كيف تساعد لحظات الكسوف العلماء على كشف أسرار الشمس؟
آخر تحديث: الخميس 13 أغسطس 2026 - 11:45 ص بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
شهد العالم واحدة من أبرز الأحداث الفلكية، وهي الكسوف الكلي للشمس الذي بدأ من المناطق القطبية وامتد عبر أوروبا، وأدى إلى تحول السماء إلى ظلام مفاجئ لبضع دقائق نتيجة حجب القمر لقرص الشمس بالكامل في مناطق تمتد عبر آيسلندا وإسبانيا وجرينلاند.
ويستطيع العلماء استغلال هذه الفرصة واقتناص دقائق معدودة لا تتكرر كثيرًا لدراسة أحد أكبر ألغاز الشمس، ومعرفة السبب وراء ارتفاع درجة حرارة الهالة الشمسية لملايين الدرجات، بينما تبلغ درجة حرارة سطح الشمس نفسها آلاف الدرجات فقط.
رؤية الهالة الشمسية
يتمكن الباحثون من رؤية هالة الشمس بوضوح، والتي يصعب رؤيتها بسبب السطوع الهائل لقرص الشمس، لكن خلال فترة الكسوف الكلي يحجب القمر سطح الشمس فتظهر الهالة المحيطة بها، بحسب مجلة ساينس العلمية.
ويعد الكسوف الكلي للشمس، فرصة يصعب توفيرها بالوسائل التقليدية، لذا يأمل العلماء أن تساعد البيانات التي سيجمعونها في فهم كيفية انتقال الطاقة والمجالات المغناطيسية داخل الشمس وتحسين القدرة على التنبؤ بالطقس الفضائي بما يشمله من عواصف مغناطيسية قد تؤثر على الأقمار الصناعية وشبكات الكهرباء، وأنظمة الاتصالات والملاحة على الأرض.
وتُعرف الهالة الشمسية، بأنها الطبقة الخارجية للغلاف الجوي للشمس، وتتكون من بلازما شديدة السخونة، وهي مادة تتكون من إلكترونات حرة وذرات مشحونة، ويمكن أن تصل درجة حرارتها إلى نحو مليون درجة مئوية أو أكثر، وهذا ما يحير العلماء منذ عقود طويلة، لأن الهالة أكثر حرارة بكثير من سطح الشمس الموجود أسفلها، وهي ظاهرة تُعرف باسم مشكلة تسخين الهالة الشمسية التي لا يزال يبحث العلماء عن تفسير كامل لها.
ورغم أنه يمكن استخدام أجهزة اصطناعية لحجب ضوء الشمس، لكن من خلال الكسوف الكلي يصبح من الممكن رصد الهالة مباشرة خلال فترة قصيرة جدًا، كما أنه يوفر ظروفًا استثنائية للرصد لأنه يقلل بعض المشكلات الناتجة عن تشتت الضوء وانعراجه بشكل يسمح بالحصول على صور وقياسات شديدة الدقة بالقرب من الشمس.
سر اهتمام العلماء بدراسة هالة الشمس
ويهتم العلماء بدراسة الهالة الشمسية؛ لا سيما أنه يمكن أن يكون لفهمها تأثير مباشر على القدرة على التنبؤ بالطقس الفضائي، حيث تطلق الشمس بصورة مستمرة جسيمات مشحونة، وقد تحدث أحيانًا انفجارات هائلة تؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من البلازما والمجالات المغناطيسية نحو الفضاء، ويمكن أن تتفاعل هذه الانبعاثات مع المجال المغناطيسي للكوكب عندما تصل إلى الأرض، مسببة عواصف مغناطيسية أرضية، وقد تؤدي هذه العواصف إلى اضطرابات في الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات والملاحة، كما يمكن أن تولد تيارات كهربائية في شبكات الطاقة.
وتسببت عاصفة مغناطيسية قوية في انهيار شبكة الكهرباء بمقاطعة كيبيك الكندية، وأدت إلى انقطاع الكهرباء عن نحو 6 ملايين شخص في مارس 1989.
كما تمثل أهمية كبرى بشأن التنبؤ بالعواصف، ويستطيع العلماء حاليًا التنبؤ قبل أيام تقريبًا بأن انبعاثًا من الشمس قد يكون في طريقه إلى الأرض، لكن المشكلة الأساسية تكمن في معرفة مدى خطورته، فحتى عندما تتجه سحابة من البلازما نحو الأرض، لا يستطيع العلماء تحديد خصائص مجالها المغناطيسي وتأثيرها المحتمل بدقة إلا عندما تصل إلى أجهزة فضائية تراقبها.
وقد لا يتبقى سوى دقائق قليلة قبل وصولها إلى الأرض، لذا فإن معرفة كيفية تشكل هذه الانبعاثات وخصائصها داخل الهالة الشمسية يمكن أن تساعد العلماء على تقدير طبيعتها المغناطيسية في وقت أبكر، وبالتالي تطوير نماذج أكثر دقة للطقس الفضائي.
من حل لغز الشمس إلى حماية الأرض
وتنتشر عدة فرق علمية في مواقع مختلفة داخل مسار الكسوف بهدف الاستفادة من الدقائق المحدودة التي سيستمر خلالها الكسوف الكلي، وتقليل مخاطر فقدان البيانات بسبب السحب أو سوء الأحوال الجوية، ومن بين المشاركين عالمة الفلك شادية حبال من جامعة هاواي في مانوا، التي تستعد لرصد الكسوف من عدة مواقع في آيسلندا وإسبانيا، وسيعمل فريقها المكون من خمسة مواقع رصد، اثنان منها في آيسلندا وثلاثة في إسبانيا، لزيادة فرص نجاح عمليات الرصد حتى إذا حالت الظروف الجوية دون إجراء القياسات في بعض المواقع، بحسب تقرير مجلة ساينس.
ويستخدم الباحثون مطيافات وكاميرات عالية الدقة مزودة بمرشحات خاصة لالتقاط الضوء الصادر من الهالة الشمسية عند أطوال موجية محددة، إذ تساعد هذه القياسات على تحديد العناصر الكيميائية الموجودة في الهالة وحالة تأينها.
كما تتيح القياسات دراسة درجات الحرارة والبنية الفيزيائية للهالة الشمسية، ويركز الفريق بصورة خاصة على أشكال مختلفة من الحديد المتأين باعتبارها مؤشرات مهمة يمكن من خلالها التعرف إلى خصائص الهالة الشمسية ودرجة حرارتها.
ويمثل كسوف هذا العام تجربة تمهيدية لمشروع أكبر سيتم تنفيذه خلال الكسوف الكلي التالي في 2 أغسطس 2027، عندما يخطط الفريق لإنشاء نحو عشرة مواقع رصد في المغرب على امتداد مسار الكسوف.
ويمكن أن تسمح هذه الاستراتيجية بزيادة إجمالي فترة الرصد، حيث ينتقل ظل القمر بين المواقع المختلفة، مما يوفر للباحثين وقتًا أطول لدراسة الهالة مقارنة بالرصد من موقع واحد، كما أن المشروع سيركز على تصوير الهالة في الضوء المرئي، حيث يمكن أن يوفر سطوعها معلومات حول كثافتها وبنيتها والتغيرات التي تطرأ عليها.
ويأمل الباحثون، أن تساعدهم البيانات التي يجمعونها في تحسين فهم الطريقة التي تنتقل بها الطاقة والمجالات المغناطيسية من المناطق الداخلية للشمس إلى الهالة، وهو ما قد يقود في المستقبل إلى نماذج أكثر دقة لسلوك الشمس.
ويكتسب هذا الهدف أهمية متزايدة مع اعتماد المجتمعات الحديثة بصورة أكبر على الكهرباء والأقمار الصناعية ونظم الملاحة والاتصالات.