أزمة سبتة تعيد المشهد من جديد| سينما الهجرة غير الشرعية.. من حلم الخلاص إلى كابوس الحدود
آخر تحديث: السبت 15 أغسطس 2026 - 6:33 م بتوقيت القاهرة
خالد محمود
• واقع جديد من الاستغلال والعنصرية والوحدة وصعوبة الاندماج.. والسينما ترفض اختصار الهجرة غير الشرعية فى الفقر والبطالة
• الأفلام العالمية لا تنظرإلى المهاجر من الخارج بل تدخل معه الرحلة.. والسؤال الأهم ليس «لماذا هاجر؟» وإنما: لماذا لم يجد سببًا كافيًا للبقاء؟
• السينما العربية ترى فكرة الرحيل جزءا من البحث عن هوية
• «أنا القائد».. فيلم يضع المشاهد أمام سؤال شديد القسوة: ماذا يحدث عندما يصبح الحلم أقوى من الخوف؟ Golden Dream اختبار للبراءة.. و«Mediterranea».. النجاة ليست نهاية الحكاية
• «نار فى البحر» يرصد المأساة مبكرًا من لامبيدوسا الإيطالية
مرة أخرى تعيد أزمة سبتة قضية الهجرة غير الشرعية إلى واجهة المشهد، لتكشف صورة تختصر واحدة من أكثر أزمات عصرنا قسوة: إنسان يقف أمام حدود تفصل بين عالمين، ويحاول عبورها بأى طريقة ممكنة، بينما تقف خلف الأسلاك والبحر والحواجز حكايات كاملة عن الفقر والحلم والخوف والرغبة فى بداية جديدة.
لكن بعيدًا عن الحسابات السياسية والأمنية، وعن الجدل حول الحدود ومسئولية الدول، هناك صورة أخرى لا تقل أهمية: صورة الإنسان الذى يقف على الجانب الآخر من الحدود، وينظر إلى مكان يعتقد أن الحياة فيه يمكن أن تكون أفضل.
وهنا تحديدًا تدخل السينما.. فالهجرة غير الشرعية لم تعد مجرد خبر عن قارب غارق أو مجموعة أشخاص حاولوا عبور الحدود، وإنما أصبحت موضوعًا سينمائيًا شديد الثراء، لأن خلف كل مهاجر حكاية، وخلف كل قارب حلم، وخلف كل محاولة عبور سؤال أكبر: ما الذى يجعل الإنسان مستعدًا للمخاطرة بحياته من أجل الوصول إلى مكان آخر؟
فالسينما لا تبدأ حكاية الهجرة عند البحر، وإنما قبل ذلك بكثير، فى اللحظة التى يبدأ فيها الإنسان بالشعور بأن المكان الذى ولد فيه لم يعد قادرًا على منحه المستقبل الذى يحلم به.
وهنا يصبح سؤال السينما مختلفًا عن سؤال الأخبار.. الخبر يسأل: كم شخصًا عبر الحدود؟ أما الفيلم فيسأل: لماذا أرادوا العبور؟
الخبر يتحدث عن «مهاجرين»، بينما تحاول السينما أن ترى الإنسان خلف هذه الكلمة: الشاب الذى ترك أمه، والفتاة التى تبحث عن الأمان، والأب الذى يريد مستقبلًا أفضل لأبنائه، واللاجئ الذى لم يعد يملك وطنًا يستطيع العودة إليه.
من «قوارب الموت» إلى «قوارب الحلم»
ارتبطت الهجرة غير الشرعية فى الخطاب الإعلامى بتعبير «قوارب الموت»، وهو تعبير دقيق فى وصف الخطر، لكنه لا يروى الحكاية كاملة.
فالذين يصعدون إلى هذه القوارب لا يبحثون عن الموت، وإنما عن الحياة.
وهنا تكمن المفارقة التى تستطيع السينما التقاطها ببراعة: القارب الذى يبدو للمتفرج وسيلة للموت، قد يكون بالنسبة إلى المهاجر وسيلة أخيرة للنجاة.
ليس المقصود تبرير الهجرة غير الشرعية، أو تجاهل مخاطرها، وإنما محاولة فهم دوافعها: ماذا حدث قبل القارب؟ ما الذى جعل شابًا يبيع ما يملك، أو تستدين أسرته، أو يدفع مدخرات سنوات إلى سمسار مجهول، من أجل رحلة لا يعرف إن كان سيصل إلى نهايتها؟.. هذه هى المنطقة التى تبدأ فيها السينما الحقيقية.
الحلم يصبح رحلة فى الجحيم
من أبرز الأفلام الحديثة التى تعاملت مع الهجرة فيلم «أنا القائد» Io
Capitano للمخرج الإيطالى ماتيو جارونى، المرشح للأوسكار، والذى يتابع رحلة شابين من السنغال يعبران الصحراء الكبرى ويواجهان الحقائق الوحشية لتهريب البشر وعبور البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.
لكن الرحلة لا تأتى فى صورة مغامرة رومانسية للوصول إلى «العالم الجديد»، وإنما تتحول إلى مسار طويل من الخوف والعنف والاستغلال والموت.
أهمية الفيلم أنه لا ينظر إلى المهاجر من الخارج، بل يدخل معه الرحلة، نرى الصحراء والحدود والمهربين والخوف والبحر، ونرى الحلم الذى بدأ بسيطًا ثم يتحول تدريجيًا إلى معركة من أجل البقاء.
وهنا يضع الفيلم المشاهد أمام سؤال شديد القسوة: ماذا يحدث عندما يصبح الحلم أقوى من الخوف؟
المهاجر يعرف أن الرحلة خطيرة، لكنه يقرر خوضها.. لماذا؟ لأنه يرى أن الخطر فى الطريق قد يكون أقل من الخطر الذى ينتظره إذا بقى فى مكانه.
أما فيلم «البحر الأبيض المتوسط» «Mediterranea» للمخرج الإيطالى جوناس كاربينيانو، فينقلنا إلى مرحلة أخرى: ماذا يحدث بعد الوصول؟.. فالنجاة من البحر ليست بالضرورة نجاة كاملة.
المهاجر الذى يصل إلى أوروبا يجد نفسه أمام واقع جديد من العمل الشاق والاستغلال والعنصرية والوحدة وصعوبة الاندماج.
وهنا تتحول الهجرة من رحلة جغرافية إلى رحلة نفسية.. قد ينجو الإنسان من البحر، لكنه لا ينجو بالضرورة من الغربة.
قد يعبر الحدود، لكنه يظل يبحث عن مكان داخل المجتمع الجديد. وقد يحقق جزءًا من حلمه الاقتصادى، لكنه يكتشف أن ثمن ذلك هو البعد عن الأسرة والوطن واللغة والذاكرة.
وهذه واحدة من أهم أفكار سينما الهجرة: الوصول ليس نهاية الرحلة.
ومن الأفلام المهمة فى هذا السياق أيضا الفيلم الوثائقى الشعرى الإيطالى «Fuocoammare» (نار فى البحر) للمخرج جيانفرانكو روسى، الفائز بجائزة الدب الذهبى فى مهرجان برلين السينمائى الدولى، والذى يرصد مأساة اللاجئين الذين يصلون إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، فى معالجة تمزج بين الحدث اليومى والبعد الإنسانى، وتضع المتفرج أمام مأساة لا يمكن اختزالها فى أرقام وإحصاءات.
يقارن هذا الفيلم فى سياقة المأساوى بين الحياة اليومية العادية لطفل صغير فى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية والواقع المروع الذى يواجهه المهاجرون الوافدون على متن قوارب مكتظة.
وفيلم «حياة أفضل»، من إخراج كريس ويتز وبطولة ديميان بيشير فى دور كارلوس جاليندو، وهو بستانى غير موثق يعيش فى لوس أنجلوس ويحاول التواصل مع ابنه المراهق وحمايته من العصابات المحلية، وقد رُشِّح بيشير لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل.
وفيلم «غير شرعى» (Illégal) من إخراج أوليفييه ماسيت-ديباس. تقوم آن كويسينز بدور تانيا، وهى مهاجرة روسية تعيش فى بلجيكا بشكل غير قانونى مع ابنها، وتواجه خطر الاعتقال والترحيل.. تفصل الدولة الأم عن ابنها، وتناضل تانيا لاستعادة ابنها والحفاظ على حقوقها الإنسانية.
اشياء جميلة قذرة
أما الفيلم البريطانى «Dirty Pretty Things «أشياء جميلة قذرة»، من إخراج ستيفن فريرز، وبطولة شيويتيل إيجيوفور وأودرى تاتو، فيتناول عالم المهاجرين فى لندن، من خلال فندق مرتبط بتجارة الأعضاء غير المشروعة،
يتحول إلى نقطة تجمع لمهاجرين يحاولون إعادة بناء حياتهم فى بلد جديد، ومن بينهم سيناى، المرأة التركية، وأوكوى، الطبيب النيجيرى الذى يبحث عن حياة أفضل.
وفى الفيلم الفرنسى (Welcome) (2009) للمخرج فيليب ليوريه، نتابع قصة بلال، الفتى الكردى العراقى، البالغ 17 عامًا، الذى يصل إلى كاليه محاولًا الوصول إلى إنجلترا للقاء حبيبته. لكنه يجد نفسه أمام اختبار جديد: كيف يعبر القناة الإنجليزية، وهو لا يستطيع السباحة؟
والفيلم الإيطالى «تيرافيرما» من إخراج إيمانويل كرياليزى، تدور أحداثه حول مجتمع جزيرة صقلية صغير يُجبر على مواجهة قوانين الهجرة الوطنية والواجبات الأخلاقية المحلية عندما ينقذون مهاجرين أفارقة سريين من البحر.
ونتذكر «إيدن هى الغرب» من إخراج كوستا جافراس، حيث تقدم هذه الكوميديا التراجيدية الفرنسية اليونانية رؤية حديثة ومغامرة لرحلة شاب سرية من الشرق إلى ما يُنظر إليه على أنه جنة أوروبا الغربية.
وفى سياق مواز نجد فيلم «الوعد» من إخراج الأخوين داردين، يستكشف هذا الفيلم الدرامى البلجيكى الاستغلال والصحوة الأخلاقية عندما يساعد مراهق والده عديم الضمير على التربح من السكن والعمل غير الموثقين.
وكذلك «لعبة الظل» فيلم وثائقى تجريبى من إخراج إيفجى بلانكفورت وإلس فان دريل، يتتبع لاجئين قاصرين مراهقين غير مصحوبين بذويهم يحاولون اختراق الحدود الأوروبية المحصنة من وجهة نظرهم الخاصة.
فى هذه الأفلام لا تبدو الحدود مجرد خط على الخريطة.. إنها حاجز بين عالمين، عالم يملك البعض فيه حرية الحركة، وعالم آخر يجد فيه الإنسان نفسه مضطرًا إلى المخاطرة بحياته حتى يعبر إلى الضفة الأخرى، ومن هنا تصبح الحدود نفسها شخصية درامية فى سينما الهجرة.
من المكسيك إلى أمريكا.. الحدود كحاجز للامل
فى السينما الأمريكية واللاتينية، ارتبطت الهجرة بصورة خاصة بالحدود الأمريكية المكسيكية، وبما يسمى «الحلم الأمريكى».
فى فيلم «Sin Nombre» للمخرج كارى فوكوناجا، تصبح رحلة المهاجرين من أمريكا الوسطى نحو الولايات المتحدة رحلة محفوفة بالعنف والخطر.
وفى فيلم «The Golden Dream» «الحلم الذهبى» للمخرج المكسيكى دييجو كيمادا-دييز، تتحول رحلة مجموعة من المراهقين الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة إلى اختبار للبراءة والصداقة والخوف والحلم.
عُرض الفيلم لأول مرة ضمن قسم «نظرة ما» فى مهرجان كان السينمائى عام 2013، حيث فاز كيمادا دييز بجائزة «موهبة معينة» عن إخراجه وأداء طاقم الممثلين.
والفيلم الوثائقى «أى طريق للعودة» من إخراج ريبيكا كاميسا والذى يقدم الوثائقى «أى طريق للعودة» رحلة أطفال غير مصحوبين بذويهم، وهم يتجنبون الموت غرقًا فى القطارات، والجوع، والاغتصاب، والسرقة، ووحشية الشرطة، والترحيل، سعيًا للهجرة إلى الولايات المتحدة.
بدأ الفيلم بمشهد لضابط شرطة مكسيكى لم يُكشف عن هويته يتحدث عن حادثة انتشلت فيها السلطات الأمريكية جثة طفل جرفتها المياه إلى الجانب الأمريكى من نهر ريو جراندى.
سأل أحد أفراد طاقم الفيلم: «هل يحدث هذا بشكل متكرر؟» فأجاب الضابط: «نعم، بشكل متكرر، للأسف، مع أشخاص يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة».
يستكشف الفيلم العديد من وفيات الأطفال المهاجرين، مثل ابنى العم «إيلوى» و«روزاريو» اللذين لقيا حتفهما أثناء عبور الصحراء.
تنوعت أسباب الهجرة من طفل لآخر، من الهروب من سوء معاملة الوالدين والفقر المدقع إلى تحقيق الأهداف والأحلام.
يروى الفيلم قصة طفلين غيرمصحوبين بذويهما، كيفن (14 عامًا) وفيتو (13 عامًا)، يغادران هندوراس متجهين إلى الولايات المتحدة. وفى الطريق، يلتقيان بجايرو (14 عامًا) ويوريكو (17 عامًا) من المكسيك، ويسافران معهما شمالًا.
فى النهاية، يصل كيفن فقط إلى الولايات المتحدة ويُنقل إلى مركز احتجاز فى كاليفورنيا، بينما يُرحّل فيتو إلى هندوراس، ويُرحّل يوريكو وجايرو إلى المكسيك.
خلال أحداث الفيلم، انقطع الاتصال بين أولجا وفريدى (9 أعوام) وطاقم التصوير. تم تخصيص مقاطع قصيرة لعرض معاناة وقصة خوسيه، وهو طفل سلفادورى يبلغ من العمر 10 سنوات، وآخرين ممن تخلى عنهم المهربون واقتيدوا إلى مركز ترحيل.
الهجرة ليست فقرًا فقط
من السهل اختصار الهجرة غير الشرعية فى الفقر والبطالة، لكن السينما الأكثر نضجًا ترفض هذا التفسير الأحادى.
هناك الحروب والصراعات، وانعدام الفرص، والرغبة فى تحقيق الذات، وتأثير صور النجاح القادمة من الخارج، والصورة المثالية التى تصنعها وسائل التواصل الاجتماعى عن الحياة فى أوروبا وأمريكا.
وهناك أيضًا شعور الإنسان بأنه يعيش فى مكان لا يستطيع أن يحقق فيه ذاته.
ولهذا فإن الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن المال، أحيانا تكون بحثًا عن الكرامة والمستقبل والاعتراف بالذات.
ومن هنا يصبح السؤال السينمائى الأهم ليس: «لماذا هاجر؟»، وإنما: «لماذا لم يجد سببًا كافيًا للبقاء؟»
السينما العربية.. الرحيل بحثًا عن هوية
فى السينما العربية، اتخذت الهجرة أشكالا متعددة.. نجحت العديد من الأفلام الرائعة فى تصوير اليأس والمخاطر والواقع المعقد للهجرة غير الشرعية عبر الحدود والبحر الأبيض المتوسط.
فى الاعمال الفلسطينية، ارتبطت فكرة الرحيل والمنفى واللجوء بفقدان الأرض والهوية والذاكرة، كما فى فيلم «إن شئت كما فى السماء» للمخرج إيليا سليمان، الذى لا يتناول الهجرة غير الشرعية بصورة مباشرة، لكنه يقترب من الاغتراب والمنفى والنظر إلى الوطن من الخارج.
وفى فيلم «الهدية» للمخرجة فرح نابلسى، تصبح الحدود والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين جزءًا من التجربة الإنسانية التى يعيشها أبطال الفيلم.
أما السينما المغاربية، فقد تناولت العلاقة المعقدة بين الجنوب والشمال، وبين الوطن الأصلى وأوروبا، وبين الرغبة فى الهجرة وألم الاغتراب.
ومن أبرز النماذج فيلم «حراقة» للمخرج الجزائرى مرزاق علواش، الذى يتناول بصورة مباشرة قصة مجموعة من الشباب الجزائريين فى مستغانم وهم يستعدون ويخاطرون بحياتهم فى رحلة بحرية سرية لعبور البحر الأبيض المتوسط باتجاه أوروبا، وبالتحديد إلى إسبانيا مقتربًا من الحلم والخوف والانتظار والموت.
ومن أكثر الأفلام صدقًا فى هذا السياق فيلم «Europa» أوروبا، للمخرج العراقى حيدر رشيد، الذى يروى ثلاثة أيام مأساوية من حياة الشاب العراقى كمال، الذى يحاول الوصول إلى أوروبا سيرًا على الأقدام عبر الحدود التركية البلغارية، قبل أن يقع فريسة لقوات الحدود والجماعات المناهضة للمهاجرين.
شارك فى الفيلم ممثلون هواة، كان من بينهم عدد من الشباب الآسيويين الذين وصلوا إلى أوروبا عبر طريق البلقان، وهو ما منح التجربة بعدًا واقعيًا قاسيًا، إذ استعاد بعضهم من خلال الفيلم ذاكرة رحلة حقيقية.
وزاد من واقعية الفيلم أن تصويره تم بالكامل داخل غابة شاسعة وكثيفة، حيث عاش الممثلون وفريق العمل فى مواقع التصوير، فى انغماس نفسى وفعلى فى أجواء الوحدة والخوف التى عاشها بطل الفيلم.
بينما قدم الكاتب والمخرج بن شاروك فيلم ليمبو «Limbo»، الذى فاز بجائزتى أفضل فيلم وجائزة الاتحاد الدولى للنقاد السينمائيين «فيبريسى» فى مهرجان القاهرة السينمائى.
يقدم العمل مجموعة من اللاجئين العالقين فى جزيرة اسكتلندية نائية، فى انتظار مصير طلبات لجوئهم إلى بريطانيا. لا مكان ثابتًا يذهبون إليه، ولا مكان يعودون إليه، فيتحول الانتظار نفسه إلى حالة من التيه.
وفى مقدمة هؤلاء الشاب السورى عمر، الموسيقى الذى يجسد دوره أمير المصرى، وقد انفصل عن عائلته، بينما يعيش شقيقه فى سوريا فى ظروف غامضة.
فى التجارب العربية، لا تكون الهجرة دائمًا رحلة بحث عن المال، وإنما قد تكون هروبًا من الحرب أو الاضطراب أو القهر أو انعدام الأمان.
وهنا يصبح السؤال مختلفا: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح وطنه نفسه مكانًا غير آمن؟
السينما العربية، فى أفضل تجاربها، لا تتعامل مع المهاجر غير الشرعى باعتباره شخصًا غادر وطنه وانتهت الحكاية، وإنما باعتباره إنسانًا يعيش بين مكانين.
يترك وطنه، لكنه لا يستطيع ترك ذاكرته، يصل إلى المكان الجديد، لكنه لا يصبح بالضرورة جزءًا منه.. وهكذا يتحول المهاجر إلى شخصية معلقة بين ضفتين.
السينما المصرية.. الحلم بالخارج
أما السينما المصرية، فقد تعاملت منذ سنوات طويلة مع فكرة السفر إلى الخارج بوصفها حلمًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
الخارج كان فى كثير من الأعمال مساحة للرزق والمال والفرصة، وربما الخلاص من الفقر.
فيلم «فوى! فوى! فوى!» للمخرج عمر هلال، تقدم هذه الكوميديا التراجيدية نظرة ساخرة ومؤثرة فى آنٍ واحد على المدى اليائس الذى يصل إليه الشباب هربا من المصاعب الاقتصادية، وذلك من خلال تتبع حارس أمن يتظاهر بالإعاقة البصرية للانضمام إلى فريق كرة قدم للمكفوفين مسافر إلى أوروبا، ويخطط للفرار من أجل تحقيق حلم حياة أفضل.
ونتذكر أفلامًا مثل «إسكندرية نيويورك» للمخرج يوسف شاهين، وإن كان يتناول فكرة السفر والاغتراب من زاوية مختلفة.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين تناول الهجرة بوصفها حلمًا، وبين الاقتراب من الهجرة غير الشرعية كظاهرة اجتماعية وإنسانية معقدة.
وهنا تحديدًا تبدو المساحة المصرية بحاجة إلى أفلام أكثر جرأة وعمقًا.
فالهجرة غير الشرعية تحمل كل عناصر الدراما التى يمكن أن تصنع فيلمًا مصريًا قويًا: شاب يحلم، أسرة تراهن على مستقبله، سمسار يستغل حلمه، أموال تجمعها الأسرة، رحلة سرية، قارب مكتظ، بحر مجهول، ثم نهاية قد تكون الوصول أو الغرق أو العودة.
لكن السينما يجب ألا تبدأ من القارب.. يجب أن تبدأ من القرار.
لماذا قرر الشاب أن يرحل؟ من أقنعه؟ ماذا وعد أمه؟ هل كان يبحث عن المال فقط؟ هل كان يريد أن يصبح شخصًا آخر؟ هل كان يرى أن النجاح مستحيل فى بلده؟
هذه الأسئلة هى التى تمنح القضية بعدها الإنسانى.
من الهجرة إلى الهروب
هناك فارق بين أن يهاجر الإنسان وأن يهرب.. المهاجر الذى يسافر من أجل وظيفة يعرف أين سيذهب، ويملك فى الغالب خطة للعودة أو الاستقرار.
أما الذى يخوض رحلة غير شرعية، فقد يكون هاربًا من واقع يشعر أنه مغلق.
ولهذا يمكن للسينما المصرية أن تقدم معالجة أكثر عمقًا إذا توقفت عند اللحظة التى يتحول فيها الحلم إلى قرار بالرحيل.
فالفيلم الأقوى ليس الذى يقول للشاب: «لا تهاجر، البحر خطير».. الجميع يعرف أن البحر خطير.
لكن الفيلم الذى يستحق المشاهدة هو الذى يجعلنا نسأل: ما الذى جعل البحر يبدو أقل خطورة من البقاء؟
السينما لا تدين المهاجر ولا تبرر الهجرة.. السينما الناضجة ينبغى ألا تتحول إلى محكمة.
ليس مطلوبًا منها أن تبرر الهجرة غير الشرعية، كما ينبغى ألا تحول المهاجر إلى بطل رومانسى.
لكن هناك مساحة ثالثة بين الإدانة والتبرير: الفهم..أن نفهم لماذا غادر، من دون أن نتجاهل القانون..أن نتعاطف مع الإنسان، من دون أن نتجاهل المخاطر..أن نرى المأساة، من دون أن نحولها إلى بطولة.
وأن نكشف فى الوقت نفسه شبكات الاستغلال التى تتاجر بأحلام الناس وتدفعهم إلى رحلات مجهولة المصير.
هذه المساحة تحديدا هى التى تمنح السينما قوتها.
وبعد الوصول.. تبدأ مأساة أخرى
من أكثر الجوانب التى يمكن أن تمنح سينما الهجرة عمقًا، الحديث عن الحياة بعد الوصول.
فالنجاة من البحر لا تعنى بالضرورة الوصول إلى الجنة..هناك اللغة، والعمل، والوحدة، والعنصرية، والخوف، والحنين، وصعوبة الاندماج.
وقد يكتشف المهاجر أن الصورة التى رسمها عن أوروبا أو أمريكا لم تكن سوى نصف الحقيقة.. وهنا يتحول الفيلم من حكاية عن الهجرة إلى حكاية عن الاغتراب.
فالإنسان قد يهرب من وطنه، لكنه يحمل وطنه معه، يحمل لغته وذكرياته وأمه وطفولته وشارعه وأغانيه.
وقد يقضى سنوات فى البحث عن وطن جديد، بينما يظل داخله عالقًا فى الوطن القديم.
«سبتة».. صورة تختصر الحكاية
من هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو أزمة «سبتة»، وغيرها من أزمات الحدود والهجرة، وكأنها مشهد جاهز من فيلم لم يُكتب بعد.
أشخاص يحاولون عبور الحدود، وأسلاك وحواجز، ومدينة أوروبية تقف على أرض إفريقية، وحلم يقف على الجانب الآخر.
إنها صورة تختصر الصراع كله: الحدود موجودة، لكن الحلم لا يعرف الحدود.
وهنا تستطيع السينما أن تقدم ما لا يستطيع الخبر وحده تقديمه.
الخبر يخبرنا بما حدث، أما الفيلم فيحاول أن يخبرنا لماذا حدث.
السينما.. سؤال العالم عن نفسه
فى النهاية، لا تتحدث سينما الهجرة غير الشرعية عن المهاجر وحده، وإنما عن العالم الذى صنع حاجته إلى الهجرة.
عندما يغرق قارب فى البحر المتوسط، لا تكون المأساة فقط فى الأشخاص الذين فقدوا حياتهم، وإنما أيضًا فى الظروف التى دفعتهم إلى ركوب القارب، وفى الفوارق الهائلة بين فرص الحياة، وفى الحدود التى تجعل الانتقال سهلًا لبعض البشر ومستحيلًا لآخرين.
ولهذا فإن السينما حين تتناول الهجرة لا تسأل فقط عن المهاجر، وإنما تسأل العالم كله:
هل أصبح الحق فى الحلم امتيازًا؟
وإذا كان الإنسان يغامر بحياته من أجل الوصول إلى مكان آخر، فهل علينا أن ننظر فقط إلى القارب، أم أن ننظر أيضًا إلى المكان الذى جاء منه؟
ربما يكون البحر هو آخر مشهد فى حكاية الهجرة، لكنه ليس بدايتها.
البداية الحقيقية كانت يوم شعر الإنسان أن وطنه لم يعد قادرًا على أن يمنحه سببًا كافيًا للبقاء.. وهنا تكمن قوة السينما.
أن تجعلنا نرى خلف المهاجر إنسانًا، وخلف القارب حلمًا، وخلف الحدود عالمًا كاملًا من الأسئلة.
فالهجرة غير الشرعية ليست دائمًا بحثًا عن وطن جديد، وإنما قد تكون فى جوهرها بحثًا عن الحياة التى لم يجدها الإنسان فى وطنه الأول.