تقارير هارفارد: ما قبل السكر.. المرحلة الرمادية
آخر تحديث: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:48 م بتوقيت القاهرة
إعداد: ليلى إبراهيم شلبي
قبل أن تتضح الرؤية ويبدأ علاج الإنسان على أنه بالفعل مريض بمرض السكر، تمتد فترة من الوقت تختلف بالطبع من إنسان إلى آخر، لكنها في كل الأحوال تُعد كمقدمة يمكن رصدها والانتباه إلى تطورها ومحاولة علاجها في الوقت المناسب، الأمر الذي قد يقي الإنسان من تداعيات مرض السكر التي تطال كل أجهزة الإنسان، وتحمل خطر إصابته ربما بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية.
مرحلة ما قبل السكر، أو المرحلة الرمادية التي لا تظهر فيها الأعراض بصورة لافتة للنظر، هي تلك المرحلة التي يتزايد فيها منسوب سكر الجلوكوز في الدم، لكنه لا يصل إلى المرحلة التي تسجل إصابة الإنسان بالفعل، ويمكن معها التأكيد على أن المرض أصبح حقيقة واقعة في سجل الإنسان المرضي.
يميل معظم الناس لتجاهل وقائع تلك الفترة، خاصة كبار السن، ربما عن عدم دراية بأهميتها، وربما أيضًا لغياب الأعراض. لكن الواقع أنها فترة بالغة الأهمية، يمكن أن تحدث خلالها أخطار صحية، ويمكن أيضًا ــ وهذا هو الأهم ــ أن يتمكن الإنسان من الإفلات من مصيدة الإصابة بالسكر والمعاناة منه بقية عمره.
متى وكيف تبدأ مرحلة ما قبل السكر؟
عندما تتناول طعامك، يتولى الجسم تحليل الكربوهيدرات إلى أبسط وأهم وحدة للسكريات: سكر الجلوكوز، الذي يدور مع تيار الدم الساري في الشرايين، ويُعد وحدة الطاقة الأولية التي تدخل تقريبًا في كل عمليات الجسم الحيوية.
في ذات الوقت ينتج البنكرياس هرمونًا له علاقة مباشرة بالجلوكوز، فهذا الهرمون الذي يُعرف بـ«الإنسولين» ينظم حركة الجلوكوز بين الشرايين والأنسجة. إنه يقرع أبواب الخلايا لتسمح للجلوكوز بالدخول إليها، فيقل نسبته في الشرايين، أو لا تسمح، فيظل في دوراته مع الدم مسجلًا ارتفاعًا يمكن بالطبع رصده من تحليل بسيط للدم على مدار النهار.
يظهر إذن مرض السكر إذا ما قاومت الخلايا إشارات الإنسولين، فيبدأ جسم الإنسان في مواجهة مشكلة من نوع خاص، فهو غير قادر نسبيًا الآن على استخدام الجلوكوز للحصول على الطاقة، والخلايا تقاوم فعل الإنسولين وأثره، الأمر الذي يضطر البنكرياس إلى مضاعفة جهده في إنتاج المزيد من هرمون الإنسولين.
مع الوقت تقل قدرة البنكرياس على إنتاج ما يكفي للتغلب على مقاومة الخلايا، فيتراكم السكر في الدم محققًا أرقامًا أعلى باستمرار، معها يثبت الأمر، ويعبر الإنسان بضيق تلك المرحلة من «ما قبل السكر» إلى مرحلة «المرض بالسكر»، تلك التي تحتاج إلى تدخل من خارج الجسم سواء كان بالأدوية أو الحقن بهرمون الإنسولين.
تأتي أهمية الكشوف الدورية التي يجب أن يلجأ إليها الإنسان لتكشف عن نذر الخطر التي يمكن أن تشير بوضوح إلى احتمالات الإصابة بالمرض الحقًا، أيًا كان، ومنها مرض السكر.
الكشوف الدورية، ومنها الكشف عن منسوب الجلوكوز في الدم، ترصد تلك المرحلة الرمادية في تاريخ مرض السكر، والتي يحدد مسارها ما يلي من أحداث. تدارك الأمر يعتمد على الانتباه إلى ثلاثة عوامل يمكن مناقشتها مع طبيبك:
الوزن:
إذا ما كنت تعاني من زيادة ما في الوزن، أيًا كانت، يجب التخلص منها والعودة إلى الوزن الصحي الذي يضمن لك السلامة.
ويجب أن يتم الأمر بصورة سلسة تضمن لك ألا تعاود اكتساب ذلك الوزن الذي فقدته. ليكن الأمر في بدايته يستهدف خمسة كيلوجرامات، فإذا ما تحقق يمكنك استهداف خمسة كيلوجرامات أخرى، دون أن تضطر إلى اتباع حميات غذائية خاصة أو قاسية.
النظام الغذائي:
لا يستدعي الأمر في تلك المرحلة أن تتبع نظامًا غذائيًا يلزمك بالضرورة بالابتعاد عن كل ما قد تحب أو تشتهي من ألوان الطعام، فالحرمان قد يفسد عليك الأمر.
قلل من تناول الكربوهيدرات البسيطة، مثل الخبز والمكرونة والأرز والبطاطس، وكل المشروبات المحتوية على كميات من السكر، مثل العصائر والمشروبات الغازية، إذ إن تلك المواد تُهضم بسرعة ليبدأ السكر في النزول للدم بسرعة وبكميات تسجل ارتفاعًا في نسبة الجلوكوز في الدم بسرعة أيضًا، الأمر الذي ــ على عكس ما يُتصور ــ يزيد من رغبة الإنسان في طلب المزيد من السكر، وينتهي بزيادة غير مرغوبة في الوزن.
استبدل الكربوهيدرات البسيطة بأخرى معقدة، مثل تلك التي توجد في الحبوب الكاملة والفول والعدس.
واهتم بقدر الألياف في طعامك، لأنها تُبطئ من امتصاص الجلوكوز، وتسهم في التوازن المطلوب في وجوده بين الدم والخلايا. وهي أيضًا تمنحك الإحساس بالشبع دونما تدخل في زيادة الوزن، إذ إن الألياف لا تُهضم، وبالتالي لا تُمتص، إنما تساعد على الهضم وتسهله لتخرج بعد ذلك من الجسم كما دخلته دون تغير يُذكر.
النشاط البدني:
من أفضل ما تقدمه لجسدك من فائدة حرصك على الحركة والالتزام ببعض التمارين الرياضية البسيطة، إلى جانب الحرص على المشي بانتظام.
نصف ساعة من الحركة على مدار الأسبوع لخمس مرات بالفعل ذات فائدة عظيمة، ليس فقط لصحة البدن وسلامته، إنما أيضًا لصحة النفس. بها تحافظ على وزن صحي، وتدفع إلى أطرافك دورة دموية نشطة، وتضمن سلامة عضلاتك وليونتها، إلى جانب ما تشعر به من راحة نفسية تدفعك إلى نوم عميق.
إلى جانب مساهمتها في إقامة التوازن المطلوب بين السكر في الدم والسكر في الخلايا، اللازم دائمًا لتوفير الطاقة المطلوبة لكل العمليات الحيوية التي يقوم بها الجسم.
إذا ما تم تشخيصك في مرحلة ما قبل السكر، فأنت بالفعل محفوظ صحيًا، فتلك هي المرحلة التي يمكنك فيها التدخل للوقاية بصورة إيجابية من تداعيات كثيرة قد تهدد حياتك.
إجراء بعض تحاليل الدم مطلوب في تلك المرحلة، ومنها يُستدل على المؤشرات التي يعتمد عليها في متابعة أحوالك بدقة:
1- اختبار الهيموجلوبين السكري:
تلك العينة من الدم التي يشير فيها الهيموجلوبين في خلايا الدم الحمراء إلى مستوى السكر في الدم خلال الثلاثة أشهر الماضية (متوسط عمر خلايا الدم الحمراء).
وهو أحد الاختبارات المهمة للغاية، والتي يُعتمد عليها في التشخيص والمتابعة. وهو اختبار بسيط لا يحتاج إلى أي استعدادات، ولا يستوجب صيامًا أو إفطارًا مشروطًا.
2- اختبار تحمل الجلوكوز الفموي (Oral Glucose Tolerance Test):
تحديد مستوى السكر في بلازما الدم بعد ثماني ساعات صيام عن الطعام، ثم اختبار كيفية إدارة الجسم لتناول قدر من المحلول السكري بعد ذلك لمعرفة كيف تسير الأمور.
كيف يمكن تشخيص ما قبل السكر من قراءة نتائج تحاليل الدم؟
وفقًا لما تحدده جمعية السكر الأمريكية، يُشتبه الإصابة بمرحلة ما قبل السكر في حالة أن تسجل النتائج:
الهيموجلوبين السكري: ما بين 5.7 و6.4.
بينما تسجل تحاليل السكر صائمًا ما بين 100 و125 ملليجرام/ديسي لتر.
أو مستوى السكر في البلازما 140 - 199 ملليجرامًا/ديسي لتر خلال اختبار تحمل الجلوكوز بالفم.
مرحلة ما قبل السكر مرحلة بالغة الأهمية، يمكن رصدها إذا ما كان الإنسان مهتمًا بالفعل بتسجيل وقائع ملفه الصحي بصورة منتظمة واعية، تعتمد على إجراء الكشوف الدورية المعروفة على مدار مراحل عمر الإنسان، وعلى درجة وعيه بالحقائق الصحية والمعلومات الغذائية التي يجب مراعاتها دائمًا في أسلوب حياته اليومية.