البساطة والصدق.. لماذا بقي حسين الشربيني حاضرا في ذاكرة الجمهور؟
آخر تحديث: الإثنين 14 سبتمبر 2026 - 11:21 ص بتوقيت القاهرة
القاهرة - أ ش أ
تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان حسين الشربيني، أحد الوجوه التي تركت بصمتها في السينما والدراما والمسرح المصري، وتميز بأدائه الهادئ وقدرته على تقديم الشخصيات المختلفة ببساطة وصدق، ليصنع لنفسه حضورا خاصا امتد لأكثر من أربعة عقود، قدم خلالها مئات الأدوار التي ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور.
وُلد حسين الشربيني في القاهرة في 16 نوفمبر 1935، وتعود أصول أسرته إلى مدينة شربين بمحافظة الدقهلية، ودرس علم النفس والاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتخرج عام 1958، ثم التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بناء على نصيحة أستاذه والمشرف الفني آنذاك الدكتور رشاد رشدي، الذي لمس موهبته الفنية وشجعه على دراسة المسرح.
وكان حلم الشربيني في بدايته أن يعمل مدرسا، إلا أن تعيينه في هيئة السكك الحديدية بمدينة أسيوط لم يستمر سوى يوم واحد، فعاد إلى القاهرة، وعمل صحفيا في جريدة "الجمهورية"، ثم انتقل إلى التلفزيون المصري مع بداية انطلاقه في مطلع الستينيات، لكن حبه للتمثيل كان أقوى من أن يظل مجرد هواية، فالتحق بمسرح التلفزيون وشارك في عدد من المسرحيات، من بينها "شقة للإيجار" و"من أجل ولدي"، لتكون تلك الخطوة بداية طريق طويل في عالم الفن.
بدأ حسين الشربيني مشواره السينمائي عام 1964 من خلال فيلم "المارد"، ثم توالت مشاركاته التي بلغت نحو 90 فيلما، قدم خلالها أدوارا مختلفة تركت حضورا واضحا لدى الجمهور، ومن أبرز أفلامه "الجاسوس" عام 1964، و"الليالي الطويلة" عام 1967، و"سفاح النساء" عام 1970، و"لا عزاء للسيدات" عام 1979، و"السادة المرتشون" عام 1983، و"الرغبة"، و"جري الوحوش"، و"الرجل الذي عاش" عام 1997، و"حارة البنات" عام 2005.
وعلى شاشة التلفزيون، قدم عددا كبيرا من المسلسلات التي رسخت حضوره لدى الجمهور، من بينها "أحلام شحاتة" عام 1972، و"رحلة المليون" و"هند والدكتور نعمان" عام 1984، و"أبناء ولكن" عام 1993، و"حلم العمر" عام 2000، و"عائلة الحاج متولي" عام 2001، و"أريد حلا" عام 2005.
أما المسرح، فكان من المحطات المهمة في مسيرته، حيث شارك في "وابور الطحين" عام 1966، و"الدنيا لما تضحك" عام 1979، و"فوازير المناسبات" عام 1988، و"الحالمة" وغيرها من العروض، وكان آخر أعماله المسرحية "الملك هو الملك" عام 2006.
رغم كثرة أعمال حسين الشربيني، رأى عدد من زملائه أن موهبته كانت أكبر من المساحة التي حصل عليها في السينما، وقال عنه المخرج علي عبدالخالق، مخرج فيلم "جري الوحوش"، إن الشربيني كان يمتلك موهبة لم تحصل على حقها الكامل، مشيرا إلى قدرته على تقديم الشخصيات ببساطة ودون مبالغة، وضرب مثلا بدوره في الفيلم، حيث جسد شخصية محام تقي يقدم النصيحة دون تعصب أو تعال، كما وصفه بالهدوء وحُسن التعامل، مؤكدا أن وجوده في كواليس التصوير كان يضيف حالة من البهجة لفريق العمل.
حصل الراحل على لقب "فنان قدير" من المسرح الحديث، وكرمه فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، كما نال جائزتين سينمائيتين لأفضل ممثل دور ثان عن فيلمي "الرغبة" و"جري الوحوش" في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إلى جانب حصوله على جائزة أحسن ممثل في مهرجان القاهرة الثاني عشر للإذاعة والتلفزيون، كما تم تكريمه في مهرجان ذكي طليمات.
في عام 2002، ابتعد الشربيني عن الساحة الفنية بعد إصابته بكسر في مفصل القدم اليسرى إثر اختلال توازنه أثناء استعداده لأداء الصلاة، كما عانى من مضاعفات مرض السكري، وأمضى سنواته الأخيرة في منزله مع زوجته وابنتيه، ووجد في فترة ابتعاده عن الفن فرصة للتفرغ للقراءة وحفظ القرآن والتقرب إلى الله.
وقال في تصريح صحفي عن تلك المرحلة إنه لم يشعر باليأس أو الإحباط، وإن الإصابة كانت فرصة للجلوس في المنزل بعد رحلة عمل طويلة، والاطلاع على الكتب التي لم يتمكن من قراءتها من قبل، وحفظ القرآن والتقرب إلى الله بصورة أكبر.
وفي لقاء نادر عام 2006، تحدث الشربيني عن ابتعاده عن التمثيل، مؤكدا أنه شعر بأنه أدى ما عليه بعد سنوات طويلة من العمل، وأنه لن يعود إلا إذا عُرض عليه دور مؤثر يستحق الوقت والجهد.
وعن حياته الشخصية، تزوج الفنان الراحل مرة واحدة، وأنجب ابنتين هما نهى وسهى، ولم تدخل أي منهما مجال الفن، وكان يمازح في حديثه عن ابتعادهما عن الوسط الفني بأنه كان يريد أن يكون الممثل الوحيد والشهير في العائلة.
في الجمعة الأولى من شهر رمضان عام 2007، جلس حسين الشربيني مع أسرته على مائدة الإفطار، وتناول بعض التمرات وارتشف الماء، ثم استند إلى مقعده، وبهدوء، وبعد أن رفض مساعدة زوجته وابنته، تمتم بكلمات لم تكن مسموعة بوضوح، ثم أراح رأسه إلى الخلف، وفارق الحياة عن عمر ناهز 72 عاما.
وشيعت جنازته يوم السبت 15 سبتمبر 2007 من مسجد رابعة العدوية بالقاهرة، لتطوى صفحة حياة فنان عاش سنوات طويلة بين أدوار الشاشة وخشبة المسرح، وظل في سنواته الأخيرة قريبا من أسرته ومتفرغا للعبادة والتقرب إلى الله.
ورغم رحيله، بقيت أعماله حاضرة لدى الجمهور، شاهدة على موهبة فنية اتسمت بالبساطة والصدق، وعلى إنسان جعل من الأخلاق والقيم جزءا أساسيا من حياته، ليظل اسمه حاضرا في ذاكرة الفن المصري.