أحمد زكريا الشلق.. المؤرخ صاحب الإسهامات البارزة في دراسة تاريخ مصر الحديث والمعاصر
آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 11:57 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
رحل عن عالمنا مساء الأربعاء 14 أكتوبر، المؤرخ المصري الدكتور أحمد زكريا الشلق، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس، وعضو مجمع اللغة العربية، والحائز جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، بعد مسيرة علمية امتدت لعقود، قدم خلالها إسهامات بارزة في دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي والفكري لمصر، وتوثيق تطور الحياة الحزبية، وحركة التحديث، وعلاقة مصر بمحيطها العربي.
وُلد أحمد زكريا محمد الشلق في 5 مارس 1948 بقرية كفر الحما، مركز طنطا بمحافظة الغربية. والتحق بكلية الآداب بجامعة عين شمس، حيث حصل على ليسانس الآداب في التاريخ عام 1972 بتقدير جيد جدًا، ثم نال درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر عام 1977 بتقدير ممتاز. وحصل على منحة دراسية بكلية رويال هولواي بجامعة لندن خلال العام الدراسي 1978-1979، قبل أن ينال الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة عين شمس عام 1981 بمرتبة الشرف الأولى.
بدأ الشلق مسيرته الأكاديمية معيدًا بقسم التاريخ في كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1972، وتدرج في المناصب العلمية حتى أصبح أستاذًا للتاريخ الحديث والمعاصر عام 1993. كما عمل أستاذًا بكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة قطر بين عامي 1995 و2001، وتولى رئاسة قسم التاريخ بها بين عامي 1997 و1999.
وبعد عودته إلى مصر، تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة عين شمس بين عامي 2003 و2004، ثم شغل منصب وكيل الكلية لشؤون المجتمع والبيئة من 2004 إلى 2006، ووكيلها لشؤون التعليم والطلاب من 2006 إلى 2008. كما تولى رئاسة قسم بحوث ودراسات التاريخ الحديث والمعاصر بمعهد الدراسات العربية بين عامي 2017 و2018.
التاريخ السياسي والاجتماعي في مؤلفاته
ترك الشلق رصيدًا كبيرًا من المؤلفات والدراسات التي تناولت تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وتطور الحياة الحزبية، وتحولات الفكر السياسي والاجتماعي، وقضايا النهضة والحداثة. ولم يقتصر اهتمامه على سرد الوقائع التاريخية، بل امتد إلى تفسيرها وربطها بالسياقات الفكرية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيلها.
ومن أبرز مؤلفاته «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، و«الشيخ مصطفى عبد الرازق ومذكراته»، و«حزب الأحرار الدستوريين 1922-1953»، و«تطور مصر المعاصرة: فصول في التاريخ السياسي والاجتماعي»، و«تطور مصر الحديثة: فصول في التاريخ السياسي والاجتماعي»، و«الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، و«ثورة يوليو والحياة الحزبية: لنظام واحتواء الجماهير»، و«من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر».
واحتلت دراسة الأحزاب والحياة السياسية المصرية مكانة بارزة في أعماله، إذ تناول نشأة الأحزاب وتطورها وعلاقتها بتحولات الدولة والمجتمع، في كتب من بينها «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية»، و«حزب الأحرار الدستوريين 1922-1953»، و«الحزب الديمقراطي المصري 1918-1923: صفحة من تاريخ الأحزاب المصرية»، و«ثورة يوليو والحياة الحزبية: لنظام واحتواء الجماهير».
كما اهتم بدراسة إشكاليات النهضة والتحديث في الفكر المصري، وهو ما ظهر في كتابه «رؤية في تحديث الفكر المصري»، الذي تناول في جزئه الأول الشيخ حسين المرصفي وكتابه «رسالة الكلم الثمان»، وفي جزئه الثاني أحمد فتحي زغلول وقضية التغريب.
وتناول الشلق العلاقة بين الفكر والسياسة في كتاب «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، كما درس تجربة الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتاب «الشيخ مصطفى عبد الرازق ومذكراته»، وخصص كتابًا آخر لأحمد فتحي زغلول بعنوان «أحمد فتحي زغلول والآثار الفتحية».
الحداثة والاستعمار والفكر الغربي
شكّلت العلاقة بين النهضة والتأثيرات الخارجية محورًا آخر في مشروع الشلق البحثي، إذ ناقش في كتابه «الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر» التحولات التي ارتبطت بالحملة الفرنسية على مصر بين عامي 1798 و1801، وما أثارته من أسئلة بشأن العلاقة بين الاحتلال ومشروعات التحديث، وإمكان تحقق النهضة في ظل الهيمنة الأجنبية.
وامتد اهتمامه إلى دراسة التصورات الغربية عن العالم الإسلامي، من خلال كتاب «إمبرياليون ومستشرقون: رؤى غربية للعالم الإسلامي»، الذي تناول العلاقة بين المعرفة والتصورات الاستشراقية والسياقات السياسية والتاريخية التي تشكلت في إطارها.
كما اهتم بتاريخ الدولة العثمانية وعلاقاتها بالعالم العربي، وقدم كتاب «العرب والدولة العثمانية: من الخضوع إلى المواجهة 1516-1916»، إلى جانب «فصول من تاريخ الدولة العثمانية»، فضلًا عن دراساته في التاريخ السياسي لدول الخليج، ومنها «فصول من تاريخ قطر السياسي».
تحقيق الوثائق والمذكرات التاريخية
لم تقتصر إسهامات الشلق على التأليف، بل امتدت إلى تحقيق الوثائق والمذكرات ودراستها وتحريرها، بما أتاح مصادر مهمة للباحثين في التاريخ المصري الحديث والمعاصر.
ومن أبرز أعماله في هذا المجال تحقيق ودراسة كتاب «البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية» لمحمد فريد بك، وكتاب «رسالة الكلم الثمان» للشيخ حسين المرصفي، إلى جانب مشاركته في إعداد «أوراق طه حسين ومراسلاته» في مجلدين يغطيان الفترة من 1925 إلى 1972، بالاشتراك مع الدكتور محمد صابر عرب.
كما قدم دراسات عن علاقة طه حسين بالسياسة المصرية وثورة يوليو 1952، وشارك، بالاشتراك مع الدكتور صبري العدل، في إعداد طبعة جديدة من كتاب «تاريخ سيناء» لنعوم شقير. وامتدت أعماله في التحرير إلى مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار عن ثورة 1919، ومذكرات صلاح سالم عن ثورة يوليو والسودان، فضلًا عن أوراق محمود فهمي النقراشي ومذكراته وبياناته الخاصة.
وقدم الشلق كذلك دراسات تناولت شخصيات ومحطات في تاريخ مصر، من بينها أحمد لطفي السيد ورفاعة الطهطاوي وحسن العطار ومحمد حسين هيكل، إلى جانب بحوث عن تطور الحركة الوطنية، والسياسة البريطانية في الخليج، وتاريخ قطر الحديث والمعاصر.
إسهاماته في المؤسسات العلمية والثقافية
شارك الشلق في أنشطة عدد من المؤسسات العلمية والثقافية، وتولى مناصب بحثية وتحريرية متعددة. وكان عضوًا بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية منذ عام 1972، وتدرج في مواقعها الإدارية حتى تولى منصب نائب الرئيس بين عامي 2014 و2015.
كما شغل عضوية لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، ومجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، واللجنة العليا للنشر بها، واللجنة العليا للنشر بدار الكتب والوثائق القومية، والمركز القومي للترجمة، والمجمع العلمي المصري.
وتولى رئاسة تحرير سلسلة «مصر النهضة» المتخصصة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، الصادرة عن مركز تاريخ مصر المعاصر بدار الكتب والوثائق القومية، كما رأس تحرير سلسلة «ذاكرة الكتابة» بالهيئة العامة لقصور الثقافة على فترتين، الأولى بين عامي 2008 و2011، والثانية منذ عام 2016. ورأس كذلك تحرير سلسلة «تراث النهضة» بالهيئة المصرية العامة للكتاب بين عامي 2011 و2016، وتولى منصب نائب رئيس تحرير سلسلة «تاريخ المصريين» منذ عام 2017.
وفي نوفمبر 2017، انتُخب عضوًا بمجمع اللغة العربية، في المقعد الذي خلا بوفاة الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم، المعروف بأبي همام، وتولى مقررية لجنة التاريخ والآثار، بعد أن عمل خبيرًا بها منذ أكتوبر 2014. كما شارك في لجان البيئة وألفاظ الحضارة والأدب والمعجم الكبير بالمجمع.
جوائز وتكريمات
حصل أحمد زكريا الشلق على عدد من الجوائز تقديرًا لإسهاماته العلمية، من بينها جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية عام 2006، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2010، وجائزة جامعة عين شمس التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2011، وجائزة معرض القاهرة للكتاب عن كتب التراث عام 2014.
كما حصل على جائزة البحوث الممتازة بجامعة عين شمس عن العام الجامعي 1983-1984، مناصفة مع الدكتور رأفت عبد الحميد.
وبرحيله، يفقد البحث التاريخي المصري أحد أبرز المتخصصين في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، ممن جمعوا بين التأليف الأكاديمي، وتحليل التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، وتحقيق الوثائق والمذكرات التاريخية، والإسهام في المؤسسات العلمية والثقافية. وتبقى أعماله مرجعًا للباحثين في تاريخ الأحزاب المصرية، وقضايا النهضة والحداثة، وتطور الفكر السياسي والاجتماعي في مصر والمنطقة العربية.