مخلفات هدم المبانى.. أزمة حضارية وبيئية تبحث عن حل

آخر تحديث: الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 11:14 ص بتوقيت القاهرة

شريف حربي

• مصدر بـ"التنمية المحلية والبيئة": المحافظات خصصت أماكن معتمدة لتجميع المخلفات ويتم إلزام الشركات والمقاولين بنقلها إليها

• رئيس هيئة نظافة القاهرة: المحافظ شدد على ضرورة المواجهة الحاسمة للسيارات التي تقوم بإلقاء مخلفات الهدم والبناء

• الشربيني: مخلفات هدم المباني في القاهرة والجيزة يجب تحويلها من عبء بيئي إلى ثروة قومية.. وعرفة: الحل يبدأ بالرقابة

لم تعد أكوام مخلفات هدم المباني مجرد مشهد عابر في عدد من شوارع محافظتي القاهرة والجيزة، بل تحولت إلى أزمة بيئية وحضرية تؤرق المواطنين، بعدما انتشرت على جوانب الطرق، وأسفل الكباري، وفي الأراضي الفضاء، لتشكل مصدر للتلوث البصري، وبيئة خصبة للحشرات والقوارض، فضلا عن إعاقة حركة المرور والمشاة.

ورغم الحملات التي تنفذها الأجهزة المحلية لرفع المخلفات، فإن المشكلة تتجدد بصورة شبه يومية نتيجة إلقاء مخلفات الهدم والردم بشكل عشوائي من جانب بعض المقاولين وأصحاب العقارات، في ظل غياب الالتزام بالتخلص الآمن منها.

ورصدت "الشروق" من خلال جولة ميدانية في عدد من المناطق بالقاهرة والجيزة، شكاوى السكان من تراكم مخلفات البناء لفترات طويلة.

وفي منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، قال محمد حمدان، أحد سكان المنطقة، إن أكوام الردم أصبحت تحتل جزء كبير من الشارع، مما تضطر السيارات إلى السير في الشارع حارة واحدة، بينما يعاني المشاة من السير وسط الأتربة والمخلفات.

وأضاف محمد حسين، أحد سكان منطقة بولاق الدكرور بالجيزة، أن سيارات النقل تلقي مخلفات البناء ليلا في الأراضي الفضاء ثم تختفي قبل وصول الجهات المختصة، لتبقى المخلفات لأيام وربما أسابيع.

وفي محافظة القاهرة، قال علي أبو حسين، من منطقة المطرية، إن مخلفات الهدم تتحول مع الوقت إلى مقلب عشوائي للقمامة، وهو ما يزيد من انتشار الروائح الكريهة والحشرات، خاصة خلال فصل الصيف.

وأضاف أبو حسين، خلال حديثه لـ"الشروق"، أن المشكلة لا تتعلق فقط بتراكم الردم، بل أيضا بالغبار الناتج عنه، والذي يؤثر على مرضى الحساسية والجهاز التنفسي، بجانب تشويه المظهر الحضاري للشوارع.

من جهته، قال مصدر مسؤول بوازرة التنمية المحلية والبيئة، إن المحافظات خصصت أماكن معتمدة لتجميع مخلفات البناء، ويتم إلزام الشركات والمقاولين بنقلها إليها، إلا أن بعض المخالفين يلجأون إلى التخلص منها في المناطق الخالية لتقليل تكلفة النقل.

وأضاف المصدر، في تصريحات لـ"الشروق"، أن نجاح جهود الدولة يتطلب تعاون المواطنين من خلال الإبلاغ عن أي سيارة تلقي المخلفات بصورة عشوائية، مؤكدا أن محافظتي القاهرة والجيزة كثفت خلال السنوات الأخيرة، حملات رفع مخلفات الهدم والقمامة، مع الدفع بمعدات إضافية إلى المناطق التي تشهد كثافات عمرانية مرتفعة.

وأوضح أن الأجهزة المحلية بالمحافظات تعمل على إزالة الإشغالات والمخلفات بصورة دورية، بالتنسيق مع هيئات النظافة وشركات الجمع، إلى جانب تنفيذ حملات توعية تستهدف المواطنين والمقاولين بشأن الالتزام بإلقاء مخلفات البناء في الأماكن المخصصة.

ومن جهته، كشف محمود أبو بيه، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لنظافة القاهرة، إن ظاهرة إلقاء مخلفات الهدم والبناء بالشوارع من الظواهر السلبية المزعجة التي تواجهها القاهرة وتمثل عبء كبير علي الهيئة كونها تؤثر علي الرصف والمظهر العام وتعرض حياه المواطنين للخطر نتيجة الحوادث التي تسببها.

وأضاف أبو بيه، في تصريحات لـ"الشروق"، أن محافظ القاهرة شدد على ضرورة المواجهة الحاسمة للسيارات التي تقوم بإلقاء مخلفات الهدم والبناء في أي منطقة بمحافظة القاهرة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة ضدها علي الفور، بهدف محاولة السيطرة علي تلك الظاهرة .

ونوه إلى أن المحافظ وجه بتشكيل لجنة في كل حي برئاسة رئيس الحي، وتضم في عضويتها أعضاء من شرطة المرافق ومكتب نائب المحافظ والهيئة والرصد البيئي، مهمتها متابعة الأماكن التي يتم فيها إلقاء تلك المخلفات وتشديد الرقابة عليها، قائلا: "أعتقد أن المواطن عليه عبء معنا لمواجهة تلك الظاهرة بالتوقف عن إلقاء مخلفات الهدم والبناء في الشوارع ".

وقال السفير مصطفى الشربيني، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية ورئيس الكرسي العلمي للاستدامة والبصمة الكربونية بالألكسو – جامعة الدول العربية، إن القاهرة والجيزة شهدا خلال السنوات الأخيرة طفرة عمرانية غير مسبوقة، سواء من خلال تنفيذ مشروعات البنية التحتية، أو تطوير المناطق غير المخططة، أو إنشاء المحاور والطرق الجديدة، أو إعادة تخطيط العديد من المناطق القديمة.

وأضاف الشربيني، في تصريحات لـ"الشروق"، أنه لا شك أن هذه النهضة العمرانية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق رؤية مصر 2030، إلا أنها أفرزت في الوقت ذاته تحدياً بيئياً لا يقل أهمية عن مشروعات التنمية نفسها، وهو الارتفاع الكبير في كميات مخلفات هدم المباني والإنشاءات.

وأشار إلى أن هذه المخلفات ليست مجرد أكوام من الطوب والخرسانة، بل تمثل مورداً اقتصادياً ضخماً إذا أُحسن استغلاله، وفي المقابل تتحول إلى مصدر خطير للتلوث البيئي إذا تُركت دون إدارة علمية متكاملة.

وتابع: ومن واقع خبرتي في مجالات الاستدامة والبصمة الكربونية والعمل المناخي، أؤكد أن التعامل مع مخلفات الهدم أصبح اليوم أحد أهم مؤشرات المدن المستدامة، ولم يعد مجرد ملف يتعلق بالنظافة أو إزالة الإشغالات، بل أصبح قضية ترتبط بالتغيرات المناخية، والاقتصاد الدائري، وكفاءة استخدام الموارد، وخفض الانبعاثات الكربونية.

وفيما يتعلق بالآثار البيئية السلبية الناتجة عن الإلقاء العشوائي لمخلفات الهدم، أوضح أن أول هذه الآثار هو تلوث الهواء، حيث تتسبب أكوام الخرسانة والطوب المفتت في انبعاث كميات هائلة من الأتربة والجسيمات الدقيقة، خاصة مع حركة المعدات الثقيلة أو الرياح، وتعد هذه الجسيمات من أخطر الملوثات الهوائية، لما لها من تأثير مباشر على صحة الإنسان، إذ تزيد من معدلات الإصابة بالربو، وحساسية الصدر، وأمراض الجهاز التنفسي، فضلاً عن تأثيرها على مرضى القلب وكبار السن، بالإضافة إلى أن هذه المخلفات تؤدي إلى تشويه المشهد الحضاري للعاصمة.

واستكمل: "من الجوانب التي قد لا يلتفت إليها كثيرون أن مخلفات الهدم تمثل أحد أسباب زيادة الانبعاثات الكربونية بصورة غير مباشرة، فعندما يتم التخلص من الخرسانة والطوب في المدافن بدلاً من إعادة تدويرها، نضطر إلى استخراج كميات جديدة من الرمال والزلط والأحجار من المحاجر لإنتاج مواد بناء جديدة، وهو ما يعني استهلاكاً أكبر للطاقة والوقود، وزيادة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فضلاً عن استنزاف الموارد الطبيعية".

وأشار إلى أنه في بعض الحالات يتم التخلص من مخلفات الهدم داخل الأراضي الزراعية أو على حواف الترع والمصارف، وهو ما يؤدي إلى تدهور التربة، وتعطيل حركة المياه، ورفع مخاطر التلوث والانسدادات، فضلاً عن فقدان مساحات من الأراضي الزراعية التي تمثل ثروة قومية لا يمكن تعويضها، لافتا إلى أن تراكم هذه المخلفات يخلق بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والقوارض، ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث المرورية نتيجة تضييق الطرق أو حجب الرؤية، خاصة في المناطق المزدحمة.

وفيما يتعلق بكيفية تحويل هذه المشكلة إلى فرصة، أوضح الشربيني، أنه يجب تبني مفهوم الاقتصاد الدائري، وهو أحد أهم المفاهيم التي تتبناها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حالياً، ويقوم هذا المفهوم على اعتبار المخلفات مورداً اقتصادياً يعود مرة أخرى إلى دورة الإنتاج بدلاً من التخلص منه، قائلا: "الخرسانة المكسرة يمكن استخدامها في طبقات أساس الطرق، والطوب يمكن إعادة تدويره، والحديد يمكن صهره وإعادة استخدامه، كما يمكن الاستفادة من بعض المخلفات في تصنيع منتجات بناء جديدة".

من جهته، حذر الحسين حسان، خبير التنمية الحضارية، من أن مخلفات الهدم ليست مجرد مشكلة نظافة، بل تمثل تحديا بيئيا واقتصاديا، موضحا أنه فيما يتعلق بالتلوث البصري، تتسبب هذه المخلفات في انسداد بعض شبكات تصريف مياه الأمطار وإعاقة حركة السير، بجانب احتملات وقوع حوادث نتيجة تضييق الطرق.

وأضاف حسان لـ"الشروق"، أن تراكم الأتربة وبقايا الخرسانة يؤدي إلى زيادة معدلات الغبار، وهو ما ينعكس بالسلب على الصحة العامة، خاصة لدى كبار السن والأطفال ومرضى الجهاز التنفسي.

وأكد أن التوسع في إعادة تدوير مخلفات الهدم يمثل فرصة اقتصادية، حيث يمكن استخدامها في إنتاج مواد تدخل في مشروعات الطرق والبنية التحتية، وهو ما يقلل من حجم المخلفات ويوفر موارد جديدة.

من جهته، قال حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن التخلص العشوائي من مخلفات البناء يهدر كميات كبيرة من المواد التي يمكن إعادة تدويرها والاستفادة منها في أعمال الرصف أو تصنيع بعض مواد البناء.

وأكد عرفة لـ"الشروق"، أن الحل يبدأ بالرقابة، أي أن المواجهة لا تقتصر على رفع المخلفات بعد إلقائها، بل تعتمد على منع المخالفة من الأساس، مشيرا إلى أن إصدار تراخيص الهدم أو البناء يجب أن يكون مصحوب بخطة واضحة للتخلص من المخلفات، مع إلزام المقاول بإثبات نقلها إلى المواقع المعتمدة.

وطالب بضرورة تغليظ العقوبة على المخالفين، وربطها بقيمة المشروع، من شأنه الحد من الظاهرة بصورة كبيرة، خاصة مع تكثيف الحملات الرقابية، منوها إلى أهمية إنشاء منظومة إلكترونية لتتبع سيارات نقل مخلفات البناء، بما يسمح بمعرفة خط سيرها والتأكد من وصولها إلى المدافن أو مواقع التدوير المعتمدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved