هوية عربية تعبر حدود الاحتلال.. فن فلسطيني يستعيد الوطن عبر التطريز والفسيفساء بمعارض لندن
آخر تحديث: الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 1:03 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
تعبر الفنون الفلسطينية حدود الاحتلال الإسرائيلي وتنتشر في العالم، معبرة عن أحلام وأفكار وذكريات ورؤى ووقائع مختلفة، في صور متعددة، سواء عبر شاشة السينما أو في الفنون الأخرى، اللوحات وأعمال النحت والتطريز، وأحيانا مزيج من كل ذلك، لأن الفن بطبعه عابر للحدود ولا يمكن حصاره.
ومن بين أحدث الأعمال الفنية التي تتناول إحدى زوايا الحكايات الفلسطينية، يُقام معرض للفنان جوردن نصار، أمريكي ذو أصل فلسطيني، بمدينة لندن، حيث يضم مجموعة من الأعمال المعاصرة التي تستكشف الهوية الفلسطينية وتجربة الشتات، مستلهمة قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وفقا لمنصة "ذا ناشيونال".
يستكشف الفنان جوردن نصار، في أعماله، أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة، مستلهما تجربته الشخصية بوصفه فنانا أمريكيا من أصول فلسطينية، ويسعى إلى إعادة تشكيل صورة وطن لم يعرفه إلا عبر مجموعة من الزيارات المتفرقة في مرحلة الشباب، وعبر الحكايات العائلية والخيال الموروث.
ويوضح نصار، في تصريحات لـ"ذا ناشيونال"، أن المناظر التي يصنعها في أعماله الفنية، من بينها لوحة "يبنون بيوتا من الغيوم"، تمثل صورا لفلسطين كما تعيش في أذهان أبناء الشتات، مشيرا إلى أنها تستند إلى القصص التي سمعها خلال نشأته من أجداده، حيث تتداخل الوقائع مع المخيلة لتشكل عوالم حالمة وزاهية، تجمع بين الجمال والرومانسية وشيء من الحزن والمرارة.
ترك جد نصار فلسطين عام 1948 بعد سيطرة قوات الاحتلال على القرى الفلسطينية، وعاش في مدينة نيويورك، حيث تزوج وأنجب أبناءه، وأصبحت فلسطين صورة يعيد الجد سردها على العائلة وتنتقل من جيل إلى جيل عبر الطقوس والأكلات.
ويؤكد نصار أن فنه يعكس هذه الازدواجية التي عاشها، فهو أمريكي في تكوينه، لكنه يستلهم ثقافته الفلسطينية ويعيد التعبير عنها بأسلوبه الشخصي، ومن هذا المنطلق، لا يسعى إلى استعادة التراث كما كان، بقدر ما يعمل على تقديمه من خلال تجربته الفردية، بما تحمله من اختلافات وتحولات.
لا تتوقف أبعاد التجربة الفنية عند الهوية والذاكرة، بل تمتد إلى الظروف السياسية واللوجستية التي تحكم إنتاج الأعمال الفنية التي يقدمها نصار في معرضه؛ فقد زار نصار فلسطين مرات عديدة، ويعتمد في تنفيذ أعماله المطرزة على أيدي فلسطينيات يعشن في الضفة الغربية، حيث يصمم اللوحات بنفسه ثم يرسل الأقمشة إلى ورش متخصصة في رام الله.
ويستغرق نقل هذه الأعمال إلى الولايات المتحدة أسابيع، في ظل القيود والتعقيدات المرتبطة بالحركة والشحن، ولهذا يضطر الفنان إلى التخطيط المبكر لمشروعاته، مع افتراض احتمال تأخر مراحل الإنتاج والتسليم.
وتبدأ العملية بشراء القماش الذي يختاره بعناية وإرساله إلى الورشة في رام الله، ثم يتولى أحد أصدقائه نقل القطع المطرزة بعد اكتمالها من الضفة الغربية إلى عاصمة الاحتلال، ومنها إلى يافا، وفي المرحلة الأخيرة، ترسل صديقة له الأقمشة بالبريد العادي إلى الولايات المتحدة.
وتكشف هذه التفاصيل عن مفارقة واضحة؛ فالأعمال التي تستحضر الارتباط بالأرض والتراث تُنتج عبر مسارات تتأثر بالقيود المفروضة على الحركة، لتصبح عملية إنجاز العمل الفني نفسها جزءا من السياق الذي تنتمي إليه، وهو سياق محفوف بالحصار الإسرائيلي.
ويضم المعرض أعمالا فنية متنوعة، ففي القسم الأول أعمال منسوجة، فيما يتناول القسم الثاني من المعرض قضايا التراث الثقافي وعلم الآثار، من خلال سلسلة من الفسيفساء الزجاجية المصنوعة يدويا، استلهمها نصار من فسيفساء كنيسة بيزنطية في جباليا بقطاع غزة.
وتضم الأعمال صورا لشجرة برتقال وأسد ورجل، إلى جانب زخارف مستوحاة من الكنيسة الأصلية، التي أفاد علماء آثار محليون في غزة بأنها تعرضت لأضرار جراء القصف الإسرائيلي، ويشير الفنان إلى أن حجم الدمار لا يزال غير معروف على وجه الدقة، ما يثير احتمال أن تكون أجزاء من الموقع قد اختفت بالكامل، وفقا لـ"ذا ناشيونال".
ومن خلال التطريز والمناظر الطبيعية والفسيفساء، يحول نصار تجربته الشخصية إلى مساحة أوسع للتأمل في معنى الوطن حين ينتقل عبر الأجيال، وكيف تتغير ملامحه في الذاكرة، وتعيد المخيلة تشكيله بعيدا عن حدوده الجغرافية.