته، لأنها توحي بأن معاناته غير مبررة أو أنه مسؤول عنها وحده.
وتؤكد الحديدي أن الدعم الحقيقي يقوم على إشعار الشخص بأن مشاعره مسموعة وأنه ليس عبئًا على أسرته، مع مساعدته في الوصول إلى مختص نفسي، وتوفير بيئة منزلية تتسم بالهدوء والتفهم، وعدم إجباره على المشاركة في مناسبات اجتماعية إذا كانت حالته لا تسمح بذلك.
• تطوير خدمات الصحة النفسية
وتشير نتائج المسح القومي للصحة النفسية في مصر لعام 2017 إلى أهمية الاهتمام باضطرابات تعاطي المخدرات، إلى جانب تطوير خدمات الصحة النفسية وربطها بالرعاية الصحية الأولية، بما يساعد على اكتشاف الاضطرابات والتعامل معها في وقت مبكر.
ووفقًا للمادة التي أُشير إليها من المسح، بلغت نسبة انتشار تعاطي المخدرات نحو 2%، وهي نتيجة تتوافق، بحسب المصدر، مع ما ورد في البحث القومي للإدمان. كما يشير المسح إلى أهمية تخطيط خدمات علاج الإدمان، وتدريب أطباء الرعاية الأولية على التعامل مع المشكلات النفسية، خاصة أن الاضطرابات المزاجية تمثل جانبًا مهمًا من الحالات التي تتطلب رعاية نفسية.
جدير بالذكر أن الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة والسكان، تقدم خدمات التشخيص والعلاج والتأهيل النفسي، إلى جانب خدمات علاج الإدمان، من خلال مستشفياتها ومراكزها المنتشرة في عدد من المحافظات. وللاستفسار عن الخدمات أو طلب المساعدة، يمكن الاتصال بالخط الساخن 16328، المتاح على مدار الساعة.
اقرأ أيضا:
من جرائم المخدرات إلى أزمة العلاج النفسي.. تحدي أمام منظومة العلاج لسد فجوة الانتشار