العلاج أونلاين بين الخصوصية والمهنية.. هل تضمن الشاشات أمان الرحلة؟

آخر تحديث: الأحد 11 أكتوبر 2026 - 12:20 م بتوقيت القاهرة

أدهم السيد ودينا النجار

في غرفة صغيرة، وبين يديها هاتفها، تجلس سارة «اسم مستعار» تنتظر أن يبدأ موعدها مع المعالج النفسي، لا تحتاج هذه المرة إلى الخروج من المنزل، ولا إلى انتظار في المواصلات ورقم الحجز في العيادة، ولا حتى إلى شرح لمن يسألها إلى أين تتجه، الآن ومن خلف الشاشة، تبدأ الجلسة، وتصبح المسافة بينها وبين طلب المساعدة أقصر مما كانت عليه من قبل.

هذا المشهد لم يعد استثناءً، فمع انتشار جلسات العلاج النفسي عبر الإنترنت، وجد كثير من المرضى في هذه الطريقة خصوصية أكبر وراحة أطول، وسبيلًا لتجاوز الخوف من نظرة المجتمع أو معرفة المحيطين بهم بخضوعهم للعلاج.

ورغم ما يوفره العلاج النفسي أونلاين من سهولة ومرونة، فإنه يطرح تساؤلات عملية حول مدى فاعليته، وكيفية التأكد من مؤهلات مقدم الخدمة، ومدى ملاءمة الجلسات الإلكترونية للحالات المختلفة، إلى جانب الضوابط المهنية والأخلاقية المرتبطة بتقديم العلاج عن بُعد.

وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، تستعرض «الشروق» أسباب الإقبال على العلاج الإلكتروني، وتجارب من خاضوا هذه الخطوة، إلى جانب حدود الخدمة وكيفية الحصول عليها بآمان.

• الإقبال على العلاج النفسي أونلاين

تتباين تجارب المترددين على جلسات العلاج النفسي عبر الإنترنت، فبينما يرى بعضهم أنها توفر الوقت والجهد وتمنحهم مساحة أكبر للحديث بحرية، يواجه آخرون صعوبات تتعلق بتأخر المواعيد وعدم الانتظام أو عدم الشعور بالراحة مع المعالج، بحسب تجارب وشهادات بعض المرضى.

وتروي «م.ع، 37 سنة» أنها خاضت تجربة العلاج النفسي لدى أكثر من مقدم خدمة عبر الإنترنت، لكنها لم تشعر بالارتياح، بسبب التأخير المتكرر والعشوائية في المواعيد، وهو ما أدى إلى ضياع بعض الجلسات والأموال، قبل أن تتوقف عن المتابعة، مشيرة إلى أنها تعاني من أفكار سلبية وشعور بالتشتت، ولم تتمكن من الوصول إلى التجربة العلاجية التي كانت تأملها، على حد وصفها.

وفي تجربة أخرى، قالت م.م إنها دفع 800 جنيه مقابل الجلسة لدى إحدى المعالجات، لكنها لم تشعر بأنها تحظى بالإنصات الكافي، معتبرة أن الشهرة والدعاية لا تعكسان بالضرورة جودة الخدمة، قبل أن تبدأ المتابعة مع معالجة أخرى مقابل 200 جنيه للجلسة، وتلاحظ تحسنًا في حالتها، بحسب روايتها.

في المقابل، يرى أحد المرضى «رفض ذكر اسمه»، أن العلاج النفسي أونلاين يمنحه مرونة أكبر، ويوفر الوقت والجهد وتكاليف الانتقال، خاصة لمن يصعب عليهم الذهاب إلى العيادات أو لا يشعرون بالراحة عند التردد عليها، كما يساعد بعض الأشخاص على التحدث بحرية أكبر من المنزل، دون الحاجة لأخذ إجازات من العمل، قائلًا: «أوقات مابيكونش حابب يقعد ف عيادة والموضوع يتعرف وبياخد راحته في الأونلاين أكتر».

وتتفق معه «غادة، 29 عامًا» في أن سهولة الحجز وعدم الحاجة إلى التنقل إلى العيادة من أبرز مميزات العلاج عن بُعد، لكنها ترى أيضًا أن الجلسات الحضورية قد تعطي نتيجة أفضل، معقبة: «كنت فاقدة الأمل تماماً بعد أكثر من تجربة صعبة في العلاج أونلاين كانت المواعيد دايماً فيها عشوائية وتأخير ولخبطة والسيشن تروح عليا مش بسببي، ومع ذلك بتحاسب عليها ودي تكلفة مادية، لكن مؤخرًا حد رشحلي مكان عندهم اونلاين وكويس، بس اعتقد لو كان في أوبشن العيادة كان هيكون النتيجة أفضل».

• العلاج النفسي أونلاين يتميز بالمواعيد المرنة

أوضحت أخصائية العلاج النفسي والممارسة المهنية للعلاج السلوكي المعرفي ماري جورج، في حديثها لـ«الشروق»، أن العلاج عبر الإنترنت يسهل بدء العلاج والاستمرار فيه، خاصة لمن تجعلهم أعراضهم النفسية يجدون صعوبة في الخروج من المنزل، كما توفر الجلسات مرونة في المواعيد، وتساعد خاصة المصريين المقيمين بالخارج على مواصلة العلاج.

وحول اللجوء للعلاج أونلاين خوفا من وصمة العار، قالت إنه قد يكون سببه الخوف من وصمة المجتمع، لكنه ليس السبب الوحيد، إذ ترتبط الجلسات أيضًا بالراحة وظروف الحياة اليومية. وتشير جورج إلى أن التردد قبل حجز الجلسة أو إلغائها أمر طبيعي، لأن العلاج يتطلب شجاعة للحديث عن مشكلات ومشاعر صعبة.

• كيف تختار المعالج النفسي؟ ولماذا تختلف الأسعار؟

حددت جورج مواصفات اختيار المعالج النفسي المناسب من خلال التأكد من مؤهلاته العلمية جيدا وتدريبه وتخصصه، إلى جانب وضوح حدود العلاقة المهنية والمسئوليات بين الطرفين، معقبة: "المنزل ليس بالضرورة المكان الأكثر خصوصية للجميع، فبعض الأشخاص يشعرون براحة أكبر داخل العيادة باعتبارها مساحة منفصلة عن حياتهم اليومية، والعكس"

وعن اختلاف أسعار الجلسات وتفاوتها، أرجعت جورج ذلك إلى خبرة المعالج وعوامل أخرى مؤكدة على أن التكلفة وحدها لا ينبغي أن تكون معيار الاختيار، كما يجب التمييز بين دور المعالج في تقديم التدخلات العلاجية ضمن اختصاصه، ودور الطبيب المختص في وصف الأدوية وفقًا لصلاحياته.

• دور السوشيال ميديا في الوعي النفسي

ترى جورج أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت على زيادة الحديث عن الصحة النفسية وتقليل الوصمة المرتبطة بها، كما أسهمت في نشر الوعي بمشكلات مثل القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي واضطرابات العلاقات؛ ما ساعد بعض الأشخاص على فهم مشاعرهم والتعرف إلى مشكلات تستدعي طلب المساعدة، لكنه لا يغني عن التقييم المتخصص أو العلاج النفسي.

• نصائح هامة قبل حجز الجلسة

تنصح جورج في ختام حديثها بالتأكد من مؤهلات المعالج وتخصصه، والاتفاق مسبقًا على مواعيد الجلسات وحدود التواصل بين كل جلسة وأخرى، موضحة أن الجلسات تُعقد عادةً عبر مكالمات الفيديو في مواعيد محددة، ولا تعني إتاحة التواصل المستمر مع المعالج طوال اليوم، مشددة على أهمية اختيار مكان يضمن الخصوصية، والتأكد من وضوح حدود العلاقة المهنية، وتجنب أي ممارسات تتجاوز هذه الحدود أو تهدد أمان المريض، حيث يظل الشعور بالثقة والالتزام بالجلسات من العوامل المهمة لاستمرار العلاج والاستفادة منه.

• العلاج النفسي أونلاين خطر يتجاوز الدجالين

في تصريحات خاصة لـ«الشروق»، حذر استشاري الصحة النفسية، الدكتور وليد هندي، من خطورة انتشار أدعياء العلاج النفسي والعلاقات الأسرية والتنمية البشرية ممن لا يملكون أي مؤهلات علمية أو تراخيص رسمية، مؤكدًا أن هؤلاء قد يشكلون خطرًا على الأفراد والمجتمع يفوق في تأثيره خطورة الدجالين والمشعوذين، حيث يعمل الأخيرون في الخفاء، بينما يعتمد هؤلاء على المظهر والعلاقات والبرامج التلفزيونية والشبكات غير الرسمية التي تجمعه بممارسي الطاقة والـ«لايف كوتشينج» لكسب ثقة الجمهور عبر استغلال تأثير «البلاسيبو» والإيهام بفعالية ما يقدمونه، على حد وصفه.

ويشير هندي، إلى أن التوسع الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي أتاح لهؤلاء الوصول بسهولة إلى جمهور واسع يعاني من مشكلات نفسية أو أسرية، وغالبًا ما يتم استغلال مصطلحات فضفاضة مثل «الشخصية السامة» وتقديم تشخيصات وهمية لا علاقة لها بالمراجع النفسية المعتمدة، معتبرًا أن هذا الصخب الإعلامي وترويج المعلومات غير الدقيقة لا يعكسان زيادة حقيقية في الوعي المجتمعي، على حد قوله.

• الجلسات العشوائية عبث بالبشر وقنبلة موقوتة

ويلفت الانتباه إلى أن العمل الحقيقي في مجال الصحة النفسية يتطلب دراسة أكاديمية متخصصة، ومعرفة دقيقة بأساليب التقييم والتشخيص، والتزامًا صارمًا بأخلاقيات المهنة التي تضع سرية المعلومات وحماية خصوصية المرضى في مقدمة الأولويات؛ إذ إن تقديم نصائح علاجية عشوائية قد يتسبب في تضليل المرضى، ودفعهم لاتخاذ قرارات مدمرة تؤثر على حياتهم وعلاقاتهم، خاصة وأن بعض الأعراض قد تتداخل مع مشكلات صحية أخرى تستوجب فحصًا دقيقًا من متخصص مؤهل.

• ناقوس الخطر.. متى تتدخل الدولة والمؤسسات لردع المنتحلين؟

وفي ختام حديثه، يدعو استشاري الصحة النفسية إلى ضرورة التحقق الدائم من المؤهلات العلمية والتراخيص الرسمية لمن يقدمون هذه الخدمات، مع حتمية تدخل المؤسسات الصحية والإعلامية لفرض ضوابط رقابية حازمة تضع حدًا لهذه الممارسات المخالفة، وتتصدى لكل من يتجاوز حدود تخصصه المهني لحماية الأفراد من الانتهاكات النفسية واستغلال احتياجاتهم الإنسانية.

• العلاج النفسي عبر الإنترنت.. خصوصية أكبر لا تنهي الوصمة

من جانبها، ترى الدكتورة منى الحديدي، أستاذة علم الاجتماع، أن العلاج النفسي عبر الإنترنت أسهم في تخفيف الحرج والخوف لدى بعض الأشخاص، إذ أتاح لهم الحصول على الدعم من منازلهم دون الحاجة إلى الذهاب إلى عيادة قد يلتقون فيها بأشخاص يعرفونهم، أو الاضطرار إلى الكشف عن سبب غيابهم أو وجهتهم.

وأضافت الحديدي، «هذه الخصوصية تمثل حلًا عمليًا للفرد أكثر من كونها معالجة لجذور المشكلة الاجتماعية، فإمكانية تلقي العلاج بعيدًا عن أعين الآخرين لا تعني أن الأحكام المسبقة قد اختفت من الواقع، وإنما قد تساعد الشخص على تجاوزها مؤقتًا حتى يتمكن من الحصول على المساعدة التي يحتاج إليها».

• كيف تتأكد من ترخيص المعالج وتحمي بياناتك؟

قال الدكتور محمود الروبي، المحامي والمستشار القانوني، إن القانون المصري حدد ضوابط ممارسة العلاج النفسي، وفرق بين الطبيب النفسي والمعالج النفسي من غير الأطباء، موضحًا أن تقديم الجلسات عبر الإنترنت لا يعفي مقدمي الخدمة من الالتزام بالشروط القانونية المنظمة للمهنة.

وأضاف الروبي، في تصريحات خاصة لـ«الشروق»، أن المريض يجب أن يتأكد من مؤهلات مقدم الخدمة وترخيصه قبل حجز الجلسة، إلى جانب معرفة الضوابط التي تحمي بياناته الشخصية وتضمن سرية المعلومات التي يشاركها خلال العلاج.

• من يحق له تقديم خدمات العلاج النفسي في مصر؟

أوضح الروبي، أن القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي وتعديلاته، نظم ممارسة العلاج النفسي لغير الأطباء النفسيين، واشترط الحصول على الترخيص اللازم من وزارة الصحة والسكان والعمل تحت الإشراف المباشر لطبيب نفسي مختص، مؤكدًا أن الطبيب النفسي يملك الاختصاصات الطبية المتعلقة بالتشخيص ووصف الأدوية، بينما يلتزم المعالج غير الطبيب بالمؤهلات والتراخيص ونطاق الممارسة الذي يحدده القانون.

• كيف يتأكد المريض من ترخيص مقدم الجلسة أونلاين؟

نصح الروبي، المريض بالتأكد من الاسم الكامل لمقدم الخدمة وصفته المهنية، ومؤهلاته وجهة ترخيصه قبل حجز الجلسة، مشيرًا إلى أن الشهرة وكثرة المتابعين لا تثبتان الكفاءة أو الترخيص، وأن رفض الإفصاح عن المؤهلات أو ادعاء القدرة على وصف الأدوية رغم عدم كونه طبيبًا من العلامات التي تستدعي الحذر.

• الفرق بين الطبيب والمعالج النفسي

أكد الروبي، أن المسميات المهنية لا تعني بالضرورة امتلاك الاختصاصات نفسها، فالحصول على مؤهل في علم النفس أو استخدام لقب «أخصائي نفسي» لا يثبت وحده الحق في ممارسة العلاج النفسي، موضحًا أن المعالج غير الطبيب ملزم بحدود اختصاصه القانوني، ولا يجوز له وصف الأدوية أو ممارسة الأعمال الطبية الخاصة بالأطباء.

• حماية بيانات المريض خلال الجلسات

أوضح الروبي، أن البيانات الصحية تُعد من البيانات الشخصية الحساسة وفقًا لقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، مشددًا على ضرورة التزام المنصات ومقدمي الخدمات بالضوابط القانونية لحمايتها. ونصح المرضى بالسؤال عن البيانات التي تجمعها المنصة، والجهات التي يمكنها الاطلاع عليها، ومدة الاحتفاظ بها، وما إذا كانت تُشارك مع أطراف أخرى أو تُنقل خارج مصر.

• هل يحق لمقدم الخدمة تسجيل الجلسة؟

واختتم المستشار القانوني حديثه بأن تسجيل الجلسات الصوتية أو المرئية يستدعي توضيح الغرض منه للمريض وكيفية حفظ التسجيل والجهات التي يمكنها الاطلاع عليه، مؤكدًا أن الموافقة على حضور الجلسة لا تعني تلقائيًا الموافقة على تسجيلها أو مشاركة محتواها، وأن مشروعية التسجيل تخضع للقواعد القانونية المنظمة وحماية خصوصية المريض.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved