فوق الركام.. نحل غزة يحاول استعادة الحياة

آخر تحديث: الخميس 13 أغسطس 2026 - 10:33 ص بتوقيت القاهرة

غزة - الأناضول

- تدمير إسرائيل نحو 30 ألف خلية كانت ترفد السوق بـ400 طن من العسل سنويًا قبل الحرب
** رئيس الجمعية التعاونية لمربي النحل، إبراهيم الضبة:
- خسائر قطاع إنتاج العسل وتربية النحل بلغت نحو 39 مليون دولار منذ حرب الإبادة الإسرائيلية
- ألف نحّال كانوا يعملون في غزة قبل الحرب، وهذا القطاع وفر فرص عمل لنحو 10 آلاف شخص

 

على سطح برج سكني متضرر في حي تل الهوى بمدينة غزة، لا يقطع الصمت سوى أزيز النحل العائد إلى خلاياه محملا بما استطاع جمعه من رحيق وسط مدينة أنهكتها الإبادة الإسرائيلية.

هناك يقف الفلسطيني إبراهيم الضبة بين صناديق نحل خشبية، يراقب سربا صغيرا يواصل الحياة فوق الركام، وكأنه يعلن انتصارا هادئا على الدمار.

يقضي الضبة ساعات يومه بين خلايا النحل، محاولا إعادة بناء مصدر رزقه بعدما دمرت إسرائيل مناحله ونفقت معظم طوائف النحل التي كان يملكها.

وبدلا من الأراضي الزراعية التي اعتاد تربية النحل فيها، اضطر الضبة إلى نقل خلاياه إلى سطح المبنى، بعدما بات الوصول إلى مناطق رعي النحل شرقي القطاع، حيث الحقول والأشجار المزهرة، محفوفا بالمخاطر.

ويضاف إلى ذلك نقص حاد في المعدات والمواد اللازمة للمهنة، ما يجعل محاولات استعادة نشاط تربية النحل أكثر صعوبة.

بالنسبة للضبة، رئيس الجمعية التعاونية لمربي النحل في قطاع غزة، لا يمثل المشروع مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل محاولة لاستعادة مهنة توارثتها عائلته والحفاظ على قطاع تضرر بشدة خلال الإبادة التي بدأتها إسرائيل في أكتوبر 2023.

وبعد نحو عامين من الحرب، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، لكن إسرائيل أبقت قواتها داخل مساحات واسعة من القطاع وواصلت خروقاتها، واستمرت القيود على وصول الفلسطينيين إلى مناطق شرقي غزة.

وقال الضبة للأناضول: "بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، بدأنا نفكر في كيفية العودة إلى مهنتنا التي تربينا عليها وعشنا منها، لكننا وجدنا أنفسنا أمام قطاع مدمر بالكامل".

** من 3 خلايا إلى أكثر من 35

بدأ الضبة محاولته الجديدة بـ3 خلايا فقط، قبل أن ينجح تدريجيا في رفع العدد إلى أكثر من 35 خلية وضعها فوق سطح البرج المتضرر.

وأكمل: "المكان ليس طبيعيا لتربية النحل، لكن هذا هو الواقع الذي نعيشه".

وأضاف: "لا نستطيع وضع الخلايا في المناطق المفتوحة أو الزراعية القريبة من الحدود، لأنها مناطق لا يمكن الوصول إليها".

ويفرض موقع الخلايا فوق البرج على الضبة مشقة يومية في الصعود والنزول، لكنه يرى فيه خيارا أكثر أمانا من نقلها إلى مناطق مفتوحة قد يفقدها فيها مرة أخرى.

** حرب الإبادة دمرت 30 ألف خلية

ولا تعكس تجربة الضبة خسارته الشخصية فحسب، إذ تعرض قطاع تربية النحل في غزة لدمار واسع طال المناحل والغطاء النباتي ومناطق الرعي.

وبحسب بيانات الجمعية التعاونية لمربي النحل، التي يرأسها الضبة، بلغت خسائر قطاع إنتاج العسل وتربية النحل نحو 39 مليون دولار منذ أكتوبر 2023.

وتشير البيانات إلى تدمير نحو 30 ألف خلية كانت ترفد السوق المحلية بما بين 380 و400 طن من العسل سنويا قبل الحرب.

وقال الضبة إن نحو ألف نحّال كانوا يعملون في غزة قبل الحرب، كما وفر القطاع فرص عمل لنحو 10 آلاف شخص.

وأضاف: "كان لدينا نحو ألف نحّال، بينهم كبار وصغار، وكان القطاع يوفر فرص عمل لآلاف الأشخاص، وكنا ننتج كميات جيدة من العسل".

ولا تنفصل خسائر النحالين عن الدمار الواسع الذي أصاب الزراعة في غزة، إذ أظهرت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" الصادرة في 26 يونيو الماضي، أن نحو 87 بالمئة من الأراضي الزراعية في غزة ما تزال متضررة، إلى جانب أكثر من 81 بالمئة من مساحة البيوت الزراعية المحمية.

وتعني خسارة الأراضي والأشجار والنباتات المزهرة تقلص المصادر التي يعتمد عليها النحل في الحصول على الغذاء، حتى بالنسبة إلى الخلايا التي نجا أصحابها من الحرب أو أعادوا إنشاءها.

** محاولات للتعافي

ورغم حجم الخسائر، ذهب الضبة إلى أن الجمعية بدأت، بعد وقف إطلاق النار الهش، محاولة لإحياء القطاع بما تبقى من إمكانات.

وأوضح أن عدد خلايا النحل انخفض إلى أقل من 500 خلية، قبل أن يتمكن النحالون تدريجيا من رفعه إلى أكثر من 3 آلاف خلية، يعمل عليها حاليا أكثر من 100 نحال.

لكن هذه العودة المحدودة تصطدم، بحسبه، بنقص شبه كامل في مستلزمات الإنتاج.

وقال: "نفتقد إلى كل شيء تقريبا؛ لا توجد إطارات خشبية، ولا شمع أساس، ولا أدوية أو علاجات خاصة بالنحل، وحتى الصناديق الخشبية غير متوفرة".

ويستخدم "شمع الأساس" على شكل صفائح توضع داخل الإطارات الخشبية لتساعد النحل على بناء أقراصه، ويعد من المستلزمات الأساسية لإنتاج خلايا جديدة.

وبحسب الضبة، فإن القيود المفروضة على دخول هذه المعدات تحد من قدرة النحّالين على زيادة أعداد الخلايا وإعادة تشغيل المناحل المتضررة.

** مناطق الرعي بعيدة المنال

ولا يقتصر التحدي على نقص المعدات، إذ يعد الوصول إلى مناطق الرعي شرقي القطاع إحدى أكبر المشكلات أمام استعادة المهنة.

وكان النحّالون ينقلون خلاياهم إلى الأراضي الواقعة شرقي شارع صلاح الدين للاستفادة من الحقول والأشجار والنباتات المزهرة، لكن انتشار الجيش الإسرائيلي والقيود على الحركة جعلا الوصول إلى أجزاء واسعة منها شديد الخطورة.

وبموجب ترتيبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط داخل القطاع كان يفترض أن يبقى خلفه في مساحة تعادل نحو 53 بالمئة من غزة.

لكن الجيش وسع لاحقا المناطق التي يحتلها، وأقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 24 يونيو بأن قواته باتت تسيطر على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة.

كما قالت الأمم المتحدة إن القوات الإسرائيلية وسعت مناطق حظر الوصول داخل القطاع، واستخدمت القوة المميتة لفرض القيود قرب تلك المناطق، ما يجعل الاقتراب منها خطرا على المدنيين.

وهذا الواقع حرم النحّالين من أجزاء واسعة من الأراضي الشرقية التي كانت تمثل مناطق رئيسية لتغذية النحل، ودفع بعضهم إلى البحث عن أماكن بديلة وسط المناطق السكنية.

وقال الضبة إن نقل الخلايا إلى سطح البرج لم يكن خيارا مهنيا معتادا، بل حلا فرضته الظروف للحفاظ على ما تبقى لديه.

** النحل يتأقلم

ورغم البيئة غير المعتادة والدمار المحيط بالبرج، يقول الضبة إن النحل بدأ يتأقلم مع موقعه الجديد، ويغادر الخلايا يوميا بحثا عن الغذاء قبل أن يعود إليها.

وبالنسبة إليه، تحول استمرار النحل في الحياة إلى مصدر أمل بإمكان إعادة بناء المهنة تدريجيا بعد الخسائر التي لحقت بها.

وقال: "عندما رأينا النحل يتأقلم ويواصل حياته، شعرنا بالأمل من جديد. إذا استطاع النحل أن يبدأ من جديد فوق هذا الركام، فنحن أيضا قادرون على مواصلة الحياة".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved