متى تقام الحدود؟ وهل هى صالحة لكل عصر؟
آخر تحديث: الأحد 12 أغسطس 2012 - 12:15 م بتوقيت القاهرة
ضحى الجندى
«الإنسان ليس ملاكا معصوما، ومن ثم لا نستغرب وقوع خطأ منه، وإذا أخطأ فلا ينبغى أن نبادر إلى قمعه بوحشية، وإظلام حاضره ومستقبله».
يقول الغزالى فى كتابه «الإسلام عندما يضع عقوبة لخطيئة ينظر إلى أن كل إنسان يجب أن يعيش آمنا فى وطنه على ماله ودمه وعرضه، وأن انحرافات المخطئ لا يجوز أن تتحول إلى وباء يعصف بالأمن ويجتاح الحرمات.. وقد يعذر العاصى ويلتمس الدواء، ولكنه لا يأذن أبدا للجريمة أن تعكر الصفو وتنشر الخوف».
«من أجل ذلك وضع الإسلام الحدود، ودرأها بالشبهات ووقفها بالتوبة إذا رأى القاضى»، يقول الشيخ الراحل «لكن إذا اضطرب الأمن أو رأى القاضى أن المذنب يجتاح الحرمات، فإن الحفاظ على المجتمع، ومؤاخذة المجرم الجسور توجبان الضرب على يده وحماية الناس من شره».
يدافع الغزالى عن إقامة الحدود فى كتابه ويقول «إن الحدود حق، وإقامتها بصورتها الشرعية مطلوبة إلى آخر الدهر، وما يقال عن قسوتها ضرب من الهراء، ونحن نستبين ذلك كل الاستبانة عندما نتوسم أحوال المجتمعات التى أنكرتها».
الشيخ أشار فى كتابه إلى آثار عدم تطبيق الحدود فى بعض المجتمعات ويقول «إن نجد أو الحجاز أقل حضارة من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ظلام الإرهاب والإجرام والتوجس والفزع والخوف من السرقة لا وجود لها فى هذه الأرجاء الفيحاء، ما السبب؟ إقامة الحدود».
«يظن بعض الجهّال أن الحدود نقطة ضعف فى الشرائع السماوية، ونسوا أنهم سوف يعانون القلق والترويع ما داموا يأبون إقامتها، ولن يستريحوا إلا بعد إعلان السمع والطاعة».
يوضح الشيخ الراحل فى كتابه «إن الله يعلم ضعفنا ويتجاوز كثيرا عن هفواتنا، ولو أخذ المرء بأول عثراته ما نجا أحد من عقابه.. فإنه يمهل ولا يهمل، حتى إذا فاض الإناء فضح وآلم، وذلك ما أشار إليه عمر عندما استغاثته امرأة «يا أمير المؤمنين ابنى سرق وهذه أول مرة، فقال لها: كذبت إن الله لا يفضح عبده لأول مرة».
إن الله يستر كثيرا حتى إذا توقّح المرء وتبجح، جرّه سوء أدبه إلى مصيره، ومع ذلك فإن الذى شرّع الحدود ندب المؤمنين إلى الستر على المنحرفين ومنحهم فرصة متاب.
وقد كان حد السكر فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ضربا مهينا يوقع بالسكير، أما حد السرقة فهو قطع اليد، ولم يقل أحد إن الجائع تقطع يده إذا سرق ما يقوته، إنما تقطع يد البطال المعتدى على كسب الآخرين وكدحهم والذى يبنى سلوكه على الظلم والإفساد.
أما المسلحون المعتادون على السلب والنهب المتعاونون على الإثم والعدوان وقطع الطريق وإشاعة الفوضى، فإن قتلهم حق، بقى الحديث عن عقوبة الزنى ويقول عنه الغزالى فى كتابه «إن عقوبة الزنى صعبة التنفيذ، فإن المجىء بأربعة شهداء يرون وقوعها يكاد يستحيل، إلا إذا كان المجرمان فى طريق عام.