لماذا نرى أنفسنا في أبطال الشاشة؟.. متخصصون يكشفون أسرار تعلق الجمهور بالشخصيات الدرامية

آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 3:23 م بتوقيت القاهرة

الشيماء أحمد فاروق

ضمن فعاليات مهرجان ميدفست مصر في دورته الثامنة، أقيمت جلسة نقاشية بعنوان "أفلام جوانا: عن معاركنا الداخلية"، أدارتها هبة خالد، المعالجة الأسرية والاستشارية واستراتيجية الاتصال الإعلامي، بمشاركة الدكتور مصطفى النحاس، استشاري الطب النفسي، والدكتور مينا النجار، رئيس المهرجان والشريك المؤسس.

ناقشت الجلسة العلاقة بين المشاهد والعمل الفني، وكيف يمكن للأفلام والمسلسلات أن تلمس تجاربنا وذكرياتنا ومخاوفنا، وتدفعنا إلى رؤية أجزاء من أنفسنا داخل الشخصيات، إلى جانب الحديث عن تأثير التمثيل وصناعة الشخصيات على الحالة النفسية للفنان.

لماذا يرى الإنسان نفسه في بعض الأبطال والشخصيات؟

افتتحت هبة خالد الجلسة بفكرة أن الإنسان، إلى جانب حياته التي يراها من حوله، يحمل داخله حياة أخرى لا يعرفها أحد، موضحة أن كل شخص قد يرى نفسه أو أحد أفراد عائلته أو تجاربه الخاصة في عمل فني يشاهده.

وقالت إن مشاهدة فيلم أو مسلسل قد تجعل الإنسان يكتشف "فيلم تاني داير جواه"، وهو ما يطرح سؤالا حول الأسباب التي تجعل شخصية بعينها تلمسنا، بينما تمر شخصيات أخرى دون التأثير نفسه.

ومن هذه النقطة، وجهت هبة خالد سؤالها إلى الدكتور مصطفى النحاس حول أسباب انعكاس الشخصيات الدرامية على المشاهد، ولماذا يرى الإنسان نفسه في بعض الأبطال والشخصيات؟.

أوضح النحاس أن ارتباط المشاهد بالشخصيات الدرامية يحدث لأسباب متعددة؛ يأتي في مقدمتها ما يعرف بالـ"Identification"، أو التماهي مع الشخصية، بحيث يرى الإنسان جزءا من نفسه في البطل أو يشعر أن الشخصية تعبر عن شيء لا يستطيع هو التعبير عنه.

وأشار إلى أن المشاهد قد يشعر بالتعاطف مع وجع الشخصية، أو يرى فيها انعكاسا لتجربة يعيشها، أو يشعر أنها تمنحه إحساسا بالتحرر من معاناة يمر بها.

ولفت إلى أن تأثير الأعمال قد يصل أحيانا إلى العيادة النفسية، مستشهدا بظاهرة التشخيص الذاتي التي تنتشر مع الأعمال التي تتناول الاضطرابات النفسية، مثلما حدث بعد عرض مسلسل "خلي بالك من زيزي"، حيث بدأ بعض الأشخاص في الاعتقاد بأنهم مصابون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

وأوضح الدكتور مصطفى النحاس أن الإنسان قد يستخدم الشخصيات الدرامية أحيانا لوصف أشخاص حقيقيين في حياته، لأن الشخصية تلمس لديه مشاعر مرتبطة بعلاقاته وتجربته الخاصة، لافتا إلى أن الإنسان يعاني في الأساس من مشكلة في إدارة مشاعره نتيجة تربية تقوم في كثير من الأحيان على كبتها وإنكارها، من خلال رسائل مثل "ما تزعلش" و"ما تعيطش" و"ما تخافش".

ونوه بأن الطفل قد يتعلم أن الحزن يعني الضعف، وأن الخوف يعني الجبن، فيتحول الشعور إلى حكم على الذات بدلا من التعامل معه باعتباره شعورا طبيعيا، مؤكدا أن التعاطف لا يعني أن يرتدي الإنسان مشاعر الآخر أو يعيشها بدلا منه، وإنما أن يستطيع سماع الشعور وفهمه مع الحفاظ على حدود واضحة بين ما يخصه وما يخص الشخص الآخر.

وأوضح النحاس أن هذه القدرة تحتاج إلى تدريب والعمل على النفس، خصوصا بالنسبة للأشخاص الذين يتعاملون يوميا مع عدد كبير من التجارب والمشكلات الإنسانية، وأن الإنسان قد يبحث عن البطل الذي يمثل جزءا من أحلامه أو تطلعاته أو السيناريوهات التي يتخيلها لحياته، وقد يرى نفسه في صورة المنتصر أو الضحية أو الشخص الذي يحاول ولا يصل، كما قد يجد في بعض الأعمال ما يجعله يشعر بأنه الشخص الطيب وسط عالم من الأشخاص السيئين.

وتطرق النحاس إلى مفهوم "العقل الجمعي"، موضحا أن مشاعر شخص واحد داخل المجموعة يمكن أن تؤثر في الآخرين، سواء كانت مشاعر فرح أو خوف أو حزن، وربط ذلك بطريقة استقبال الجمهور للأعمال الفنية، مؤكدا أن الإنسان يبحث بطبيعته عن بطل يحقق من خلاله شيئا، كما يحدث في تشجيع كرة القدم، حيث قد يشعر المشجع بأنه حقق الانتصار بنفسه عندما يسجل اللاعب الذي يشجعه هدفا.

طبيعة العلاقة بين الممثل والشخصيات التي يؤديها

وانتقل النقاش إلى تجربة الفنان، حيث تحدث الدكتور مينا النجار عن طبيعة العلاقة بين الممثل والشخصيات التي يؤديها، وأشار إلى مقولة للدكتور نبيل القط، استشاري الطب النفسي، مفادها أن كل إنسان يحمل داخله شخصيات متعددة، ويمكن للممثل أن "يمد إيده جوه عبايته ويطلع الشخصية"، موضحا أن هذه الفكرة تكشف طبيعة الأدوات التي يعمل بها الممثل.

وقال النجار إن الفنان، مثل أي إنسان، يلتقط تفاصيل ومشاعر وصورا من الحياة منذ طفولته، ثم قد تعود هذه التفاصيل إلى الظهور عندما يحتاج إليها في أداء شخصية ما.

وأوضح أن الخلافات بين البشر يمكن أحيانا النظر إليها باعتبارها "مشاعر ضلت طريقها"، وأن قدرة الفنان لا تقتصر على إخراج ما يلتقطه من الحياة على الشاشة، وإنما تشمل أيضا فهم هذه المشاعر والتعبير عنها في علاقاته وحياته.

وتحدث النجار عن شخصية "نعمان" التي قدمها في مسلسل "ريفو"، موضحا أن الشخصية، رغم إمكانية وصفها من الخارج بأنها خائنة أو استغلالية أو وصولية، فإنها لا ترى نفسها بهذه الصورة، وإنما تمتلك مبرراتها الخاصة لسلوكها.

وأكد أن الممثل الجيد لا يتعامل مع الشخصية باعتبارها شرا مطلقا أو خيرا مطلقا، وإنما يحاول فهم دوافعها من دون الحكم عليها.

وأشار إلى أن شخصية نعمان أثرت فيه، خاصة في الجزء المتعلق بعلاقته بوالده في الموسم الثاني، موضحا أن العمل أعاده إلى ذكريات مرتبطة بطفولته وبشكل الحياة في أجيال سابقة.

وفي حديثه عن تأثير العمل على الجهاز العصبي للممثل، أكد الدكتور مصطفى النحاس أن طبيعة التمثيل تتطلب مهارات تساعد الفنان على العودة إلى اللحظة الحالية، مشددا على أهمية اليقظة الذهنية والقدرة على إدارة المشاعر.

وأوضح أن الممثل قد ينتقل خلال اليوم الواحد بين حالات نفسية متناقضة، ما يجعل الجهاز العصبي في حالة استنفار متكرر، ولذلك يحتاج الفنان إلى معرفة كيفية الخروج من الشخصية ومشاعرها، والحفاظ على دوائر داعمة في حياته.

وأشار إلى أن بعض الفنانين قد يفقدون الإحساس بهويتهم خارج الأدوار، فيتحول التمثيل بالنسبة لهم إلى وسيلة للهروب من المشاعر بدلا من التعامل معها، مؤكدا أن العناية بالنفس والقدرة على البقاء "حقيقيا" و"متجذرا" في الحياة اليومية من المهارات الأساسية لاستمرار الفنان.

وفي حديثه عن إمكانية رفض دور بسبب تأثيره المحتمل على الجمهور، أشار مينا النجار إلى أن المخاطرة جزء من طبيعة العمل كممثل، مؤكدا أن الشخصية الدرامية لا ينبغي أن تبنى على الأبيض والأسود.

وأوضح أن الممثل يحاول دائما البحث عن مبررات الشخصية من دون إصدار حكم عليها، وهو ما يسمح للدراما بأن تضع الجمهور في منطقة رمادية، لا يعرف فيها تماما ما إذا كان يحب الشخصية أم يكرهها.

وأكد أن أكثر اللحظات الدرامية تأثيرا هي تلك التي تجعل المشاهد مترددا تجاه الشخصية، فلا يستطيع أن يضعها بسهولة في خانة الخير أو الشر.

كما ناقشت هبة خالد ظاهرة التعلق الشديد بالفنانين، ولماذا قد يشعر الجمهور بأن فنانا بعينه أصبح جزءا من حياته.

وأوضح الدكتور مصطفى النحاس أن التعلق بالفنان له مستويات متعددة، قد يصل بعضها إلى مستوى مرضي، بينما يرتبط في حالات أخرى بالإعجاب والتعلق العاطفي، مشيرا إلى أن الجمهور يصنع أحيانا صورة مثالية للفنان، ويربط بها احتياجاته الخاصة؛ كالحاجة إلى أن يكون محبوبا أو مقدرا أو مصحوبا بالونس، فيتحول الفنان إلى صورة للشخص الذي يتمنى المشاهد وجوده في حياته.

وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من هذا النوع من التعلق، بعدما أصبح الجمهور قادرا على رؤية الفنان من زوايا متعددة، وليس فقط من خلال أعماله، مؤكدا أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى مرحلة يعيشون فيها أحلام يقظة وسيناريوهات متخيلة يكون الفنان جزءا منها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved