من عربة الكسح إلى محطات المعالجة.. 59 قرية تدخل منظومة الصرف الصحي بكفر الشيخ
آخر تحديث: الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 7:49 م بتوقيت القاهرة
محمد علاء
- البرنامج يشمل إنشاء 3 محطات معالجة جديدة و28 محطة رفع
- يخدم 14% من السكان ويحاصر مصادر التلوث في بحيرة البرلس
- 164 مليون يورو تكلفة البرنامج بقروض ميسرة ومنحة أوروبية
ثلاث مرات شهريًا، كان عماد حسَّان يستدعي عربة كسح لتفريغ خزان الصرف الصحي «الطرنش» أمام منزله في قرية الجزيرة الخضراء بمركز مطوبس شمالي غرب كفر الشيخ.
في كل مرة، كان الصياد الأربعيني، والأب لخمسة أبناء، يدفع 200 جنيه، أي نحو 600 جنيه شهريا، للتخلص من مياه الصرف المتراكمة.
أحيانا كان تأخر العربة بضعة أيام يكفي لخروج المياه من «الطرنش» إلى الشارع.
يتذكر عماد: "كانت المجاري تجري على الشارع، ما نعرفش نمشي منها، والريحة الوحشة تملا المكان، وتلاقي الدبان ملموم في كل حتة".

وتصف شيماء النشار، المسؤولة المجتمعية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بكفر الشيخ في وحدة إدارة المشروعات، وضعًا مشابهًا في المناطق غير المخدومة بشبكة الصرف الصحي.
وتقول النشار إن بعض الأسر كانت تدفع بين 200 و300 جنيه في عملية الكسح الواحدة، وإن بعض المنازل كانت تحتاج إلى الكسح ثلاث أو أربع مرات شهريا.
كما تشير إلى أن ارتفاع تكلفة الكسح كان يدفع بعض السكان أحيانا إلى التخلص من مياه الصرف بنثرها في الشوارع؛ ما يؤدي إلى انتشار الحشرات والروائح الكريهة، مضيفة أن مياه الصرف كانت تتسرب حول المنازل، وتظهر آثار الرطوبة على جدران بعضها، كما تلوث المياه الجوفية.
- نصف مليون نسمة
لكن هذا الواقع يتغير اليوم تدريجيًا عبر برنامج «تطوير خدمات الصرف الصحي بكفر الشيخ» الذي يستهدف 59 قرية بإجمالي نحو 549 ألف نسمة، وفق بيانات الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي.
هذا العدد يمثل حوالي 14% من تعداد سكان محافظة كفر الشيخ، البالغ 3.8 مليون نسمة، طبقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ولرصد ما يجري على الأرض، أجرت «الشروق» جولة في موقع محطة معالجة زغلول البحري الجاري إنشاؤها بمركز مطوبس ضمن البرنامج.

داخل كرفان مؤقت يتوسط المنشآت الخرسانية غير المكتملة بموقع المشروع، بالجهة المقابلة من الطريق لمزارع الأسماك ببركة غليون، التقت «الشروق» مسؤولي التنفيذ.
ويقول المهندس محمد هشام الدسوقي، مدير وحدة إدارة المشروعات بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بكفر الشيخ، إن البرنامج يشمل توسعة محطة عزبة الشاعر في مطوبس، وإنشاء 3 محطات معالجة جديدة، هي: زغلول البحري بمطوبس أيضا، ودمرو بسيدي سالم، والربع ببلطيم.
تعمل محطة زغلول البحري بنظام المعالجة الثلاثية، بينما تعمل المحطتان الأخريان بنظام المعالجة الثنائية.
ويشمل البرنامج أيضا 38 محطة رفع، ونحو 400 كيلومتر من شبكات الانحدار، و106 كيلومترات من خطوط الطرد، كما يشرح الدسوقي.
ويوضح أن البرنامج ممول بقيمة 164 مليون يورو، منها 32 مليون يورو منحة من الاتحاد الأوروبي، بينما يأتي باقي التمويل في صورة قروض طويلة الأجل من بنوك أوروبية.
- رحلة مختلفة
تبدأ رحلة مياه الصرف في المنظومة الجديدة من داخل المنزل أيضًا، لكنها لن تتوقف داخل الطرنش هذه المرة.
يوضح المهندس محمد هشام الدسوقي أن شبكات الانحدار تجمع مياه الصرف من المنازل وتنقلها إلى محطات الرفع، ومنها تضخ المياه عبر خطوط الطرد إلى محطات المعالجة.
ويستهدف البرنامج الانتهاء من أعمال الشبكات ومحطات الرفع بنهاية العام الجاري 2026، والانتهاء من محطات المعالجة الجديدة في مارس 2027، وفقا للدسوقي.

- 15 ألف متر مكعب يوميا
في موقع محطة زغلول البحري، تتوزع منشآت المشروع على مساحة تقارب 20 فدانا. ويقول الدسوقي إن المحطة مصممة لاستيعاب 15 ألف متر مكعب يوميا في المرحلة الأولى، مع إمكانية التوسع مستقبلا بإضافة 10 آلاف متر مكعب يوميا.
وبحسب الدسوقي، بلغت نسبة التنفيذ الإجمالية للمحطة نحو 70%.
معالجة ثلاثية بعد المعالجة الثلاثية، تتجه المياه الخارجة من المحطة إلى مصرف زراعي يصب عند نهاية فرع رشيد. لهذا السبب كان ضروريا استخدام المعالجة الثلاثية في محطة زغلول البحري بينما كان ممكنا الاكتفاء بالمعالجة الثنائية في المحطات الأخرى، بحسب الدكتور أبو العباس عيسى، نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي.
يوضح عيسى أن الاشتراطات المنظمة تفرض المعالجة الثلاثية في الحالات التي تكون فيها نقطة خروج مياه الصرف المعالجة تقل عن 8 كيلومترات من المجاري المائية، بينما يمكن استخدام المعالجة الثنائية في المسافات الأبعد.
ويضيف أن المياه المعالجة، سواء ثنائيا أو ثلاثيا، تخضع لقواعد تنظم طريقة التخلص أو الاستفادة منها، موضحا أن بعض المياه المعالجة ثلاثيا يعاد استخدامها بالفعل في ري الزراعات غير المثمرة عندما تتوافر الشروط المناسبة.
ويشير عيسى إلى أن إنتاج نحو 600 ألف متر مكعب يوميا من المياه المعالجة ثلاثيا على مستوى الجمهورية، ويعاد استخدام جزء منها، بينما يعود جزء آخر إلى المصارف، بحسب ظروف كل محطة والاشتراطات المنظمة.
لكن محطة زغلول البحري لا تملك حتى الآن خطة محددة لإعادة استخدام المياه الخارجة منها في استخدام آخر. يقول الدسوقي إن الأولوية الحالية لاستكمال المحطة وتشغيلها، ثم التنسيق مع الشركة القابضة والجهات المعنية بشأن أوجه الاستفادة الممكنة من المياه المعالجة.
كما يربط ذلك بطبيعة المنطقة، موضحا أنها لا تمتلك ظهيرًا صحراويًا واسعًا يمكن توجيه المياه المعالجة إليه لأغراض الزراعة، ولذلك يكون التصريف في المصارف هو المسار المتاح حاليًا.
- البرلس في نهاية الرحلة
يقول محمد رأفت، معاون محافظ كفر الشيخ للمشروعات القومية، إن فلسفة المشروع ترتبط كذلك بخفض الملوثات الواردة إلى بحيرة البرلس، باعتبارها محمية طبيعية ومصدرًا مهمًا لإنتاج الأسماك.
ويوضح رأفت أن المصارف تمثل أحد مصادر تغذية البحيرة، وأن القرى التي لا تتوافر فيها خدمات الصرف الصحي قد تتخلص من المخلفات بطرق مختلفة في المجاري المائية والمصارف.

ويقول إن إنشاء شبكات ومحطات رفع ومعالجة يهدف إلى تقليل الملوثات التي تصل إلى البحيرة.
ويذكر بنك الاستثمار الأوروبي، المشارك في تمويل البرنامج، أن المشروعات الجارية تستهدف تقليل التلوث في بحيرة البرلس والمصارف الزراعية التي تصب فيها، وفق موقعه الرسمي.
وتقول شيماء النشار إن اختيار مناطق تنفيذ مشروعات الصرف يأخذ في الاعتبار، ضمن معايير أخرى، حجم التلوث والحاجة إلى خفضه.
- «الطرنش» لن يختفي بالكامل
رغم دخول عشرات القرى ضمن منظومة الصرف، فإن الطرنش وعربات الكسح لن تختفي بالكامل من كل مناطق كفر الشيخ.
يقول محمد رأفت إن القرى الأم والقرى الرئيسية والتوابع في مركز مطوبس أصبحت مخدومة من خلال مشروعات «حياة كريمة» ومشروع التعاون مع الاتحاد الأوروبي، بينما تبقى بعض العزب والتجمعات الصغيرة المتناثرة.
ويشرح أن بعض هذه التجمعات لا يزيد عدد سكانها على ألفي نسمة، كما أن المنازل قد تكون متباعدة، وهو ما يجعل مد الشبكات إليها أكثر تعقيدا وكلفة، خصوصا إذا احتاجت إلى خطوط طويلة أو محطات رفع إضافية.
ويقول إن تقدير جدوى ربط التجمعات الصغيرة بالشبكات يعتمد على تكلفة الخدمة للفرد وطبيعة الأرض والمسافات والعوائق الطبيعية والحاجة إلى محطات رفع.
وفي الحالات التي لا يكون فيها مد الشبكة مجديا اقتصاديا، يمكن استخدام عربات الكسح كحل لا مركزي، بحسب رأفت.
ويؤكد أن محطات المعالجة صُممت لاستيعاب التصرفات المستهدفة، بما فيها مياه الصرف التي تنقلها عربات الكسح من المناطق التي لا تصل إليها الشبكات، سواء التي توفرها شركة المياه أو بمعرفة الأهالي أنفسهم.
- عربة تحت الرقابة
ويقول أبو العباس عيسى إن عربات الكسح التابعة للشركة مزودة بأجهزة تحديد المواقع «GPS»، ويمكن تتبعها من خلال لوحة متابعة داخل الشركة، بما يسمح برصد مسارها من نقطة التجميع حتى محطة الرفع أو المعالجة.
ومع ذلك، لا ينكر محمد رأفت وجود مخالفات تتعلق بعربات خاصة تتخلص من مياه الصرف في الترع والمصارف. ويقول إن توفير بديل آمن للتخلص من مياه الصرف يتيح تطبيق القانون بصورة أكثر حزما على المخالفين.
ويوضح أبو العباس عيسى أن العقوبات يمكن أن تصل إلى غرامة قدرها 300 ألف جنيه، مع حجز السيارة وإلغاء ترخيصها. بالعودة إلى قرية الجزيرة الخضراء، كان التخلص من مياه الصرف بالنسبة لعماد حسَّان يبدأ بانتظار عربة الكسح، ثم دفع تكلفة متكررة لتفريغ «الطرنش».
وباكتمال المشروع ستبدأ رحلة مختلفة من المنزل عبر الشبكات، ثم محطات الرفع، ثم محطات المعالجة. لكن ما يهم حسَّان في النهاية أن يفتح صنبور المياه داخل منزله، ثم يتخلص من المياه المستخدمة من دون أن يفكر في موعد عربة الكسح التالية.