الغابات الشجرية في مصر.. حل طبيعي لمواجهة التصحر وفرص واعدة للاقتصاد الأخضر
آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 12:37 م بتوقيت القاهرة
أدهم السيد ودينا النجار ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين
في ظل تزايد تداعيات التغير المناخي وندرة المياه واتساع رقعة التصحر، تتجه الأنظار إلى الحلول المعتمدة على الطبيعة باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في مواجهة التحديات البيئية، ومن بينها التوسع في إنشاء الغابات الشجرية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور جمال الأفندي، أستاذ المناخ والبيئة بقسم الزراعة والعلوم البيئية بجامعة توسكيجي بالولايات المتحدة الأمريكية، وخبير التغيرات المناخية بالأمم المتحدة، من خلال حديثه لـ"الشروق"، إن إنشاء الغابات الشجرية يمثل فرصة مهمة لمصر، ليس فقط لزيادة المساحات الخضراء، وإنما أيضا لمواجهة التصحر وتحسين البيئة ودعم بعض الأنشطة الاقتصادية الخضراء المرتبطة بالأخشاب والمنتجات النباتية.
-هل تسمح طبيعة مصر بإنشاء غابات شجرية؟
أوضح الدكتور جمال الأفندي، أن طبيعة مصر الجافة وشبه الجافة لا تمنع التوسع في إنشاء الغابات الشجرية، لكن نجاح هذه المشروعات يرتبط بصورة أساسية بحسن إدارة الموارد المائية، واختيار الأنواع النباتية التي تتلاءم مع الظروف البيئية والمناخية لكل منطقة.
وأضاف، أن مصر تتمتع بعدد من المقومات التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال، من بينها توافر الإشعاع الشمسي على مدار العام وطول موسم النمو، فضلا عن وجود مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية التي يمكن استثمارها في إقامة الغابات دون التأثير على الأراضي الزراعية المنتجة.
وأشار، إلى أن ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة ووجود مناطق تعاني من ارتفاع الملوحة تمثل تحديات أمام التوسع في هذه المشروعات، وهو ما يتطلب الاعتماد على مصادر مائية مناسبة، وفي مقدمتها المياه المعالجة، إلى جانب استخدام نظم ري ذات كفاءة مرتفعة.
ولفت إلى إمكانية الاستفادة من المناطق المحيطة بمحطات معالجة المياه وأطراف المدن الجديدة، وبعض المناطق الصحراوية القريبة من وادي النيل وقناة السويس في إقامة الغابات الشجرية، وفقا لمدى ملاءمة كل موقع من الناحية البيئية والمائية.
-الغابات الشجرية تختلف عن التشجير التقليدي
وأوضح أن هناك فرقا بين إنشاء الغابات الشجرية وبين عمليات التشجير التقليدية، إذ إن الغابة الشجرية تختلف عن مجرد زراعة عدد من الأشجار، وتمثل منظومة متكاملة تقام على مساحات واسعة وفق تخطيط وإدارة طويلي المدى.
وقال إن الغابات الشجرية يمكن أن تؤدي وظائف بيئية واقتصادية متعددة، من بينها إنتاج الأخشاب وامتصاص الكربون وتحسين جودة الهواء والحد من تدهور الأراضي، بينما يرتبط التشجير التقليدي غالبا بزراعة الأشجار في الشوارع والحدائق والساحات العامة لأغراض جمالية أو خدمية.
وأضاف أن الأشجار داخل المدن تؤدي بدورها وظائف مهمة، من بينها توفير الظل والمساعدة في تحسين البيئة الحضرية وخفض درجات الحرارة، إلا أن طبيعتها وأهداف زراعتها تختلف عن الغابات التي تنشأ على مساحات واسعة وتدار وفق أهداف إنتاجية وبيئية محددة.
-ما الأشجار المناسبة للظروف المصرية؟
وأشار الأفندي، إلى أن اختيار أنواع الأشجار يمثل أحد أهم عوامل نجاح الغابات الشجرية في مصر، موضحا أن الأفضل هو الاعتماد على الأنواع القادرة على تحمل الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة ومستويات الملوحة المختلفة وفقا لخصائص كل موقع.
وذكر من بين الأنواع التي يمكن الاستفادة منها الكافور والكازورينا والأكاسيا،د والكايا الإفريقية، إلى جانب الجوجوبا والجاتروفا، موضحا أن لكل نوع خصائص يمكن الاستفادة منها في تحقيق أهداف مختلفة، فالكافور يتميز بسرعة النمو وإنتاج الأخشاب، بينما يمكن استخدام الكازورينا كمصدات للرياح وحواجز للرمال، في حين تتمتع الأكاسيا بقدرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية.
وأشار إلى أن الكايا الإفريقية يمكن الاستفادة منها في إنتاج الأخشاب عالية الجودة، بينما تدخل زيوت الجوجوبا في عدد من الصناعات المتخصصة، كما تحظى الجاتروفا باهتمام في مجال إنتاج الوقود الحيوي. وأضاف أن التنوع بين الأنواع المختلفة يساعد على تعزيز استقرار الغابة وزيادة قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية والمناخية وتنويع العائد الاقتصادي منها.
-فوائد الغابات تتجاوز زيادة المساحات الخضراء
وأكد الأفندي، أن أهمية الغابات الشجرية تمتد إلى مواجهة عدد من المشكلات البيئية، وفي مقدمتها التصحر لأن الأشجار تساعد على تثبيت التربة والحد من انجرافها، كما يمكن أن تسهم في الحد من زحف الرمال باتجاه المناطق الزراعية والعمرانية، إلى جانب تحسين بعض خصائص التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
وأضاف أن الغابات تؤدي دورا مهما في مواجهة تغير المناخ من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في الكتلة الحيوية والتربة، وهو ما يجعل زراعة الأشجار إحدى الوسائل الطبيعية للمساهمة في الحد من تراكم الكربون في الغلاف الجوي.
وأشار إلى أن الأشجار تسهم كذلك في تحسين جودة الهواء من خلال احتجاز جزء من الملوثات والجسيمات العالقة، إلى جانب دورها في تلطيف المناخ المحلي من خلال توفير الظل وعمليات التبخر والنتح، بما يساعد على خفض درجات الحرارة والتخفيف من تأثير موجات الحر.
-عوائد اقتصادية وفرص جديدة
ولفت الدكتور جمال الأفندي، إلى أن الغابات الشجرية يمكن أن تحمل أيضا عوائد اقتصادية، من خلال إنتاج الأخشاب والمنتجات الغابية المختلفة، إلى جانب الاستفادة من بعض الأنواع في إنتاج الزيوت والوقود الحيوي.
وأضاف أن التوسع في هذه المشروعات يمكن أن يفتح المجال أمام توفير فرص عمل في مجالات الزراعة والإدارة البيئية والصناعات المرتبطة بالمنتجات الشجرية، بالإضافة إلى الاستفادة من أسواق الكربون وبرامج التمويل المناخي.
-الإدارة والاستدامة شرط أساسي للنجاح
وشدد الدكتور جمال الأفندي على أن نجاح التوسع في الغابات الشجرية في مصر لا يرتبط بمجرد زراعة الأشجار، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ باختيار الموقع والنوع النباتي المناسب، وتوفير مصدر مائي مستدام، ثم وضع برامج للإدارة والصيانة والمتابعة على المدى الطويل.
وأوضح أن إعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب تطبيق نظم الري عالية الكفاءة، يمكن أن يساعد في التعامل مع أحد أبرز التحديات التي تواجه هذه المشروعات، وهو محدودية الموارد المائية. كما أن نجاح الغابات الشجرية يحتاج كذلك إلى سياسات وتشريعات تضمن حماية الأراضي المخصصة لها واستمرار إدارتها، مع وضع خطط واضحة للتوسع والتطوير وعدم التعامل معها باعتبارها مشروعات قصيرة الأجل.