من الشارع إلى شاشات الموبايل.. التسول الإلكتروني ظاهرة تمتد في المجتمع تحت غطاء العمل الخيري

آخر تحديث: السبت 13 يونيو 2026 - 11:22 ص بتوقيت القاهرة

محمد صابر

-خبراء ومختصون يحذرون من تنامي الظاهرة

 

لم يعد التسول يقتصر على الأرصفة وإشارات المرور، بل انتقل إلى فضاء أكثر اتساعًا وتأثيرًا عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر يوميًا عشرات الاستغاثات والنداءات الإنسانية التي تطلب المساعدة المالية بدعوى المرض أو الفقر أو التعثر المعيشي، وبينما تنجح بعض هذه الرسائل في جذب تعاطف المواطنين ودفعهم إلى التبرع، تكشف وقائع عديدة أن جزءًا منها لا يتجاوز كونه وسيلة جديدة للنصب والاحتيال وجمع الأموال بطرق غير مشروعة.

ومع تنامي ما يُعرف بـ"التسول الإلكتروني" أو "التسول الرقمي"، تتزايد التساؤلات حول المخاطر الاجتماعية والنفسية والقانونية والدينية المرتبطة بها، فضلًا عن تأثيرها على العمل الخيري وثقة المواطنين في المبادرات الإنسانية.

ترصد "الشروق" آراء خبراء ومتخصصين ومواطنين تعرضوا لهذه الممارسات، للكشف عن أبعاد الظاهرة وسبل مواجهتها.

وقال سامح عبدالحميد، موظف، إنه شاهد على مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" استغاثة لشخص ادعى حاجته إلى أموال لإجراء عملية جراحية عاجلة، وتواصل معه على الخاص وأرسل مبلغًا ماليًا، قبل أن يكتشف أن الصور والمستندات التى قام بإرسالها هى لحالة أخرى.

وأضاف عبدالحميد أن الواقعة جعلته أكثر حذرًا في التعامل مع أي دعوات للتبرع عبر الإنترنت دون التحقق من مصدرها.

وقالت دعاء سعيد، ربة منزل، إنها تعرضت لمحاولة تسول إلكتروني عبر إحدى المجموعات على فيسبوك، بعدما تواصلت معها سيدة ادعت عدم قدرتها على توفير احتياجات أطفالها، وأوضحت أنها كانت على وشك إرسال مبلغ مالى، لكنها اكتشفت بعد البحث أن السيدة تنشر البوست نفسها في عشرات المجموعات بأسماء وبيانات مختلفة او مشاركة مجهولة.

وأوضح أحمد مصطفي، موظف، أنه تلقى رسالة عبر تطبيق "ماسنجر" من سيدة زعمت أنها من فلسطين وتمر بظروف مالية صعبة وحاجته إلى مبلغ بسيط بشكل عاجل، وإرساله على رقم محفظة كاش.

وأضاف مصطفى، أنه برغم من إرسالها بغض الأوراق على الماسنجر إلى أنه قد تواصل معه أحد أصدقائه وأكد أنه طريقة جديدة لشحاته بدل الشوارع، مؤكدًا أن الوعي والتحقق أصبحا ضرورة في ظل انتشار هذه الأساليب.

-الجمعيات الأهلية
وقال رامي يسري، رئيس جمعية "خليك إيجابي"، لـ"الشروق"، إن ظاهرة التسول الإلكتروني شهدت انتشارًا ملحوظًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلة رغبة المواطنين في مساعدة المحتاجين، ما فتح الباب أمام حالات احتيال وجمع أموال بطرق غير قانونية.

وأوضح يسري، أن بعض مروجي الاستغاثات يرفضون تقديم مستندات تثبت صحة الحالات، ويطلبون تحويل الأموال مباشرة عبر المحافظ الإلكترونية، رغم وجود ضوابط قانونية تنظم تلقي التبرعات.

وأضاف يسري، أن الجمعيات الأهلية المعتمدة لا تقدم مساعدات إلا بعد إجراء بحث اجتماعي للتأكد من استحقاق الحالة، مشيرًا إلى أن بعض الوقائع التي تعاملت معها الجمعية كشفت عدم صحة ادعاءات أصحابها بشأن المرض أو الحاجة، ونصح المواطنين بعدم التبرع عبر الإنترنت دون التحقق من المستندات والبيانات، والتعامل مع الجهات الخيرية الموثوقة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.


وقال الدكتور وليد رشاد، أستاذ مساعد علم اجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، لـ"الشروق"، إن "التسول الإلكتروني أو الرقمي" أصبح من الظواهر المتنامية مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يستغل بعض الأفراد المنصات الإلكترونية لجمع الأموال أو الحصول على بيانات شخصية بطرق مضللة.

وأكد رشاد، أن هذه الممارسات تتخذ أشكالًا متعددة، منها حملات التبرعات الوهمية والاستغاثات غير الموثقة والروابط التي تستهدف جمع المعلومات الشخصية والبيانات البنكية.

وأشار رشاد، إلى أن المحتالين يعتمدون على قصص إنسانية مؤثرة لكسب الثقة وجذب التعاطف، بينما تلجأ بعض الحسابات إلى انتحال صفة شخصيات عامة أو مؤسسات خيرية لإضفاء المصداقية على طلباتها.

وأوضح رشاد، أن مواجهة الظاهرة تتطلب التحقق من الجهات والأشخاص القائمين على حملات التبرع، وعدم مشاركة البيانات الشخصية أو البنكية إلا عبر قنوات موثوقة.

وقالت الدكتورة أماني جاد، أستاذ علم النفس، لـ"الشروق"، إن التسول الإلكتروني من أخطر الظواهر الاجتماعية المستحدثة، لقدرته على استغلال المشاعر الإنسانية وتحويل التعاطف إلى وسيلة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وأضافت أمانى، أن سهولة تداول القصص المؤثرة والحسابات الوهمية تجعل من الصعب التمييز بين المحتاج الحقيقي والمحتال، ما يهدد ثقة المجتمع في العمل الخيري ويضر بالحالات المستحقة للدعم. وأشارت إلى أن بعض المحتالين يستخدمون قصص المرض أو معاناة الأطفال والأسر المتعثرة، بل ويلجأون أحيانًا إلى صور ومستندات مزورة لإضفاء المصداقية على ادعاءاتهم.

وشددت أمانى، على أهمية رفع الوعي الرقمي وتوجيه التبرعات عبر الجهات الرسمية والموثوقة، للحفاظ على قيمة التكافل المجتمعي ومنع استغلال مشاعر المواطنين.

وقال الشيخ صلاح منصور، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف بالإسكندرية، إن الإسلام حث على العمل وكسب الرزق الحلال، وجعل السعي والإنتاج من القيم الأساسية التي تحفظ كرامة الإنسان.

وأوضح منصور، أن بعض الأشخاص اتخذوا من التسول وسيلة للكسب رغم قدرتهم على العمل، وتطورت هذه الممارسات إلى ما يعرف بالتسول الإلكتروني عبر نشر معلومات أو قصص غير صحيحة لجمع الأموال.

وأكد منصور، أن الحصول على أموال الناس عن طريق الكذب أو التدليس يعد من أكل أموال الناس بالباطل، كما يؤدي إلى حرمان المحتاجين الحقيقيين من حقوقهم وإضعاف الثقة في العمل الخيري.

ودعا منصور، المواطنين إلى تحري الدقة قبل التبرع عبر الإنترنت، وتوجيه الصدقات والزكاة من خلال الجهات المرخصة أو بعد التأكد من استحقاق الحالات للمساعدة.


وقال محمد علي، محامي، لـ"الشروق": التسول الإلكتروني يمثل امتدادًا رقميًا للتسول التقليدي، حيث تُستخدم منصات التواصل الاجتماعي لنشر استغاثات أو حملات تبرعات غير موثقة بهدف جمع الأموال.

وأوضح أن هذه الممارسات تشمل نشر تقارير طبية مزيفة، وإطلاق حملات خيرية وهمية، أو طلب مساعدات مالية عبر الحسابات الشخصية دون سند قانوني.

ولفت على، إلى أن القانون المصري لا يتضمن نصًا مستقلاً تحت مسمى "التسول الإلكتروني"، إلا أن مرتكبي هذه الأفعال قد يخضعون للمساءلة بموجب قانون مكافحة جرائم المعلومات وقانون العقوبات، خاصة في حالات النصب والاحتيال أو إنشاء حسابات بغرض ارتكاب جرائم إلكترونية.

وأكد أن جمع التبرعات دون التصاريح القانونية اللازمة يعد مخالفة للقانون، داعيًا المواطنين إلى توجيه تبرعاتهم للجهات المرخصة والإبلاغ عن الصفحات والحسابات المشبوهة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved