فانتازيا «العفـن» تغرق بلاد الفراعين
آخر تحديث: الجمعة 13 يوليه 2012 - 9:20 ص بتوقيت القاهرة
محمد جاد
«كانت عينا فاطمة العسليتان تنظران من خلال الزجاج البنى الغامق إلى ملامح الكورنيش المهجور والسيارة تقطعه فى اتجاه التحرير. مرت من أمام مصر القديمة ومساكنها. صبى نصف عار يلعب حول طلمبة ماء منسية وجافة كالحطب... أغمضت عينيها وغفلت قليلا... عندما أفاقت كانت السيارة قد مرت من أمام القصر الفرعونى وتحصيناته ونوافيره التى عبثا تدارى العفن»، تلك الكلمات التى وصف بها عزالدين شكرى فشير رحلة «فاطمة» للزواج من خليجى مسن هربا من الفقر، إحدى بطلات روايته «أسفار الفراعين»، أما عن «العفن» الذى يحيط بالقصر الرئاسى، فهو ملمح من الأجواء الفانتازية لرواية فشير عن الدولة العميقة ودورها فى إفساد الحياة فى مصر.
تدور الرواية فى أجواء فانتازية تخيل فيها الكاتب أن تلوثا ضرب جميع أنحاء مصر إلى درجة اضطرت المواطنين الى ارتداء الاقنعة الواقية فى الشارع، وفى المنازل أيضا إذا لم يكن البيت متمتعا بأجهزة التنقية الكافية لم تسرب العفن للداخل، واستخدم الكاتب لعبة الأقنعة الواقية ببراعة ليعبر حالة الاغتراب بين المواطنين، منها على سبيل المثال ذلك الحوار الصامت بين مواطن وسائق تاكسى «نظرت اليه بإمعان وحاولت تبين ملامحه فلم استطع... كان قناع الغاز يخفى كل وجهه عدا عينيه»، وأحيانا لتعبر عن اغتراب الانسان عن نفسه، كالحوار الذى دار داخل ناصر الخضرى صحفى بأحد الوكالات فى الحمام خلال سهرة عمل «خلع القناع ووقف ينظر إلى وجهه فى المرأة منذ متى لم أحلق ذقنى؟ منذ أربعة أيام؟ لا منذ خمسة، ما الفارق؟.
وغيرها من المشاهد التى يظهر بها المواطنون مستسلمين لحالة العفن المنتشرة فى أرجاء البلاد، والمفارقة أن من يملك الحل فى مواجهة تلك الكارثة البيئية هو أكثر من يعانى من العفن، إذ تعرض الرواية قصة المخترع الذى عمل لعدة سنوات على بحث فى إحدى الشركات الحكومية لمواجهة هذه الظاهرة، وما إن انتهى إلى الحل اكتشف أن أصل العفن ينبع من الدولة وليس من البيئة، فبينما يعجز الشاب عن الوصول الى رئيس شركته لعرض الاختراع، لأن رئيس الشركة لا ينقطع عن السفر طمعا فى البدلات ومتع التسوق، بينما يتحدث المسئول البارز فى مؤتمر صحفى بمصر بمنتهى الثقة عن أنه على اتصال يومى ودائم بالباحثين، لذا كان رد فعل سحر عيسى الصحفية الشابة العالمة بحقيقة الأمر «يا ولاد الكلب».
يلجأ الباحث الطموح، الذى يحمل فى حقيبته «السيمسونيت» حل أكبر أزمة تواجه البلاد، الى سحر عيسى لعرض قضيته فى الصحافة، وتعرض القضية ولا يتغير فى الأمر شىء، يصل الأمر إلى حد سعيه للوصول إلى الرئيس نفسه، ويصل إلى الرجل ويعرض عليه الأمر، ولا يتغير شىء، صورة يرسم بها فشير مدى ترهل الدولة وعجزها عن مواجهة أزماتها، فى الوقت الذى يهيمن فيه العفن على كل شىء، ويدير الكاتب على لسان بطليه المتمردين ناصر وسحر، اللذين تربطهما علاقة حب فى نهاية الرواية، حوارا يعبر عن الأسئلة الدائرة فى عقول شخصيات الرواية المتعددة الأسيرة للدولة العفنة،
سحر: هل أنت مع أم ضد العفن؟
ناصر: ضده.
سحر: هل أنت شايف أن الفرعون وحكومته يحاولون فعلا مقاومة العفن أو يستطيعون مقاومته؟
ناصر: بالطبع لا.
وبعد مناقشة بين الشخصيتين حول دورهم المفترض كمثقفين فى مواجهة تلك الدولة العفنة يقول ناصر: نحن جميعا ملوثون حتى النخاع. نتكلم تلوثا ونتنفس تلوثا ونموت من التلوث. نحن ككل الآخرين فراعين.
سحر: إذن لا فائدة.
ناصر: نعم لافائدة.
ولا يترك الكاتب بعد هذا الحوار أى مجال لإصلاح الدولة العفنة بغير الحلول الجذرية، وهى الرواية التى انتهى منها فشير عام 1999، فى مرحلة ظهرت فيها مقدمات ثورة يناير مع تداعى النظام السابق وتفجر الأزمات الاجتماعية.