أشجار مصر بين الفحم والظل.. ماذا نخسر بالقطع وماذا تكلفنا إعادة زراعتها؟
آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 11:28 ص بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين
حالة من الغضب أثارتها إزالة عدد من الأشجار، خاصة الأشجار المعمرة التي تجاوز عمر بعضها عشرات السنين، وتتزايد التساؤلات حول جدوى هذه الإزالات، وتكلفة إعادة التشجير، فضلًا عن مدى ملاءمة الأنواع الجديدة للبيئة المصرية وقدرتها على تحقيق التوازن البيئي والحفاظ على المساحات الخضراء.
وترصد «الشروق» في التقرير التالي آراء المتخصصين حول قيمة الأشجار المعمرة، وإمكانية تعويضها، وتكلفة إعادة التشجير، وأفضل الأنواع الملائمة للبيئة.
-أستاذ زراعة عن قطع الأشجار: تهور وكارثة بيئية
تهور غير محسوب وكارثة بيئية، بهذه الكلمات وصف الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة، أزمة إزالة الأشجار الأخيرة، في تصريحاته لـ«الشروق»، مشيرا إلى أهمية مساحات الظل خاصة أن مصر تعتبر بلدًا صحراويًا يعاني من ارتفاع درجات الحرارة ومحدودية المساحات الخضراء.
وأضاف نور الدين: مصر بدأت من 20 سنة الاهتمام بإنشاء الأحزمة الخضراء حول المدن، مؤكدا أن الشجرة الواحدة تخفض درجة الحرارة تحتها من 4 إلى 8 درجات، كما تحسن الشكل الجمالي للمدن، وتدعم الحالة النفسية، وتساعد على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين والمساهمة في تحسين جودة الهواء، والحد من تأثير الرياح المحملة بالأتربة والجسيمات الدقيقة، خاصة خلال فترات رياح الخماسين، لمساعدة مرضى الحساسية المزمنة.
-الأشجار المعمرة وتوفير الكهرباء.. كيف ترتبط المساحات الخضراء بالطاقة؟
وكشف نور الدين صعوبة تعويض الأشجار المعمرة التي استمرت لعشرات السنين، موضحًا أن إزالة شجرة كبيرة وزراعة شتلة صغيرة مكانها لا يعوض قيمتها البيئية بشكل فوري، لأن الشجرة الجديدة تحتاج سنوات طويلة حتى توفر القدر نفسه من الظل والفوائد البيئية، كما يمكن من خلال تقليم الأجزاء المتضرر من بعضها أن تتجدد وتنمو مرة أخرى، لأنها تعمد على المياه الجوفية في الري ولا تحتاج إلى تكاليف ري وتسميد وعمال متابعة بخلاف نظيرتها الحديثة.
وأرجع ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة خاصة في المدن إلى نقص الأشجار والمساحات الخضراء، مشيرًا إلى أن وجود الأشجار يوفر مساحات ظل تساعد المواطنين على تحمل ارتفاع درجات الحرارة وخفض تكاليف استخدام الكهرباء لتشغيل التكييفات والمراوح.
-أشجار الشوارع جزء من تاريخ مصر لا يجب هدمه
وأشار أستاذ الزراعة، إلى اهتمام مصر منذ العصر الخديوي والملكي بزراعة الأشجار على جانبي الطرق الزراعية، للاستفادة منها في توفير الظل وتقليل تأثير الرياح، إلى جانب إضفاء شكل جمالي على الطرق، متابعا: "بعض الأشجار الموجودة في شارع جامعة الدول العربية عمرها يرجع لستينيات القرن الماضي، وفي مناطق تانية زي الدقي، فيه أشجار قديمة ارتبطت بفترة إنشاء جامعة القاهرة وتشجير المنطقة المحيطة بها، وعمر بعض الأشجار دي يتجاوز 150 سنة".
-هل أشجار الفيكس مناسبة للبيئة المصرية؟
وحول ما يثار عن أشجار الفيكس وتأثيرها على البنية التحتية أو استهلاكها للمياه، قال نور الدين، إن الحكم على الشجرة يجب أن يرتبط بنوعها ومكان زراعتها، وليس بتعميم واحد على جميع الحالات، لافتًا إلى أن أشجار الفيكس تُعد من الزراعات الحديثة نسبيًا مقارنة بأنواع الأشجار التي زُرعت في عهد الدولة الخديوية وأسرة محمد علي، والتحفظ عليها، لأنها عرضة أكبر لانتقال الآفات والأمراض، والتي شملت الكافور والكازورينا وغيرها من الأشجار الكبيرة التي توفر مساحات واسعة من الظل، وينصح بها في البيئة المصرية.
واتفق معه في الرأي الدكتور عمرو ربيع، أستاذ ورئيس قسم الأشجار الخشبية والغابات بمعهد بحوث البساتين بمركز البحوث الزراعية، قائلًا: الاعتماد على الفيكس باعتباره نوعًا سائدًا في العديد من المناطق جاء لسرعة نموه وقابليته للتشكيل، لكنه غير مناسب للزراعة في مصر، وهناك أنواعًا أخرى يمكن استخدامها في التشجير، خاصة في المناطق الحارة، ومنها الكاسيا والبونسيانا، بما يحقق فوائد بيئية وجمالية ويساعد في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن وينصح به في مصر.
وأوضح ربيع، أن التنوع في الأنواع الشجرية له أهمية بيئية وعلمية، لأنه يساعد في الحفاظ على التوازن البيولوجي ويحد من احتمالات انتشار بعض الآفات والأمراض من منطقة إلى أخرى، خاصة مع اختلاف الظروف المناخية بين المناطق، معقبًا: بعض أنواع الأشجار تصلح بصورة أفضل في محافظات الصعيد، ومنها الكافور والأكاسيا والنيم والزنق، بينما توجد أنواع أخرى تناسب الإسكندرية ومطروح والمناطق الساحلية، كما توجد أنواع تصلح لمحافظات الوادي والدلتا.
-تكلفة التشجير ولماذا نلجأ للأشجار المثمرة؟
وأوضح دكتور ربيع، أن تكلفة التشجير لا يمكن تحديدها برقم ثابت، لأنها تختلف حسب عدد الأشجار وحجم الشتلات ومصدر المياه وطبيعة المكان ووجود شبكة ري من عدمه، مشيرًا إلى أنه يمكن الاعتماد على المياه العكرة أو مياه الصرف المعالجة بدلًا من مياه الشرب، وهو ما قد يقلل من تكلفة الري والمعالجة
كما شدد على أن تعويض الأشجار المزالة لا يعني زراعة شجرة صغيرة مكان شجرة كبيرة فقط، لأن الشجرة الكبيرة تحتاج سنوات حتى تؤدي الوظائف البيئية نفسها، ولذلك اقترح زراعة ما بين 5 و10 أشجار مقابل كل شجرة يتم قطعها، مع ضمان استمرار رعايتها، لتؤدي نفس التأثير في خفض حرارة المدن وتقلل احتياجات التبريد واستهلاك الطاقة وتساهم في إطالة عمر طبقة الأسفلت بنحو 3 إلى 5 سنوات.
وطالب بتقنين قطع الأشجار ووضع قانون موحد ينظم التعامل معها، متابعا: "لابد من تقنين قطع الأشجار ووضع قانون موحد لكل الجهات، لأن تنفيذ الطرق والمشروعات مش معناه إننا نشيل كل الأشجار، وفي أوقات ممكن نلاقي حلول هندسية نحافظ بيها عليها، وكمان التشجير استثمار له عائد اقتصادي من الأخشاب، وبيئي هام جدا ومصر عندها فرصة كبيرة للتوسع فيه بسبب سرعة نمو الأشجار عندنا".
وحول زراعة الأشجار المثمرة في الشوارع، أوضح الدكتور ربيع أن الأمر يحتاج إلى دراسة طبيعة المكان واحتياجات هذه الأشجار من الري والتقليم والتسميد ومكافحة الآفات، مشيرًا إلى أن وجود الثمار قد يؤدي أحيانًا إلى تجمع المواطنين حولها والإضرار بالأشجار، لذلك يجب اختيار الأنواع المناسبة لكل مكان.
-الأشجار المقطوعة.. هل تتحول إلى فحم؟
واختتم الدكتور نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة، حديثه بأن قطع الأشجار لإنتاج الفحم قد يحقق عائدًا اقتصاديًا، خاصة مع إمكانية تصديره بعد مروره بمراحل طويلة لإعداده وتأهيله، لكن لا يجب أن يأتي ذلك على حساب البيئة وصحة المواطنين، موضحا أن إزالة الأشجار قد تكون ضرورية في بعض المشروعات الخدمية، لكن يجب أن تتم في أضيق نطاق، مع تعويض الأشجار المزالة.