جلال برجس: الإنسان كائن موسيقي و«معزوفة اليوم السابع» دعوة للتأمل في مصيرنا الإنساني

آخر تحديث: الأربعاء 13 مايو 2026 - 11:27 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

قال الكاتب والروائي الأردني جلال برجس إن الإنسان كان «كائنًا موسيقيًا» قبل أن يصبح كائنًا لغويًا، موضحًا أن الإنسان الأول حين وجد على الأرض «أنصت لصوت الطبيعة ولأصوات الحيوانات وأنصت لنفسه أيضًا»، قبل أن تتشكل اللغة بوصفها وسيلة للتواصل.

وأضاف، خلال استضافته في بودكاست «منبر الحرف» مع الإعلامي محمد بن عبدالله جمعة، أن الإنسان في البدايات «قلّد موسيقى الطبيعة وموسيقى الريح»، معتبرًا أن الموسيقى سبقت اللغة في التكوين الإنساني، قبل أن يبدأ الإنسان بالرسم على جدران الكهوف، وهي الرسومات التي تطورت لاحقًا إلى الأبجدية والكلام.

وأوضح برجس أن اختياره عنوان «معزوفة اليوم السابع»، الصادرة عن دار الشروق، يرتبط بهذه الرؤية، مضيفًا: «فالإنسان في البدء كائن موسيقي قبل أن يكون كائنًا لغويًا»، مشيرًا إلى أن الرواية لا تتعامل مع الموسيقى بوصفها عنصرًا جماليًا فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من الوعي الإنساني الأول ومن العلاقة القديمة بين الإنسان والعالم.

وتحدث الروائي الأردني عن مدينة «الجد الأول» التي تدور فيها أحداث الرواية، حيث يضرب السكان وباء غريب يجعلهم غير قادرين على رؤية أنفسهم في المرايا، وفي الوقت نفسه يدفعهم إلى الوقوع في غرام الموت، في مفارقة تتناقض مع الفطرة البشرية المعتادة.

وأشار إلى أن هذا الوباء الرمزي لا ينفصل عن الواقع الإنساني المعاصر، موضحًا أن الكاتب لا يستطيع الاقتراب من الواقع أو تفكيكه إلا عبر أدوات المخيلة، قائلًا: «إذا كتبت الواقع كما هو سأتمثل دور الكاميرا في التقاط الصور أو تسجيل الفيديو لا أكثر ولا أقل».

وأضاف أن مدينة «الجد الأول» ترمز في الرواية إلى العالم كله، وأن استخدام الفانتازيا والخيال كان وسيلته للوصول إلى أسئلة أعمق تتعلق بالمصير الإنساني وتحولات الإنسان المعاصر، موضحًا أنه أراد من القارئ أن يتأمل نفسه ويتساءل: «ماذا قدمت لهذا المسار الإنساني منذ سيدنا آدم إلى الآن؟».

وأكد برجس أن الرواية تحاول دفع الإنسان إلى استعادة إنسانيته في عالم مرتبك تهيمن عليه التكنولوجيا، مضيفًا: «نحن أصبحنا كائنات لا يتحرك منها إلا الإبهام، أصبحنا عبيدًا للتكنولوجيا وعبيدًا للهاتف النقال»، معتبرًا أن الإنسان المعاصر بات يفقد تدريجيًا قدرته على التعاطف والانتصار للقضايا الإنسانية.

كما شدد على أن الأدب لا يقدم إجابات جاهزة أو رسائل مباشرة، وإنما يضع القارئ داخل سياقات رمزية مفتوحة على التأويل، بحيث يصبح شريكًا في إنتاج المعنى، قائلًا: «أريد للقارئ أن يكون شريكًا في هذه الرواية وشريكًا أيضًا في استنتاجاتها وتأويلها»، موضحًا أن كل قارئ يمكن أن يصل إلى قراءة مختلفة للنص نفسه، وهو ما يمنح الأدب ثراءه ومرونته.


ويُعد جلال برجس من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي المعاصر، إذ تُوِّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن روايته "دفاتر الوراق"، كما وصلت سيرته الروائية "نشيج الدودوك" إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب حضور أعماله في قوائم الجوائز الكبرى، مثل "سيدات الحواس الخمس" و"معزوفة اليوم السابع".
كما حصد برجس جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته "أفاعي النار"، وجائزة رفقة دودين للإبداع السردي عن "مقصلة الحالم"، فضلًا عن جائزة روكس بن زائد العزيزي عن مجموعته القصصية "الزلزال". وقد ترجمت أعماله إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والهندية والإيطالية والفارسية، ما يعكس حضورًا متناميًا لتجربته على الصعيد العالمي.
وتتنوع تجربة برجس بين الشعر، عبر دواوينه "كأي غصن على شجر"، و"قمر بلا منازل"، و"كجرح في نحر أبيض"، وأدب المكان في "شبابيك مادبا تحرس القدس" و"رذاذ على زجاج الذاكرة"، إضافة إلى كتاباته النقدية في "حمى القراءة… دوار الكتابة"، إلى جانب منجزه الروائي والقصصي.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved