دينا شحاتة في حوارها مع الشروق: انخدعنا رواية عن الحظ والقدر وأحلام بسيطة لم تنجُ من خديعة الحياة
آخر تحديث: الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:05 م بتوقيت القاهرة
حوار - شيماء شناوي
- الخديعة جزء من التاريخ الإنساني منذ بدء الخليقة.. وتتخذ أشكالًا متعددة على مدار العصور
من سؤال الخديعة التي يتعرض لها الإنسان في حياته، تنطلق رواية «انخدعنا» للكاتبة والروائية دينا شحاتة، الصادرة عن دار الشروق، لتفكك علاقة الإنسان بمصيره، وبالمكان الذي نشأ فيه، وبالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتجاوز قدرته على التحكم فيها. ومن خلال شخصية طارق العايق، الرجل العادي الذي يكتشف متأخرًا أن أحلامه البسيطة لم تكن بمنأى عن الخديعة، تبني شحاتة عالمها السردي عبر ثلاثة أصوات: الراوي العليم، وطارق نفسه، ومدينة بورسعيد التي تتحول إلى شاهد وراوٍ وشخصية فاعلة في آن واحد.
وتختار شحاتة لعبة الدومينو إطارًا لبناء الرواية، مستثمرة ما تحمله من تداخل بين الحظ والمهارة، وما تتيحه من تقسيم الحكاية إلى جولات تكشف في كل منها طبقة جديدة من الخديعة، وفي خلفية ذلك كله، تستدعي الرواية تاريخ بورسعيد منذ نشأتها وحفر قناة السويس، مرورًا بالعدوان الثلاثي والتهجير والانفتاح الاقتصادي، وصولًا إلى حادثة استاد بورسعيد، لا بوصف التاريخ مادة للتوثيق، وإنما باعتباره ذاكرة وجدانية تشكل المدينة وأبناءها.
في حوارها مع «الشروق»، تكشف دينا شحاتة كواليس اختيار تعدد الأصوات وجولات الدومينو، وتشرح لماذا كان عليها أن تمنح بورسعيد صوتًا داخل الرواية، وتتوقف عند أصعب فصول العمل، ودور التاريخ والأغاني في تشكيل عالمه، كما تتحدث عن طارق العايق بوصفه ضحية للخديعة وشاهدًا عليها وجزءًا منها، وعن الإنسان المعاصر الذي «لا يبحث عن إجابة، بل هدنة».
وإلى نص الحوار..
< اعتمدتِ على ثلاثة أصوات سردية في «انخدعنا».. لماذا اخترتِ هذا البناء؟
ــ رواية «انخدعنا» تقوم على شخص عادي في نهاية أربعينياته، يرى أن الحياة خدعته رغم أحلامه البسيطة في بداية شبابه، ولمّا كانت الرواية معنية بشكل أساسي بكشف الخدعة، رأيت أن أفضل شيء لتفكيك الخدعة هو تعدد الأصوات، ما بين الراوي العليم الذي يرى المشهد كلوحة ناقصة دون تورط، ومن زاوية طارق نفسه، الذي عاش الخديعة ولم يدركها إلا بعد فوات الأوان، ومن زاوية المدينة نفسها، التي شهدت كل شيء ولم تتدخل، وذلك ليس لأن الحقيقة تحتاج شهودًا؛ بل لأن كل خدعة لتنكشف تحتاج ثلاث لغات على الأقل.
< لماذا بنيتِ الرواية على جولات دومينو؟ وما الذي أضافته إلى البناء السردي؟
ــ الدومينو لعبة شعبية معروفة في المقاهي المصرية، تجمع بين عنصرين أساسيين: الحظ والمهارة؛ الحظ في البلاطات التي تُوزَّع على كل لاعب، ومهارة اللاعب في إدارة تلك البلاطات لضمان الفوز.
تشبه الحياة: ما يولد به المرء، وتاريخه الشخصي، ومكان مولده ونشأته، وكل تلك الحمولة التي يرثها فور ميلاده، وسعيه طوال حياته لاستخدام كل تلك المعطيات لحياة أفضل.
كما أضافت جولات الدومينو في الرواية، غير كشف الخدعة، ما بين القدر والمهارة، تحديد لاعبين في كل جولة؛ فالرواية التي جاءت في أربع جولات دومينو، وقفلة دومينو، قبل كل جولة كان هناك تحديد مسبق للاعبين.
فمن يلاعب طارق؟ مرة الراوي العليم، وأخرى الراوي العليم والمدينة، وفي جولة الدومينو الثالثة ينضم لاعبون من مغني أغاني الضمة والسمسمية والصهبجية إلى طارق، والجولة الأخيرة يلاعب طارق ذاكرته. صنع ذلك كشفًا للخدعة بشكل أكثر عمقًا وسعة.
< من أكثر مفاجآت «انخدعنا» منح بورسعيد صوتًا راويًا... هل يمكن اعتبارها البطلة الحقيقية للرواية؟
ــ بورسعيد بطلة الرواية بقدر طارق العايق نفسه، لأن من ضمن أسئلة الرواية: إلى أي مدى يشارك مكان ميلاد الإنسان ونشأته في تحديد مصيره ورؤيته للحياة؟ وإلى أي مدى يمكن أن يُساءل المرء مدينته فيما حدث له وأصابه من فرح أو حزن؟
ولم يكن يمكن الإجابة عن تلك الأسئلة بلسان راوٍ عليم، أو طارق؛ كان لابد من إنطاق المدينة نفسها، المدينة الغاضبة والحزينة والعاجزة والفخورة أحيانًا أخرى. كان لابد من الرجوع لنشأتها هي، إلى لحظة أول معول ضرب لشق ذلك الشريط الساحلي لحفر قناة السويس.
< برأيك... ما التحدي الأكبر في توظيف التاريخ داخل عمل روائي؟
ــ ألا يبدو ككتاب تاريخي أو بحثي، وألا يشعر القارئ أن الكاتب يتباهى ببحثه، أو أنه يقحم شخصيات وأحداثًا تاريخية لمجرد ذكرها في الرواية لتبدو رواية تاريخية، وأن يقاوم تلك الرغبة الملحة في تطويع الشخصيات لذكر التاريخ.
ربما... أفضل أن يُذكر التاريخ بقدر الحاجة إليه، بما يخدم مسار الشخصيات وعالمها. هناك الكثير ليقال عن بورسعيد، لكن في تلك الرواية، لم أذكر على لسان بورسعيد سوى ما يفيد خدعة طارق الشخصية، والتي تراها بورسعيد امتدادًا لخدعتها منذ نشأتها. لذا التزمت بذلك الخط التاريخي الذي يصل لطارق في النهاية، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك.
< هل جاء استدعاء العدوان الثلاثي والتهجير والانفتاح الاقتصادي بوصفه إعادة قراءة تاريخ المدينة من منظور وجداني أكثر من سياسي؟
ــ نعم، أقرب إلى إعادة قراءة من منظور المدينة نفسها: كيف شعرت وقت الحفر، ما بين شق لقناة وردم لبحيرة؟ كيف شعرت وقت ميلادها، ما بين بطن تحوّل إلى مقبرة هائلة راح ضحيتها مئات الآلاف من المصريين في نظام تسخيري لحفر قناة السويس، وما بين ظهر يضم موائد فارهة واحتفالات كبيرة حضرها الملوك من أنحاء العالم احتفالًا بمولد مدينة وقناة جديدة تختصر طريق التجارة العالمية؟
كذلك العدوان الثلاثي والتهجير والانفتاح، كل تلك الأحداث: كيف شعرت بها المدينة؟ كيف تشكلت ذاكرتها التي تجمع بين الألم والأمل معًا؟ كيف صارت لتصل إلى طارق العايق نفسه؟
< ما أصعب فصل كتبته في «انخدعنا»؟
ــ من حيث الثقل العاطفي والعبء الإنساني، كانت جولة الدومينو الثانية التي ذُكرت فيها حادثة استاد بورسعيد، ثقيلة جدًا من حيث الكتابة، حتى أني أذكر أني عندما وصلت لكتابتها، لم أجرؤ لأيام على الكتابة. كنت أكتب فقرة أو فقرتين لا تتعدى الخمسمائة كلمة في اليوم، ولا أزيد عنهما، وبعد أن انتهيت منها، غمرني حزن كبير.
ومن حيث اللغة، كانت جولة الدومينو الرابعة التي يلاعب فيها طارق العايق ذاكرته. لغة طارق العايق في الجولات الثلاث السابقة تراوحت بين لغة فصحى بسيطة وجمل تنفلت من لسانه بالعامية، كجزء من خداع طارق لنفسه في محاولته لمحاورة المدينة والراوي العليم بنفس مستوى لغتهما.
أما في الجولة الرابعة، فلم يكن طارق بحاجة لمناطحة أحد؛ هو يلاعب ذاكرته، لذا قررت أن يكون تذكره بلغة عامية منقحة، وذلك مستوى جديد عليّ على مستوى اللغة.
< هل كان طارق بطلًا أم ضحية أم شاهدًا على الخديعة؟
ــ طارق العايق ضحية الخديعة، لكنه استسلم لها فصار جزءًا منها. هناك الكثير كان يمكن له أن يقاومه، لكنه اكتفى بأحلام بسيطة، ظنًا منه أن الحياة مدينة له بتحقيقها ما دام لم يطمع في أمنيات كبرى؛ لذا هو ضحية وشاهد وجزء منها.
< جاءت أصوات الرواة الثلاثة متناوبة ببضع سطور في نهاية الرواية. لماذا اخترتِ هذه التقنية؟
ــ بعد الانتهاء من جولات الدومينو، جاءت النهاية على شكل «قفلة الدومينو» التي تم فيها تفكيك الخدعة، رغم قسوتها، على طارق العايق.
كان هناك شكل أشبه بالشكل المسرحي لتحليل للموقف من قبل المدينة، على هيئة تعاطف ومواساة لما صار إليه طارق، ومن قبل الراوي العليم، في شكل جاف يرى أن طارق كان محتاجًا لخديعة يكمل بها حياته. جاءت الأصوات ككورال ترى أبعد من الخسارة والمكسب، ترى طارق نفسه.
< هل يجوز اعتبار «انخدعنا» رواية عن الإنسان تحت وطأة الظروف وتحولاتها؟
ــ الخديعة جزء من التاريخ الإنساني منذ بدء الخليقة، والخديعة تتخذ أشكالًا متعددة على مدار العصور. «انخدعنا» تروي فكرة أساسية، لكن بزمن اليوم، بما يتضمنه من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية مؤثرة، تُساءل العصر الحالي عن خدعة الإنسان المعاصر، بين كل تلك المتغيرات التي لا يملك سوى تقبلها والعيش بها داخل منظومة ضاغطة.
لذا هناك شعور عميق بالخديعة يتغلغل في صدر إنسان هذا العصر، الذي يشعر كأنه ريشة في مهب ريح لا تكترث له، ولا تراه كما ينبغي، ولا تقدر آدميته المنسحقة. لذا أعتقد أن «انخدعنا» هي رواية الإنسان المعاصر، حتى لو اختلفت الخدعة وتنوعت.
< برأيك... ما الذي يمكن أن تفعله السياسة بحياة الناس العاديين كما صورتها عبر مذبحة بورسعيد في الرواية؟
ــ الناس العاديون لا يهتمون عادة بالسياسة، بل بما تعكسه تلك السياسة على حياتهم ونظامهم اليومي، ويتحمل المرء –رغمًا عنه– عبء السياسة حتى لو لم يكن له يد فيها.
مذبحة بورسعيد حادثة مأساوية ما زال جرحها ينزف، ولو تمت محاسبة البعض، لكن هناك شيء انكسر ولن يعود. أرواح سُلبت دون أي ذنب، ومدينة كاملة أُدينت، وضع مأساوي حزين.
رغم كل التفسيرات التي تدين والتي تنفي، والتي تصفها بالمؤامرة والتي تصم الجماهير بالتواطؤ، هناك شيء عميق تم دهسه.
< ماذا عن كواليس اختيار غلاف الرواية، ومتى شعرتِ أنه الوجه الحقيقي للرواية؟
ــ غلاف الرواية من تصميم الفنان عمر الكفراوي. أول ما أرسلت لي دار النشر الغلاف، بما يتضمنه من بلاطة دومينو تتوسط الغلاف، ووجهين لامرأة ورجل، وتلك الدوائر المتداخلة والألوان، حتى شعرت أن ذلك متن الرواية.
فلم أرد أن تظهر بورسعيد على غلاف الرواية، وإن كانت بطلة أساسية في الرواية، فالخدعة، والمرء أيًّا كان مكان ميلاده، تظل هي الأساسية والجاذبة.
< إلى أي مدى أضافت الأغاني في النسخة الصوتية للرواية بُعدًا جديدًا إلى «انخدعنا»؟
ــ تفاجأت عندما سمعت النسخة الصوتية للرواية على تطبيق «اقرأ لي». الهندسة الصوتية رائعة، ومعظم الأغاني التي ذكرتها في الرواية، من أغاني حسن الأسمر وأغاني السمسمية، تم دمجها بصوت مطربيها، مما أضاف تجربة سماع مختلفة، كما تخيلتها وأنا أكتبها.
الحقيقة، أحب أن أوجه الشكر لأقراني على ذلك الإخراج الرائع للنسخة الصوتية.
< بعد الانتهاء من كتابة «انخدعنا»، هل شعرتِ أن الخديعة التي بدأ بها العمل تغير معناها بالنسبة إليك؟
ــ لم يتغير معناها، ولكن ربما اتخذ شكلًا أعمق. أفكر في الخديعة بمعناها الواسع. أفكر في إنسان هذا العصر، الذي لا يبحث عن إجابة، بل هدنة، عن لحظة عادية لا يوجع فيها، الإنسان الذي لم يُخدع لأنه أحمق، لكن لأنه كان محتاجًا للخديعة ليكمل حياته.