«حكاية فيصل» عن حلم الاستقلال الذى يطاردنا حتى الآن
آخر تحديث: الجمعة 13 يوليه 2012 - 9:15 ص بتوقيت القاهرة
أحمد عبدالحافظ
السبت 10 يونيو 1916 خرج الشريف حسين بن على إلى شرفة قصره فى مدينة مكة، وأطلق رصاصة من بندقيته معلنا بذلك بداية الثورة العربية الكبرى، منذ تلك اللحظة دخل العالم العربى فى حقبة جديدة من تاريخه لم تتوقف تداعياتها حتى يومنا هذا.
انطلاقا من أهمية هذه اللحظة اختارها الكاتب الدكتور خالد زيادة، ليبدأ معها روايته الجديدة «حكاية فيصل» الصادرة عن دار الشروق، ليروى تفاصيل مهمة فى تاريخ المنطقة العربية، هى مقدمات لما نعيشه الآن، اختار الكاتب أن يروى روايته على لسان راوٍ واحد هو الملك فيصل نفسه.
المؤلف خالد زيادة أستاذ جامعى ويشغل حاليا منصب السفير اللبنانى بالقاهرة، والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية، سبق وأصدر «مدينة على المتوسط ــ ثلاثية» عن دار الشروق، سبقها العلماء والفرنسيس فى تاريخ الجبرتى، الخسيس و النفيس، بوابة المدينة والسور الوهمى، حارات الأهل جادات اللهو.
انهزم الجيش العربى فى يوم 24 يوليو 1920، فى معركة ميلسون التى وقعت قرب دمشق بين الجيش العربى والمتطوعين فى مواجهة الجيش الفرنسى بقيادة الجنرال غورو، فى نهاية هذا النهار وقبل غروب الشمس، بدأ الملك فيصل يتذكر تاريخ بدأ قبل خمس سنوات مع بداية الثورة العربية، التى أطلقها والده لتحقيق حلم العروبة، وبناء الدولة العربية بعد حصولهم على الاستقلال عن خلافة الدولة الدولة العثمانية، وبعد الانقلاب الدستورى فى اسطنبول الذى عزل السلطان عبد الحميد.
سيطر الطابع الدبلوماسى لعمل المؤلف على عرضه حكايته، حيث توقف عند تفاصيل تبدو بسيطة فى حياة الملوك ولكنها بعد وقت يُبنى عليها مصائر أمم، وكيف يضع الأحداث فى سياقاتها لتقرأ صحيحة، ظهرت هذه السمات جلية عندما حكى على لسان الملك فيصل عبارات، «خرج الظابط الفرنسى وصرت وحدى خلف مكتبى فى القاعة الواسعة، ملك وحيد يجابه دولة عظمى بدون جيش أو حكومة وبدون حلفاء وأعوان، وحيد فى هذا العالم المنشغل بقضاياه وحروبه وثرواته، الأمريكان أداروا ظهرهم للعالم بعد أن نشروا الآمال عن حقوق الأمم فى تقرير المصير، والإنجليز غضوا بصرهم لكى لا يغضبوا حليفتهم فرنسا، والألمان يقاومون ضغوط الحلفاء وإذلالهم، والروس مأخذون فى حروبهم الداخلية يثيرون مخاوف أوروبا من انتشار البلشفية، ومصطفى كمال يحقق الانتصارات ولن يتطلع إلى ملك كان خصمه فى ميدان القتال قبل سنتين، أما والدى فلن يقدر أن يساعدنى بغير النصح».
إغراق الكاتب فى كثير من التفاصيل قد يصيبك بالملل فى بعض الفصول الـ27، ولكنك بعد وقت تكتشف أنه الحرص الدبلوماسى على التفاصيل حتى الشخصى منها، فحاول الكاتب الجمع بين رواية التاريخ بأحداثه وأسبابه وتحليله، فتطرق كثيرا إلى تفاصيل الحياة الشخصية للملك فيصل، فلحظات الوحدة التى عاشها كملك وحيد مهزوم بعد المعركة، ردته إلى بداية معرفته بهذه الوحدة عندما فارقته أمه فى صغره.
رغم أن معجمه اللغوى لم يسعفه فى عرضه لكم كبير من تفاصيل حياة «فيصل»، إلا أنه وفق فى تركيبات منها، «تحرك القطار بطيئا تجره ضوضاء عجلاته التى ازدادت دوراتها عصبية، أحسست بصريرها النزق يخترق صدرى وقد ازداد لهاثها، كانت عيناى تراقبان ابتعاد القطار الذى تلاشى فى الأفق بعد دقائق قليلة، أدركت لحظة اختفائه بأن عهدا من الثورة قد انطوى، كانت شمس هذا النهار تستعد للمغيب فيما الظلام ينصب خيمته الكبيرة فوق المحطة».
تقمص الكاتب شخصية الملك فيصل وصار يحكى كيف يرى الملك نفسه، فى «لطالما اُمتدحت لقدراتى على ابتداع شىء من لا شىء، وتأليف ما لا يمكن تأليفه، والجمع بين المتناقضات وإقناع من لا يقدر أحد على إقناعه وكسبه.
لقد طوعت عتاة الصحراء الذين جاءوا يقبَلون يدى ويقسمون يمين الولاء للقضية، لم تكن القضية أكثر من فكرة بسيطة وعميقة فى آن، لقد آمن أولئك الذين أتوا من مشارب مختلفه وأقاليم متباعدة بالعروبة التى شكلت قاسما بينهم، واكتشفت كل واحد منهم ما يجمعه مع الآخرين، اليمنى و الحجازى والشامى والعراقى، شيخ القبيلة الذى لم يغادر البادية والعسكرى الذى تدرب فى اسطنبول والمتعلم الذى قضى صباه وشبابه فى المدارس والمعاهد، فقد آمن كل واحد بأن الوقت قد حان لبناء دولة عربية واحدة تضم الجميع».
قد تكون اللحظات التى نراها لحظات النهاية هى ذاتها لحظات لبداية جديدة، فبعد أن خرج «فيصل» من سوريا ملكا وحديا مهزوما فى يوليو 1920، بدأت مع هذه اللحظات بدايته الجديدة ليتوجه المندوب السامى البريطانى فى يوليو 1921 ملكا على العراق.