وزير الأوقاف: الإسلام يدعو إلى البر والإحسان وحسن معاملة غير المسلمين
آخر تحديث: الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 11:52 م بتوقيت القاهرة
فهد أبو الفضل
شهد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف - رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، اليوم الثلاثاء، انعقاد الملتقى العاشر للفكر الإسلامي الدولي، بمسجد الإمام الحسين (رضي الله عنه) بالقاهرة، بمشاركة ٩٠ عالمًا من كبار العلماء والمفتين والمفكرين من ٥٠ دولة من خلال الحضور المباشر وتقنية الاتصال المرئي، إلى جانب عدد من العلماء وأساتذة الجامعات وطلاب العلم.
واستُهلت فعاليات الملتقى بتلاوة آيات من الذكر الحكيم للقارئ مصطفى كمال أبو حامد، أحد نجوم مشروع «دولة التلاوة» في موسمه الأول.
ورحّب الوزير في كلمته بالعلماء والمشاركين من مختلف دول العالم، معربًا عن سعادته باستمرار الملتقى وبلوغه نسخته العاشرة، مشيرًا إلى أن الوزارة حين أطلقته لم تكن تتوقع أن يمتد هذا المسار العلمي المبارك ليحقق هذا القدر من الاستمرار والتواصل بين علماء الأمة ومفكريها.
وأوضح أن الوزارة تتبنى نهجًا مستمرًّا في تقديم هدية علمية جديدة إلى العلماء كل شهر، في إطار جهود المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لنشر المعرفة الإسلامية، وإتاحة أمهات الكتب والتراث الإسلامي بلغات متعددة أمام الباحثين والعلماء وطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن كتاب «مختصر شمائل الترمذي»، المترجم إلى عشرين لغة، كان هدية الشهر الماضي ضمن مخرجات الملتقى التاسع، وهو متاح بصيغة PDF مع إتاحة حقوق الطبع والنشر للجميع؛ تيسيرًا لنشره وتداوله والاستفادة منه، بوصفه هدية من أرض الكنانة مصر إلى العالم.
وأضاف أن هدية هذا الشهر هي كتاب «الحق المبين» مترجمًا إلى عشرين لغة، استمرارًا لهذا النهج الذي يستهدف توسيع دائرة الانتفاع بالمعارف الإسلامية الصحيحة وتيسير وصولها إلى شعوب العالم بلغاتها المتعددة، مؤكدًا أن الوزارة ستواصل تقديم كتاب جديد هدية كل شهر بتوفيق الله تعالى.
وهنّأ الوزير، الشعب المصري والأمة العربية بذكرى نصر أكتوبر العظيم، مؤكدًا أن هذا النصر حطم الغرور والكبرياء، وجسد قدرة المصريين على تجاوز التحديات حين تتوافر الإرادة والعزيمة والتكاتف.
كما وجّه الشكر إلى الدول الشقيقة والصديقة التي قدمت الدعم المعنوي والمادي لمصر وجيشها العظيم حتى تحقق النصر، الذي يظل شاهدًا على أهمية التضامن والتعاون في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
وانتقل الوزير إلى المحور العلمي للملتقى، فبيّن أن اللقاءات السابقة والحالية تدور في رحاب كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري، وأن الملتقى يقف عند باب «صلة الأخ المشرك»، مستلهمًا ما ينطوي عليه تبويب الإمام البخاري من دلالات فقهية وعلمية عميقة.
وشدد على أن هذا الباب يقدم نموذجًا بديعًا لهدي الإسلام في التعامل مع غير المسلمين، لا سيما في زمن انتشرت فيه أفكار متشددة تستبيح تكفير الناس وإراقة دمائهم، مشيرًا إلى أن من يستبيح دماء المسلمين بالتكفير والافتراء والتفسيق أولى بمراجعة تصوره عن حقوق غير المسلمين وواجب التعامل معهم.
ولفت إلى أن الصلة لا تقتصر على المسلمين فيما بينهم، بل تمتد إلى غير المسلمين، وأن اختلاف الدين لا يمنع الإحسان أو الهدية أو صلة الرحم الإنسانية.
واستشهد بالحديث الذي رواه عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما)، أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) رأى حُلّة سيراء تُباع عند باب المسجد، فقال للنبي ﷺ: «لو اشتريتَ هذه فلبستَها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك». فقال رسول الله ﷺ: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة». ثم أُتي النبي ﷺ بحُلَل منها، فأعطى عمر (رضي الله عنه) حُلّة، فقال عمر: «يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلتَ في حُلّة عطارد ما قلت؟». فقال رسول الله ﷺ: «إنما بعثتُ إليك لتبيعها أو تكسوها»؛ فكساها عمر أخًا له بمكة قبل أن يُسلم.
وبيّن الوزير أن هذا الموقف النبوي يبرز مشروعية إهداء غير المسلم، وأن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) راعى رابطة الأخوة الإنسانية في صلته بأخيه المشرك، بما يؤكد أن البر والإحسان لا ينبغي أن تحجبهما الاختلافات الدينية.
وأضاف أن الجار المسلم إذا كان من ذوي الرحم اجتمعت له حقوق الرحم والجوار والدين، وإذا كان غير مسلم ثبت له حق الجوار والصلة، في إطار ما يقرره الإسلام من قيم العدل والرحمة وحسن المعاملة.
وتناول الوزير الدلالات اللغوية الواردة في الحديث، موضحًا أن لفظ «الحُلّة» يطلق في اللغة على الثوب المكوّن من قطعتين، وأن لكلمة «سيراء» في تفسيرها قولين: أحدهما أنها ثوب فيه خطوط من حرير، والآخر أنها الحرير الخالص.
وأشار إلى ورود اللفظ في الرواية بالوصف والإضافة، مستعرضًا ما ذكره العلماء، ومنهم الإمام النووي، في توجيه ذلك، وما استندوا إليه من مباحث لغوية ونحوية، ومنها ما نقلوه عن سيبويه في الصفات التي تأتي على وزن «فعلاء».
وأكد أن الوقوف عند هذه التفاصيل اللغوية والبلاغية يعين على استيعاب النصوص النبوية وفهم دلالاتها، ويكشف عن ثراء التراث الإسلامي وعمق مناهج علمائه في الاستنباط والتحليل.
وفي حديثه عن صلة الإنسان بأخيه الإنسان، أشار الوزير إلى كتاب «حديقة المعاني في حديقة الرحم الإنساني» للعارف بالله السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي، مستحضرًا ما يجمع بني آدم من أصل إنساني واحد، ومذكرًا بقول النبي ﷺ: «كلكم لآدم وآدم من تراب».
وشهد الملتقى كلمات لعدد من العلماء والمشاركين من مختلف دول العالم، أشادوا خلالها بجهود وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في تنظيم هذه اللقاءات العلمية، وما تقدمه من تأصيل معرفي ولغوي وبلاغي، وما تتيحه من تواصل بين العلماء وتبادل للخبرات والرؤى.
ووجّه الشيخ محضار أحمد بدوي الأزهري، عضو مجلس الإفتاء الكيني، أسمى آيات الشكر والتقدير إلى الوزير، مثمنًا جهوده في حمل أمانة الدعوة، وما يبذله العاملون بوزارة الأوقاف بالتكامل مع الأزهر الشريف من جهود علمية ودعوية. وألقى قصيدة استهلها بقوله: «نور تجلّى بركب الشرق وانتشر».