الانطباعات الأولى لمهرجان برلين السينمائى
آخر تحديث: السبت 14 فبراير 2026 - 7:54 م بتوقيت القاهرة
برلين- خالد محمود
• «لا رجال صالحون» فى المقدمة ومنافسة مفتوحة على الدب الذهبى
• «من كابول إلى بيروت».. أفلام المسابقة تكتب السياسة بلغة إنسانية
تكشف الانطباعات النقدية المبكرة للدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائى الدولى عن ملامح واضحة، فى مقدمتها أننا أمام دورة أقرب إلى مهرجان الحكايات الإنسانية: حب فى مدن غير مستقرة، وعلاقات تتحدى العمر والهوية، وأفراد يحاولون النجاة داخل واقع سياسى مضطرب. هنا يحضر العالم فى الأفلام لا كقضية مجردة، بل كحياة يومية يعيشها أبطال عاديون، فى دورة تؤكد مرة أخرى أن السينما قد تناقش السياسة أحيانًا بأبسط وسيلة ممكنة: قصة إنسان.
وقد بدا واضحًا منذ الأيام الأولى أن المهرجان هذا العام يميل إلى الأفلام الحميمة أكثر من الأعمال المباشرة، إذ حضرت القضايا الكبرى عبر مصائر الأفراد وتفاصيل حياتهم اليومية، لا عبر الشعارات والخطابات.
ويجىء فيلم «No Good Men» «لا رجال صالحون» للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات فى صدارة الاهتمام، كونه بداية موفقة للمهرجان حيث حظى باستقبال إيجابى لافت. فالفيلم يقدم مقاربة مختلفة لأفغانستان، بعيدا عن صورة الحرب المعتادة، عبر حكاية رومانسية تدور فى كابول عام ٢٠١١ قبيل عودة طالبان إلى السلطة. وهو كوميديا رومانسية ذات خلفية سياسية غير مباشرة، فى مجتمع محافظ ، تناقش وضع المرأة والمجتمع الأبوى من خلال تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية.
فالأحداث حول المصورة الوحيدة فى محطة التلفزيون الرئيسية فى كابول، تكافح من أجل الاحتفاظ بحضانة ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات. بعد انفصالها عن زوجها الخائن، أصبحت مقتنعة بأنه لا يوجد رجال صالحون فى بلدها. لذلك، فوجئت نارو عندما عرض عليها، أهم صحفى فى تلفزيون كابول، فرصة عمل.
وبينما يجوب الاثنان المدينة لتغطية أيامها الأخيرة من الحرية، تنشأ بينهما شرارة، وتبدأ نارو فى التشكيك فى قناعتها. هل يمكن أن يكون هناك رجل صالح فى نهاية المطاف؟
نجح الفيلم فى قدرته على المزج بين خفة النبرة وقسوة الواقع، رغم ملاحظات محدودة حول بطء الإيقاع واقترابه من سينما المهرجانات أكثر من السينما الجماهيرية، لكنه فى النهاية يقدم «تحولا فنيا» لأنه يعرض حياة الأفغان كبشر طبيعيين لا كضحايا حرب فقط.
امتاز الفيلم بالجرأة الناعمة بانفجار الحب بين بطليه حيث نتابع قصة امرأة شابة فى كابول تحاول إدارة حياتها العاطفية والعملية وسط مجتمع محافظ يضيق خياراتها، حيث تتحول تفاصيل يومية بسيطة ــ العمل، الحب، قرار الارتباط ، الطلاق - إلى معركة هادئة من أجل الحرية الشخصية.
وقد تعاملت المخرجة مع إشكالية النسوية برؤية غير مباشرة ليخرج كفيلم دافئ رغم خلفيته القاسية. أى إنه يخلق مفارقة: بلد مهدد بالانهيار لكن الناس تحب وتضحك.
أما فيلم «Only Rebels Win» «المتمردون فقط هم من يفوزون»..
للمخرجة دانيال عربيد فقد أثار نقاشا نقديا واسعا، داخل مسابقة البانوراما ؛ إذ تدور أحداثه حول علاقة عاطفية غير تقليدية بين أرملة فلسطينية مسنة وأم لاثنين «سوزان» تجسدها هيام عباس، ومهاجر سودانى «عثمان» أصغر سنا فى بيروت بعد أن أنقذته من هجوم عنصرى حيث أنه غير موثق ويبحث عن مستقبل أفضل يجسده أمين بن رشيد. بشكل غير متوقع، تنفتح الروحان الوحيدتان على بعضهما البعض وتتواصلان. خجولان فى البداية، يتقاربان أكثر فأكثر، حتى يعترفا بأنهما واقعان فى الحب. بينما يتأرجح لبنان الممزق على حافة الانهيار، تثير علاقتهما موجة من الغضب والسخط من حولهما. يتوقف أطفال سوزان عن رؤيتها. يدير زملاؤها ظهورهم لها. يرفض رجال الدين تزويجهما. يستدعى جيرانهم الشرطة ضدهما. يقف نفس الأشخاص الذين أغرقوا البلاد فى حرب أهلية الآن هناك، يحكمون، ويجبرون سوزان وعثمان على مواجهة العداء، ومقاومته.
عمل جرىء وشجاع إنسانيا يكسر تابوهات الصور النمطية عن العمر والجنس، والهوية والهجرة، والشيخوخة واللاجئين.
حتى وإن كان قائما على فكرته أكثر من بنائه الدرامى.. ليبدو كأنه شبه بيان أخلاقى، لكن من الملاحظ قوة فى الأداء التمثيلى وحضور الحس الإنسانى فى العمل، ما يجعله مرشحا محتملًا لكسب منافسيه.
ويأتى فيلم «A Voice Basse» «بيت الحس» ضمن المسابقة الدولية كأحد أكثر الأعمال الفنية التى تلفت الانتباه
ويتناول قصة ليليا التى تعود من باريس إلى تونس لكشف الغموض المحيط بوفاة عمها ومواجهة أسرار عائلية، قبل أن تنكشف الأمور حول تورط الجد بعلاقات جنسية شاذة.
يستكشف الفيلم التوتر بين حياتها فى باريس والتزاماتها العائلية فى تونس.
دراما مشوقة وجريئة أسلوبيا حيث تتمحور حول استكشاف العلاقات الماضية والتاريخ الخفى والانحياز للعلاقات العاطفية فيما بين الرجال والنساء بعضهم البعض ومحاولة كسر التابوت وتغير القانون.
يبدو «A Voice Basse» أقرب إلى جوائز فنية نوعية داخل المسابقة، فى حين تبقى المنافسة الكبرى مفتوحة أمام الأفلام الأكثر دفئا إنسانيا وتأثيرًا دراميا لدى الجمهور مباشرة على الدب الذهبى إذ اعتاد مهرجان برلين تاريخيا مكافأة الأفلام ذات الرؤية الإخراجية الواضحة واللغة السينمائية الخاصة، حتى لو لم تكن الأكثر جماهيرية.
بينما تلقى فيلم «Everybody Digs Bill Evenc» «الجميع معجبون ببيل ايفانز» استقبالا دافئا دون حماس كبير، إذ اعتُبر دراسة فى شخصية واحدة تعتمد على الحوار والأداء التمثيلى ونبرة من الكوميديا السوداء أكثر من الأحداث رغم أنه سيرة ذاتية.
الفيلم من إخراج جرانت جى، يقوم ببطولة أندرس دانيلسون لى بدور عازف البيانو الأسطورى بيل إيفانز، ويتناول حزنه العميق ومعاناته الإبداعية بعد وفاة عازف الباس الخاص به، سكوت لا فارو، عام 1961 بشكل مفاجئ فى حادث سيارة - بعد أيام فقط من تسجيل ألبومين مباشرين مميزين فى فيليدج فانجارد - يصور الفيلم إيفانز المحطم وهو يكافح للعثور على صوته مرة أخرى.
ومن أهم العناصر التى تستحق الاشادة ذكاء الكتابة والسيناريو لمارك اوهالوران وحضور الأداء الطاغى للممثل الرئيسى، أندرس دانيلسون.
كما تم تصوير الفيلم بمزيج من الأبيض والأسود والألوان، مما يعكس حقبة التصوير الفوتوغرافى الكلاسيكى لموسيقى الجاز.
الفيلم ممتع للمشاهدة لكنه لا يحمل وزنا سينمائيا كبيرا للمنافسة على الدب الذهبى.
هنا تبدو الانطباعات أن برلين هذا العام يتجه لجوائز ذات طابع إنسانى.