ماجي حامد تكتب: رحل دياب اللوح قبل أن يرى وطنه حرًا
آخر تحديث: الخميس 13 أغسطس 2026 - 11:54 ص بتوقيت القاهرة
في عزاء السفير الفلسطيني بالقاهرة دياب اللوح، لم يكن الحضور مجرد مشهد لتوديع رجلٍ رحل، وإنما كان شهادةً صادقة على المحبة التي تركها في قلوب كل من عرفه، بين أهله وأصدقائه وزملائه، وبين أبناءه من كوادر السفارة الفلسطيني.
الحزن لم يكن على سفير أو مسؤول دبلوماسي فحسب، وإنما على إنسانٍ ترك أثرًا حقيقيًا في نفوس كل من عرفوه.
كان واضحًا أن كل من جاء يودعه يحمل له ذكرى، وموقفًا، وكلمة طيبة، وأن المحبة التي أحاطت به في حياته كانت حاضرة بقوة في لحظة رحيله.
وجوه كثيرة اجتمعت على الحزن، لكنها كانت تحمل في الوقت نفسه قدرًا كبيرًا من الامتنان لرجلٍ ترك في حياة من عرفوه شيئًا يستحق أن يُذكر.
اعرف بعض الذين جاءوا ليودعوه كل واحد منهم له موقف لا ينساه له. فقد وقف إلى جانبهم في أصعب واسعد اللحظات التي مررا بها، وترك في انفسهم أثرًا لا تمحوه السنوات.
كانت مواقف من رجلٍ كان يحمل فلسطين في قلبه، ويعرف جيدًا قيمة أن يكتب الناس عن قضيتها، وأن يمنحوها من جهدهم ووقتهم..
ومنذ أن علمت برحيله، وأنا أتساءل: كيف يرحل الإنسان عن الدنيا وهو يحمل في قلبه وطنًا لم يره حرًّا؟.
وكيف تكون اللحظة الأخيرة لرجلٍ أمضى عمره يحلم بيومٍ تعود فيه فلسطين إلى أهلها، ويعمل بكل ما أوتي من قوة من أجل أن يأتي هذا اليوم، ثم يرحل قبل أن يشهده؟.
كيف يغادر من عاش عمره يحمل وطنه في قلبه، ويظل حلم الحرية رفيقًا له حتى اللحظة الأخيرة، دون أن يرى الحلم الذي أفنى حياته من أجله يتحقق؟.
ربما لا توجد إجابة أكثر وجعًا من رحيل السفير دياب اللوح، الفلسطيني الذي حمل وطنه معه أينما ذهب، وعاش قضيته لا باعتبارها ملفًا سياسيًا أو عنوانًا دبلوماسيًا، وإنما باعتبارها جزءًا من هويته وذاكرته وعمره.
لقد عمل السفير دياب اللوح على مدار أعوام عديدة من أجل فلسطين، ومثّلها، وحمل صوتها، وبقي حلمها حاضرًا في سنوات حياته، حتى غادرنا دون أن يرى ما حلم به.
إن قسوة الرحيل ليست في الموت وحده، وإنما في أن يرحل الإنسان قبل أن تكتمل أمنيته الكبرى؛ أن يقضي عمره وهو ينتظر لحظةً واحدة، ثم يأتي الرحيل قبلها، وأن يظل الوطن حاضرًا في القلب، بينما يبقى الحلم مؤجلًا.
لكننا نعلم جيدًا أن هناك أحلامًا أكبر من أعمار أصحابها، وأن بعض القضايا تحتاج إلى أجيال كي تصل إلى نهايتها، وأن الأحلام الكبرى لا تنتهي برحيل أصحابها.
دياب اللوح لم يرَ فلسطين حرة، لكنه ترك خلفه حلمًا لم يمت.
وكما حمل هو حلم الحرية ممن سبقوه، سيحمله من جاءوا بعده. فبعض الناس لا يعيشون فقط ليشهدوا نهاية الطريق، وإنما ليمهدوه لمن سيأتي من بعدهم.
ففلسطين ليست مجرد أرض، وإنما ذاكرة وحق وهوية وبيت ينتظر أهله. وكل فلسطيني رحل وهو يحلم بالحرية، ترك جزءًا من هذا الحلم في قلوب من بقوا.
رحل دياب اللوح قبل أن يرى العلم الفلسطيني يرفرف فوق وطن حر كامل السيادة، وقبل أن يرى الفلسطيني يعود إلى أرضه دون حواجز أو خوف. لكنه لم يرحل عن فلسطين؛ فقد بقيت معه حتى آخر الطريق، وبقي حلمه من بعده.
وحين يأتي اليوم الذي يرى فيه الفلسطيني وطنه حرًا، لن يكون النصر فقط لمن عاشوا حتى شهدوه، بل سيكون أيضًا للذين رحلوا وهم يحلمون به.
رحل دياب اللوح قبل أن يرى فلسطين حرة، لكن فلسطين التي عاش من أجلها لم ترحل معه. بقي الحلم، وبقي الوطن، وبقي الطريق مفتوحًا أمام من سيستكملونه.
ولعل أكثر ما بقي معي من مشهد عزاءه أن المحبة التي رأيتها في عيون أهله وأصدقائه وزملائه وأبناءه من كوادر السفارة كانت تقول شيئًا لا تحتاج الكلمات إلى شرحه: أن الإنسان قد يرحل، لكن أثره يبقى في الناس، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه المرء وراءه هو هذا القدر من المحبة الصادقة.
رحم الله السفير دياب اللوح، الإنسان والدبلوماسي الفلسطيني، الذي رحل قبل أن يرى وطنه حرًا، لكنه ترك خلفه سيرةً طيبة، وذكرياتٍ جميلة، وحلمًا سيظل حيًا في قلوب من عرفوه ومن حملوا فلسطين وقضيتها من بعده.