أخطر من النووي.. هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى تهديد وجودي للبشرية؟
آخر تحديث: الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 10:31 ص بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تكنولوجي بين كبرى شركات العالم، وإنما أصبح جزءا من سباق أكبر على القوة والتفوق العسكري؛ بعد دخوله تدريجيا في الحروب، بداية من تحليل المعلومات وتحديد الأهداف إلى تشغيل الطائرات المسيّرة ودعم قرارات القتال، ليتحول من أداة تساعد الإنسان وتسهل عليه مهامه اليومية إلى تكنولوجيا يمكن أن تهدد حياته، ما يثير تساؤلات حول مخاطره إذا خرج عن السيطرة.
أخطر من النووي وتحذيرات من سيناريو كارثي في 2027
لعل المفارقة الأكبر أن بعض أقوى هذه التحذيرات تأتي من داخل قطاع التكنولوجيا نفسه، فحتى من ساهموا في تطوير هذا الذكاء الاصطناعي يحذرون اليوم من صعوبة السيطرة عليه، إذ جدد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك تحذيره من مخاطر الذكاء الاصطناعي، واصفا إياه بأنه قد يكون "أكثر خطورة من الأسلحة النووية"، مكررا موقفا وتحذيرا سابقا له في عام 2014.
وجاء ذلك بعدما دعا الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، داريو أمودي، إلى إبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة، على خلفية مخاوف تتعلق بالسلامة، وهو المقترح الذي أعلن ماسك تأييده له لاحقا.
ولم تتوقف التحذيرات عند ذلك، إذ أعلن الباحث في شركة "أنثروبيك"، جاكوب كوكسون، مغادرته قطاع الذكاء الاصطناعي، معربا عن مخاوفه من أن يؤدي السباق المتسارع بين شركات التكنولوجيا إلى اقتراب العالم من "نقطة اللا عودة"، وصولا إلى سيناريو كارثي محتمل بحلول نهاية عام 2027، بحسب تعبيره.
ترامب وشي.. الذكاء الاصطناعي معركة القوة الجديدة
في الوقت الذي يحذر فيه خبراء ومطورون من المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، تتعامل القوى الكبرى معه باعتباره واحدا من أهم أدوات القوة في المستقبل؛ فلم يفوت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مناسبة تكنولوجية إلا وأكد على ريادة بلاده في هذا المجال، مقابل الصين في سباق القوى العظمى المتصاعد في مجال الذكاء الاصطناعي، وقال في أحدث تصريحاته إن الولايات المتحدة متقدمة في هذا المجال، مؤكدا أن "من يسيطر على الذكاء الاصطناعي ينتصر"، في تعبير يعكس مدى ارتباط التكنولوجيا، في نظره، بموازين القوة بين الدول.
وفي المقابل، دعا الرئيس الصيني، شي جينبينج، إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، ورغم محاولات الصين التفوق في بعض الأحيان، فإنه جدد مقترحه بشأن إبرام اتفاقية عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي في كلمة ألقاها أمام قادة دول "الجنوب العالمي".
وبين الرؤية الأمريكية وتركيزها على الحفاظ على التفوق، والرؤية الصينية التي تطرح التعاون الدولي وحوكمة التكنولوجيا، يبدو الذكاء الاصطناعي مرشحا لأن يكون أحد الملفات الأساسية في التنافس بين القوتين.
ومن المنتظر أن يكون الملف حاضرا بقوة في القمة المرتقبة بين ترامب وشي في واشنطن خلال الفترة المقبلة؛ ففي اجتماعهما الذي عُقد في بكين خلال مايو الماضي، ناقش الطرفان وضع ضوابط تنظيمية للذكاء الاصطناعي، لكن دون تحقيق نتائج ملموسة تذكر.
لماذا تخشى أمريكا من الصين في سباق الذكاء الاصطناعي؟
تخلف الذكاء الاصطناعي الصيني عن منافسيه الأمريكيين لسنوات، ويعود ذلك جزئيا إلى القيود الأمريكية على تصدير التكنولوجيا التي تحد من وصول الشركات الصينية إلى معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي تعد ضرورية لتدريب النماذج الأكثر تعقيدا.
لكن المشهد تغير بصورة لافتة خلال العام الماضي، عندما فاجأت شركة "ديب سيك" الصينية الناشئة قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي في يناير 2025، بتطبيق منخفض التكلفة، وتصدر قائمة التطبيقات المجانية الأكثر تحميلا في أمريكا، متجاوزا "شات جي بي تي" في ذاك الوقت، ما أثار مخاوف بشأن هيمنة الشركات الأمريكية على سوق الذكاء الاصطناعي، خاصة بعدما تسبب في خسارة ملايين الدولارات من القيمة السوقية للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما جعل ترامب يصفه بأنه "جرس إنذار" للصناعة الأمريكية، داعيا الشركات إلى التركيز أكثر على المنافسة والابتكار.
وبعدها تسارعت وتيرة تطوير مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية، إذ كشفت شركات مثل "Alibaba" و"Z.AI" و"Minimax"، ومؤخرا "Moonshot"، عن نماذج قادرة على تحدي هيمنة الشركات الأمريكية الرائدة مثل "Anthropic" و"OpenAI".
من الأقمار الصناعية إلى الطائرات المسيرة.. ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي في الحروب؟
شهدت السنوات الأخيرة تزايدا واضحا في حضور الذكاء الاصطناعي داخل الحروب الحديثة، فالحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعتمد على التفوق العددي والقوة النارية التقليدية فقط، وإنما أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على القدرة على جمع المعلومات ومعالجتها واتخاذ القرار في أسرع وقت ممكن، من بين هذه الخدمات:
الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع
يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، والتعرف على تحركات القوات والمركبات والمنشآت العسكرية، إلى جانب تحليل الاتصالات المعترضة ورصد مؤشرات على تحركات أو تهديدات محتملة.
الحرب الإلكترونية
يستخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات هجومية ودفاعية في الفضاء السيبراني، وتعطيل الاتصالات والبنية التحتية، فضلا عن إنتاج محتوى مزيف يمكن استخدامه للتضليل والتأثير في معنويات المدنيين والجنود.
الأسلحة والطائرات المسيّرة
يظهر استخدامه أيضا في الطائرات المسيّرة والأسلحة ذاتية التحكم، من خلال أنظمة الرؤية الحاسوبية للتعرف على الأهداف والمساعدة في الملاحة، إلى جانب تطوير "أسراب المسيرات" التي تعمل بصورة منسقة، ومن الأمثلة على ذلك المركبات القتالية غير المأهولة مثل الروبوت الروسي "Uran-9".
اللوجستيات والقرار العسكري
لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على القتال المباشر، إذ يمكن استخدامه للتنبؤ بأعطال المعدات، وتحسين الصيانة وإدارة سلاسل الإمداد، إلى جانب دعم القرارات العسكرية، كما في مشروع "Maven" الأمريكي لتحليل كميات ضخمة من البيانات ودعم العمليات العسكرية.
كيف استخدمت إسرائيل الذكاء الاصطناعي في إبادة سكان قطاع غزة؟
الحرب على قطاع غزة أصبحت واحدة من أبرز الأمثلة التي أثارت الجدل حول استخدام الذكاء الاصطناعي، بعد استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي عددا من أنظمته في جمع المعلومات وتحليلها وتحديد الأهداف وتخطيط العمليات، لاستهداف عشرات الآلاف من الفلسطينيين في عمليات اغتيال متعمدة، وتقليل الإشراف البشري للحد من الخسائر البشرية، بحسب تقارير صحفية إسرائيلية، ومنها:
لافندر.. آلاف الأهداف في وقت قصير
يعد "لافندر" من أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي إثارة للجدل؛ إذ يستطيع معالجة كميات ضخمة من البيانات وإنتاج آلاف الأهداف المحتملة، وفق شهادات ستة ضباط استخبارات إسرائيليين لمجلة "+972"، فيما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إن النظام لا يحدد الأهداف بشكل مستقل وإن قرارات الاستهداف تخضع لمراجعة بشرية.
أين أبي؟.. نظام يتتبع الهدف حتى المنزل
وبحسب تحقيقات "+972" و"لوكال كول"، استُخدم نظام "أين أبي؟" أو "?Where's Daddy" لتتبع أفراد مستهدفين وتحديد مواقع وجودهم، بما في ذلك منازلهم، وسط تقارير عن استخدامه لمعرفة وجود الأشخاص المستهدفين داخل منازلهم.
جوسبل.. مصنع أهداف بالذكاء الاصطناعي
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدام نظام "جوسبل" أو "الإنجيل" في إنتاج الأهداف، فيما ذكرت تقارير، بينها "الجارديان"، أنه يعتمد على كميات كبيرة من البيانات الاستخباراتية للمساعدة في تحديد المباني والمنشآت المرتبطة بالعمليات العسكرية، وتسريع إنتاج الأهداف.
فاير فاكتوري.. من الهدف إلى خطة الهجوم
كُشف عن نظام "فاير فاكتوري" عام 2023، وتشير التقارير إلى استخدامه لتحسين خطط هجمات الطائرات والمسيرات، عبر تحليل بيانات عن الأهداف السابقة والمساعدة في تحديد كمية الذخيرة المطلوبة، والجداول الزمنية، وأولويات الأهداف.
وإلى جانب ما سبق، استخدمت إسرائيل أنظمة أخرى لدعم قواتها، منها "عمق الحكمة" لرسم خرائط الأنفاق، و"الكيميائي" لرصد التهديدات، و"فاير ويفر" لربط القوات بالمعلومات وتحديد الأهداف، إلى جانب "فلو" و"هنتر" و"زد-تيوب" للوصول إلى بيانات ومعلومات ميدانية مباشرة عن عناصر حركة حماس، لكن رغم هذا التطور الكبير في قدرات الرصد وتحديد الأهداف، تم تدمير مدينة غزة بالكامل، واستمرت الحرب على غزة بكل هذه الخسائر المتعمدة، وسقط آلاف الشهداء، بينهم نساء وأطفال.
روسيا وأوكرانيا.. الذكاء الاصطناعي يدخل حرب المسيرات
أما الحرب الروسية الأوكرانية، فأظهرت جانبا آخر من استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات الحديثة، فقد استخدمت روسيا وأوكرانيا هذه التقنيات في الطائرات المسيرة، وأنظمة الرؤية الحاسوبية، وتحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار، والحرب الإلكترونية، وتشويش الاتصالات.
ومؤخرا، استخدم مطورون روس الذكاء الاصطناعي لبناء برمجيات لطائرات هجومية دون طيار تُعرف باسم "كاميكازي"، وفقا لصحيفة "الجارديان".
هل غير الذكاء الاصطناعي ميزان الحرب؟
رغم أن الذكاء الاصطناعي لم يحسم حربا كاملة لصالح طرف واحد، إلا أنه بالتأكيد غير طريقة إدارة المعركة، فالميزة التي يوفرها ليست فقط في امتلاك سلاح جديد، وإنما في السرعة؛ سرعة جمع المعلومات، وسرعة تحليلها، وسرعة اكتشاف الأهداف، وسرعة نقل المعلومة إلى القوات الموجودة في الميدان، وهنا تعود المخاوف إلى الواجهة، فإذا كان إيلون ماسك يحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أخطر من الأسلحة النووية، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى أن من يفوز بالذكاء الاصطناعي ينتصر، فإن المعركة لم تعد فقط حول من يملك التكنولوجيا، وإنما أيضا حول من يضع حدود استخدامها، ومع تطور هذه الأنظمة، يبقى السؤال: "هل يظل الإنسان صانع القرار -لاسيما في ساحات المعارك- أم تسلبه الخوارزميات هذه السلطة لتحدد له كيف يقاتل ومن يواجه؟".