انتصار جديد للشعبوية في أوروبا.. قصة حزب فوكس أكبر المستفيدين من الانتخابات الإسبانية
آخر تحديث: الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 - 4:20 م بتوقيت القاهرة
محمد بصل:
على وقع أزمات اقتصادية وسياسية يعدها مراقبون "الأقسى" في تاريخ المملكة الإسبانية بشكلها الحديث الذي نشأ بعد وفاة الديكتاتور الشهير فرانشيسكو فرانكو عام 1975، انتهت الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في إسبانيا أمس الأول بنتائج قريبة من التوقعات، باحتفاظ حزب العمال الاشتراكي PSOE بالأكثرية النيابية واقتراب رئيسه بيدرو سانشيز من تشكيل حكومة جديدة مع انخفاض طفيف في عدد مقاعده، وتحقيق حزب اليمين المتطرف "فوكس" (Vox بوكس باللغة الإسبانية) فوزاً كبيراً باحتلاله المركز الثالث في عدد المقاعد، خلف حزب الشعب المحافظ PP الذي حل في المركز الثاني، بينما مني حزب المواطنين Cs بخسارة فادحة أدت إلى استقالة رئيسه الشاب ألبرت ريفيرا.
شارك في الانتخابات 24 مليونا و365 ألفا و851 مواطنا، بنسبة مشاركة 69.9% إلاّ أن هذه النسبة ورغم ارتفاعها المطلق لكنها تعبر عن أزمة سياسية حادة، حيث انخفضت بحوالي 2% عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في أبريل الماضي.
واحتفظ حزب العمال الاشتراكي، اليساري، بأكثرية عدد المقاعد في البرلمان، حيث فاز بـ 120 مقعداً، بنسبة 28%، لكنه خسر 3 مقاعد عن انتخابات أبريل.
وحل منافسه التقليدي حزب الشعب، المحافظ التقليدي، في المركز الثاني، حيث فاز بـ 88 مقعداً، بنسبة 20.8%، محققاً طفرة قوامها استرداد 22 مقعداً كان قد خسرها في انتخابات أبريل.
وفي المركز الثالث جاء حزب فوكس، اليميني المتطرف، بفوزه بـ 52 مقعداً، بنسبة 15.1%، محققا أكبر طفرة قوامها 28 مقعداً قياساً بانتخابات أبريل.
وفي المركز الرابع جاء حزب أونيداس بوديموس، اليساري المتشدد، بفوزه بـ26 مقعداً، بنسبة 9.8%، متعرضاً لفقد 7 مقاعد كانت بحوزته.
وفي المركز الخامس جاء حزب اليسار الجمهوري الكتالوني، بحصوله على 13 مقعداً، بنسبة 3.6%، بعدما فقد مقعدين.
وفي المركز السادس جاء الخاسر الأكبر حزب المواطنين، يمين الوسط، وحصل على 10 مقاعد فقط بنسبة 6.8%، بعد خسارة 47 مقعداً.
ومن المستحيل مشاركة فوكس في الحكومة، بالنظر لتصريحات رئيس الوزراء سانشيز عن استعداده للمشاركة مع الجميع "عدا هؤلاء الذين ينشرون الكراهية" وكذلك تصريحات القائمة بأعمال نائب رئيس الوزراء كارمن كالفو عن "ضرورة مواجهة اليمين المتطرف الذي يروج لأفكار غير دستورية".
لكن النتائج تتيح فرصة مناسبة كي يلعب فوكس دور المعارض الأبرز والأكثر حركة على الأرض لسياسات الحكومة الجديدة، خاصة إذا استمرت أزمة كتالونيا مشتعلة.
ما هي أفكار فوكس؟
الانتخابات تعبر بوضوح عن تنامي المزاج اليميني المتشدد في المجتمع الإسباني، كما كانت تتوقع التحليلات السياسية قبل عدة أيام، وشأن الأحزاب اليمينية المتطرفة التي برزت في أوروبا مؤخراً، يناهض فوكس الترحيب بالمهاجرين، والمثلية الجنسية، والتحول الجنسي، ويعارض التوسع في الحديث عن حقوق النساء، كما يعارض الحق في الإجهاض.
وكان الحزب قد بدأ حملته قبل انتخابات أبريل الماضي من قرية كوفادونجا الصغيرة والفقيرة التي تقع في إقليم أستورياس شمال البلاد، حيث تعمد أباسكال مخاطبة عشرات المواطنين وممثلي وسائل الإعلام من أمام تمثال الملك القوطي بيلايو الذي حقق أول انتصار للإسبان المسيحيين على المسلمين في معركة كوفادونجا (مغارة دونجة) التي وقعت عام 718 ميلادية قبل سقوط غرناطة بنحو 7 قرون، ويؤرخ لها باعتبارها انطلاقة حروب طرد المسلمين من شبه جزيرة إيبيريا.
ومقابل هذا التشدد الذي يظهره الحزب تجاه العرب والمسلمين، فإنه يشجع استقبال مواطني أمريكا اللاتينية المتحدثين بالإسبانية.
ويتبنى فوكس رؤية متشددة تجاه مناطق الحكم الذاتي في إسبانيا، وعلى رأسها مقاطعة كتالونيا، حيث يرفض بشدة انفصالها، ويرى ضرورة عدم منح سلطات الحكم السيادية لحكومات المقاطعات، ويتهم الحكومة بأنها تتعامل "بتواطؤ ودون حسم" مع أزمة مطالبة بعض الأحزاب والكيانات باستقلال الإقليم، وأن "الاشتراكيين لا يواجهون بقوة محاولات الانفصال الإجرامية".
واستغل فوكس زيادة نسبة المهاجرين من الدول العربية والإسلامية بين عامي 2017 و2018 ليحقق انتشاراً واسعاً في أوساط المجتمعات القروية الفقيرة والأكثر احتياجاً، ويلعب على وتيرة الغضب الشعبي المتزايد من ارتفاع نسبة البطالة، وكذلك حالة عدم الاستقرار جراء استمرار أزمة كتالونيا.
راديكالية أم انتهازية؟
ويرى البعض في إسبانيا أن الحزب الذي تأسس في 2014 يتاجر بالأفكار اليمينية المتشددة، ليبدو مختلفاً عن باقي الأحزاب اليمينية والمحافظة التقليدية، خاصة وأن قيادات الحزب وعلى رأسهم سانتياجو أباسكال كان عضواً بارزاً بحزب الشعب، قبل الانشقاق عنه.
ويبدو أن هذا التحليل له وجاهته، فأباسكال قبل إنشائه الحزب لم يكن يطرح على نطاق واسع أفكاراً شعبوية بامتياز، كمكافحة مساعي البعض لمنع لعبة مصارعة الثيران.
وبالنظر لانتخابات أبريل الماضي، فحزب فوكس وقتها كان قد دخل البرلمان للمرة الأولى، ومثله 24 نائباً، وصفهم رئيس الحزب سانتياجو أباسكال آنذاك بأنهم "فخر الهوية الإسبانية".
وفي برلمانات المناطق تمكن فوكس في 2018 من حصد 12 مقعداً في إقليم الأندلس جنوبي البلاد والذي شهد موجة هجرة أكبر من باقي الأقاليم، ثم حصل هذا العام على 12 مقعداً في إقليم العاصمة مدريد.
كما حصل فوكس على 10 مقاعد في فالنسيا، و4 مقاعد في مورسيا، و3 مقاعد في كل من أراجون وجزر البليار، ومقعدين في كل من أستورياس وكانتابريا، ومقعد في كاستيا.
محطة أوروبية جديدة!
كان البرلمان الإسباني حتى دخول فوكس في أبريل الماضي شبه خال من اليمين المتطرف المحرض على الكراهية، لكن هذا المد اليميني لا يمكن فصله عن نجاحات متتالية لتيار اليمين الشعبوي المضاد للأجانب في أوروبا في الفترة الأخيرة.
ففي سويسرا؛ أسفرت الانتخابات العامة الشهر الماضي عن احتفاظ حزب الشعب السويسري ممثل اليمين الشعبوي والمناهض للهجرة بالأكثرية بنسبة 25.6% رغم انخفاض شعبيته بشكل عام وفقدانه 12 مقعداً قياساً بانتخابات 2015.
وفي سبتمبر الماضي أسفرت الانتخابات النمساوية عن حصول حزب الحرية FPÖ الذي يمثل أقصى اليمين على المركز الثالث بـ 30 مقعداً ونسبة تتخطى 16% رغم كونه ثاني أكبر المتراجعين عن انتخابات 2017 لفقده 20 مقعداً.
وفي ألمانيا؛ حصد حزب البديل من أجل ألمانيا AFD انتصارات متتالية هذا العام في انتخابات الولايات خاصة في المناطق الشرقية الأقل ثراءً والأكثر بطالة، ففاز بـ38 مقعداً والمركز الثاني في زاكسن، و23 مقعداً والمركز الثاني في براندنبورج، و22 مقعداً والمركز الثاني في تورنجن، ولقي الهزيمة فقط في بريمن بفوزه بـ 5 مقاعد فقط وحلوله خامسا، علماً بأن الحزب له 94 مقعداً في البوندستاج حالياً، و11 مقعداً في البرلمان الأوروبي.
وفي الدنمارك؛ ورغم تراجعه في انتخابات يونيو الماضي إلى أقل من نصف عدد مقاعده التي حصل عليها في 2015، مازال حزب الشعب الدنماركي المناهض للإسلام والمهاجرين العرب يحتل المرتبة الثالثة في البرلمان، بواقع 16 نائباً وبنسبة 8.7% من المقاعد.
وفي السويد؛ يحظى ممثل اليمين المتطرف حزب السويديين الديمقراطيين SD بنسبة 17.5% من مقاعد مجلس النواب بواقع 62 نائباً يمثل بها ثالث أكبر قوة سياسية في البلاد وفق انتخابات 2018.